مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

«الشرق الأوسط» تجولت في قرية الروضة بشمال سيناء

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين
TT

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

تحت ظل شجرة يحجب أشعة الشمس القوية عن مترين مربعين تقريباً، كان الخمسيني سلامة سواركة، يتوسد آمناً راحة يده اليمنى ويستغرق في قيلولته بينما تعلو من حوله أصوات معدات ثقيلة تُنفّذ عمليات مد المرافق والخدمات إلى قرية الروضة بشمال سيناء، والتي شهدت منذ سنة واحدة إحدى أكثر المذابح «الإرهابية» بشاعة في تاريخ مصر الحديث وقُتل فيها 311 شخصاً من بينهم 27 طفلاً كانوا يؤدون صلاة الجمعة في مسجد القرية انقض عليهم مسلحون حصدوا أرواحهم.
القيلولة الهادئة لسواركة كانت في ساحة تبعد أمتاراً معدودة عن مسرح الحادث البشع، بل إن الشجرة الهادئة وارفة الظلال تُعد من بين الشهود على جثث الضحايا بعد إخراجهم من المسجد، وتجهيزهم للنقل لمثواهم الأخير في مقبرة جماعية احتضنت أجسادهم بما تحمله من رصاصات وشظايا وجروح تنزف دماء. وتجولت «الشرق الأوسط» في القرية المنكوبة، وذلك بالمواكبة مع مرور سنة على الأحداث التي اصطلح البعض على تسميتها «مذبحة المُصلين» وكانت محل اهتمام وإدانات دولية غير مسبوقة تليق بدموية الهجوم.
على بعد نحو 300 متر غربي المسجد الذي بات مركز بوصلة القرية وربما محافظة شمال سيناء كلها، لم تهنأ السيدة الثمانينية، حبوبة بحيري حريب، براحة معتادة في منتصف النهار، إذ حرمتها أنّات ابنة حفيدها الثانية الرضيعة منى التي تعاني مرضاً أصاب غدتها... كانت العجوز تهدهد ابنة حفيدها بين يديها اللتين لم تتوقفا عن الرجفة منذ فُجعت بنبأ مقتل ابنيها عبد السلام ومحمد، وإصابة ثالثهما أحمد، ومقتل نجله (حفيد السيدة ووالد الطفلة) طه، وكانوا جميعهم من المصلين بمسجد الروضة.
تحدثت حبوبة التي ينادينها مَن جلسوا حولها من أرامل وأطفال الضحايا الثلاث بـ«الجدة»، إلى «الشرق الأوسط» بلهجتها البدوية المميِّزة لأبناء سيناء، وهي تخفي ملامحها من وراء «قُنْعة» سوداء تغطي جسدها الهزيل وتترك متنفساً لعين واحدة ترى منها من حولها، وتنطق بثبات لافت عمّن رحلوا: «روّحوا لدار كريم، ربنا يلحقنا بهم على خير».
وتابعت أنها تشعر وهي تحتضن الصغيرة منى أن «الشهداء في حضني أحياء، فهي قطعة منهم، خصوصاً أنها وُلدت بعد استشهاد والدها بـ4 شهور»... والطفلة منى واحدة من بين 7 أطفال وصبية من أبناء الأسرة ولم يغادروا قريتهم منذ الحادث كما فعل آخرون، ويعتمدون في مصدر رزقهم على مخصصات مالية تصل شهرياً من وزارة التضامن الاجتماعي في الحكومة المصرية.
وأضافت السيدة أن «ابني الشهيد كان يعدني أن نؤدي معاً مناسك الحج حالما تيسّر الحال، وشاء القدر أن يفي بوعده رغم رحيله، إذ رُزقت بأداء الفريضة ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة الأخير، والذي خُصص جزء منه لذوي شهداء مسجد الروضة».
وفى أقصى جنوب القرية، حيث المساكن المُطلّة من على تبّة عالية على المسجد، كان الستيني منصور زايد، يشاهد جمع ركام آثار إعادة ترميم منزله، بعد إنهاء جهات التنفيذ عملها في إطار برنامج «رفع كفاءة منازل أهالي قرية الروضة» والذي قررته الحكومة المصرية بعد الهجوم.
وترك الحادث بالنسبة إلى زايد فجيعة «لن يُهدئ منها تجديد منزل أو حتى بناء قصر» حسب ما قال لـ«الشرق الأوسط» وهو يستند إلى عمود خرساني في ساحة مجلس ملاصق لبيته. وكان زايد يتجه ببصره نحو مئذنة المسجد، وهو يضيف: «في هذا اليوم وُلدت من جديد رغم أنني لم أتمنَّ ذلك، استطعت الفرار عبر نافذة المسجد متجهاً نحو الجنوب ومن خلفي ابني، وما إن تقدمنا معاً لنحو 30 متراً حتى تبين لنا أن إرهابياً كان يتخفى وراء شجرة ويقنص بالرصاص الحي كل من يلوذ بالفرار من المصلين».
واستطرد زايد بعد أن توقف لبرهة خلالها مسح دموعٍ غلبته وهو يعود بذاكرته لهول المنظر: «شاهدت المصلين الفارين من داخل المسجد إلى خارجه يتساقطون واحداً تلو الآخر برصاص القاتل الواقف خلف أغصان الشجرة، ومع ذلك مضيت في طريقي، وكان نصيبي رصاصة في الفخذ لم أشعر بها وواصلت مهرولاً، وسمعت صوت ابني من ورائي يسقط... وناداني: أموت يا أبي، وكان ردي لا إرادياً: اذهب إلى الجنة... الله يسهل عليك يا ولدي، روح للجنة».
بعد صمت لافت واصل الرجل: «فقدت الوعي، وعرفت بعدها أن ابني مات قبل وصوله إلى المستشفى، بينما نُقلت أنا للعلاج في مستشفى معهد ناصر الطبي بالقاهرة، وعولجت تماماً من آثار الحادث، وبعد أن عدت إلى بيتي عرفت أن أخي أيضاً استُشهد في الحادث، ورزقنا الله بالطفلة رهف حفيدتي وابنة الشهيد الذي رحل بعد أيام قليلة من عُرسه».
عُدنا إلى قرب ساحة المسجد مرة أخرى، في الوقت الذي كان يهمّ فيه سلامة سواركة، بالاستيقاظ من غفوته وبدأ استعدادات إشعال نيران «شاي العصاري»، وبدأ يصل إليه تباعاً شيب وشباب وأطفال من أبناء القرية يتهيأون لأداء صلاة العصر في المسجد في جماعة لا يتجاوز حضورها 40 شخصاً بعد أن كانوا في السابق يقدّرون بنحو 150 في الصلوات العادية، لكن فقدان القرية لأكثر من نصف رجالها ترك أثره على كل مناحي الحياة.
تحدث سواركة إلى «الشرق الأوسط» وأوضح أنه بعد «أسابيع قليلة من الحادث البشع أُزيلت كل آثار الجريمة من الدماء والعبوات الحارقة التي أُلقيت بين المصلين، وكذلك الطلقات النارية، فيما فُرش المسجد من جديد وتواصلت أعمال الدهانات لحوائطه، وأصبح يحمل اسم مسجد الشهداء».
الصلاة الآن في مسجد القرية يتجاور فيها السكان مع الجنود المكلفين بالحراسة، والذين بدأت مهامهم عقب الحادث وهم مكلفون بحمايته تأهباً لأي طارئ، كما يشارك الأهالي الصلاة في المسجد عمال ومهندسون يتولون أعمال الترميمات لمنازل الأهالي وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وهي من ضمن حزمة مشروعات أعلنتها الحكومة المصرية لصالح أبناء القرية.
حكايات الوجع في منازل القرية المنكوبة الممتدة على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين سيناء ومحافظات مصر، والتي تقدر مساحتها بنحو 3 كيلومترات، لا تنتهي فهناك منازل لم تعد تحوي غير أرامل وأطفال، وأخرى تضم رجالاً كباراً من الناجين ومنهم منصور سويلم، الذي فقد شقيقه وزوج ابنته، والذي قال وهو يتطلع ناحية بيت مهجور مكوّن من عشّتين متجاورتين: «هنا كان يسكن جاري منصور محارب، وقُتل جميع من في المنزل من رجال، والسيدات رحلن عند ذويهن في محافظة الإسماعيلية، وفي اتجاه آخر أشار إلى مزرعة أشجار مثمرة للمانجو والزيتون والرمان، وقال هذه الأشجار غرسها الشهيد محمد زوج ابنتي، وكان يتطلع إلى أن يقطف ثمارها».
وفي النطاق الجنوبي للقرية، كانت تنتشر عشش يسكنها بعض الأهالي الذين نزحوا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من مناطق الحرب على الإرهاب الملتهبة مثل جنوب الشيخ زويد، والتي أصبحت مسرحاً لعمليات ملاحقات قوات أمنية لجماعات تكفيرية متشددة تابعة لتنظيم داعش.
أمام عشة منها بُنيت بإحكام جلست أم ماجد، كما يناديها جميع سكان القرية، وقالت إنها تنتظر وصول لجان حكومية لتعاين العشش، وكما أخبروها أنهم «سيبنون مكانها بيوتاً إسمنتية لهم».
وأضافت أم ماجد لـ«الشرق الأوسط» أنها «استقرت في قرية الروضة الآمنة منذ 3 سنوات، ولم تكن تعلم أنها وزوجها وأبناءها الثلاثة سيفرّون من الموت ليلاقيهم هنا ويحصد من منزلهم زوجها وابنها المعاق ماجد».
وتذكرت في أسى كيف أنها استقلت صباح يوم الجريمة مع ابنها المعاق البالغ من العمر 25 سنة سيارة من منزلهم الذي يبعد نحو كيلومتر عن المسجد، وكان الضحية رغم إعاقته الحركية يساعد والده في رعاية أشقائه.
وبصعوبة روت أم ماجد آخر لحظة لها تشاهد فيها ابنها «عندما نزل من السيارة بصحبة كرسيه المتحرك يدفعه نحو المجلس المجاور للمسجد لينتظر فيه موعد صلاة الجمعة، بينما أكملتُ أنا زيارة أقارب لي يسكنون قريباً من المسجد، وما إن بدأ الإمام في إلقاء التحية على المصلين حتى سمعت إطلاق أعيرة نارية بكثافة، وحسبتها في بداية الأمر ضمن عمليات أمنية عادية، واستُبدل بالأصوات المنبعثة من مكبرات الصوت صراخ وتشهّد، عندها أيقنت أن كارثة حلّت في المكان».
واستكملتْ: «انقبض قلبي وفررت مسرعة، ولكن لم أستطع الاقتراب حتى هدأت أصوات النيران، وقطع طريقي ناجٍ من المجزرة وهو غارق في الدماء، في مشهد أفقدني توازني حتى أفقت على النبأ الحزين أن ابني المعاق ماجد قُتل، وأيضاً زوجي». «الحمد لله أنني نجوت» قالها عودة القديري وهو يشير إلى منزله، وأضاف بينما كان يشير إلى منزله: «هذا السكن يحوي بناتي، ولا أعرف لو قُتلتُ كيف كان سيكون حالهن؟». المصير الصعب الذي يخشاه القديري تعيشه السيدة أم ياسر، وهي أربعينية فقدت زوجها وترك في عنقها أمانة تربية بنتين وولدين، إذ قالت: «الرزق على الله، والحمد لله مستورة»، وتابعت أنها كغيرها من أرامل القرية أصبحن هُن من يؤدين دورهن في تربية الأبناء، ويحملن وصايا أزواجهن وأولادهن لهن قبل رحيلهم.
يعرف أهل الروضة، وكذلك زوارها من القرى المجاورة، منطقة شرق القرية التي توجد فيها «مقبرة الشهداء»، أو بالأحرى 4 مقابر حوت جثامينهم بشكل جماعي، وكل مقبرة أُحيطت بأحجار بيضاء اللون، وبينما لا تنقطع حركة الزائرين للضحايا الراحلين، كانت هناك حركة أخرى ينفّذها الجنود المتمركزون في القرية لتأمين المكان بشكل يومي بموازاة حلول الذكرى الأولى للحادث. الذكرى الأولى كذلك تبدو مظاهر إحيائها حاضرة بوضوح في الجانب الشمالي من القرية، حيث جُهز المبنى الخاص بإدارة أعمال القرية، ونشطت حركة إزالة ركام المباني من الشارع الرئيسي المؤدي إلى المسجد، وبدأ العمال في مضاعفة أوقات عملهم وهم يستكملون آخر ما تبقى من ترميمات المنازل عبر طلائها من الخارج بلون موحد.
ورغم حالة الوجع الظاهرة في حديث معظم أبناء الروضة، فإن الشاب حمدان عيد، وهو ابن أحد ضحايا الهجوم قال محاولاً إظهار تجاوزه للمحنة: «دماء الشهداء منحت قريتنا روح تحدٍّ وبقاء»، وأضاف معترفاً: «كنت مع أسرتي من بين من تركوا القرية خوفاً من تكرار هجوم الإرهابيين، ولكنني عدت بعد شهور قليلة وأقمت في عشة مجاورة لمنزلي لحين الانتهاء من ترميمه، وبعد إتمام الإصلاحات دخلت بيتي بحالته الجديدة فيما كنت أحمل بيدي صورة والدي الشهيد ووضعتها في صدر المجلس».


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.