مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

«الشرق الأوسط» تجولت في قرية الروضة بشمال سيناء

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين
TT

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

تحت ظل شجرة يحجب أشعة الشمس القوية عن مترين مربعين تقريباً، كان الخمسيني سلامة سواركة، يتوسد آمناً راحة يده اليمنى ويستغرق في قيلولته بينما تعلو من حوله أصوات معدات ثقيلة تُنفّذ عمليات مد المرافق والخدمات إلى قرية الروضة بشمال سيناء، والتي شهدت منذ سنة واحدة إحدى أكثر المذابح «الإرهابية» بشاعة في تاريخ مصر الحديث وقُتل فيها 311 شخصاً من بينهم 27 طفلاً كانوا يؤدون صلاة الجمعة في مسجد القرية انقض عليهم مسلحون حصدوا أرواحهم.
القيلولة الهادئة لسواركة كانت في ساحة تبعد أمتاراً معدودة عن مسرح الحادث البشع، بل إن الشجرة الهادئة وارفة الظلال تُعد من بين الشهود على جثث الضحايا بعد إخراجهم من المسجد، وتجهيزهم للنقل لمثواهم الأخير في مقبرة جماعية احتضنت أجسادهم بما تحمله من رصاصات وشظايا وجروح تنزف دماء. وتجولت «الشرق الأوسط» في القرية المنكوبة، وذلك بالمواكبة مع مرور سنة على الأحداث التي اصطلح البعض على تسميتها «مذبحة المُصلين» وكانت محل اهتمام وإدانات دولية غير مسبوقة تليق بدموية الهجوم.
على بعد نحو 300 متر غربي المسجد الذي بات مركز بوصلة القرية وربما محافظة شمال سيناء كلها، لم تهنأ السيدة الثمانينية، حبوبة بحيري حريب، براحة معتادة في منتصف النهار، إذ حرمتها أنّات ابنة حفيدها الثانية الرضيعة منى التي تعاني مرضاً أصاب غدتها... كانت العجوز تهدهد ابنة حفيدها بين يديها اللتين لم تتوقفا عن الرجفة منذ فُجعت بنبأ مقتل ابنيها عبد السلام ومحمد، وإصابة ثالثهما أحمد، ومقتل نجله (حفيد السيدة ووالد الطفلة) طه، وكانوا جميعهم من المصلين بمسجد الروضة.
تحدثت حبوبة التي ينادينها مَن جلسوا حولها من أرامل وأطفال الضحايا الثلاث بـ«الجدة»، إلى «الشرق الأوسط» بلهجتها البدوية المميِّزة لأبناء سيناء، وهي تخفي ملامحها من وراء «قُنْعة» سوداء تغطي جسدها الهزيل وتترك متنفساً لعين واحدة ترى منها من حولها، وتنطق بثبات لافت عمّن رحلوا: «روّحوا لدار كريم، ربنا يلحقنا بهم على خير».
وتابعت أنها تشعر وهي تحتضن الصغيرة منى أن «الشهداء في حضني أحياء، فهي قطعة منهم، خصوصاً أنها وُلدت بعد استشهاد والدها بـ4 شهور»... والطفلة منى واحدة من بين 7 أطفال وصبية من أبناء الأسرة ولم يغادروا قريتهم منذ الحادث كما فعل آخرون، ويعتمدون في مصدر رزقهم على مخصصات مالية تصل شهرياً من وزارة التضامن الاجتماعي في الحكومة المصرية.
وأضافت السيدة أن «ابني الشهيد كان يعدني أن نؤدي معاً مناسك الحج حالما تيسّر الحال، وشاء القدر أن يفي بوعده رغم رحيله، إذ رُزقت بأداء الفريضة ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة الأخير، والذي خُصص جزء منه لذوي شهداء مسجد الروضة».
وفى أقصى جنوب القرية، حيث المساكن المُطلّة من على تبّة عالية على المسجد، كان الستيني منصور زايد، يشاهد جمع ركام آثار إعادة ترميم منزله، بعد إنهاء جهات التنفيذ عملها في إطار برنامج «رفع كفاءة منازل أهالي قرية الروضة» والذي قررته الحكومة المصرية بعد الهجوم.
وترك الحادث بالنسبة إلى زايد فجيعة «لن يُهدئ منها تجديد منزل أو حتى بناء قصر» حسب ما قال لـ«الشرق الأوسط» وهو يستند إلى عمود خرساني في ساحة مجلس ملاصق لبيته. وكان زايد يتجه ببصره نحو مئذنة المسجد، وهو يضيف: «في هذا اليوم وُلدت من جديد رغم أنني لم أتمنَّ ذلك، استطعت الفرار عبر نافذة المسجد متجهاً نحو الجنوب ومن خلفي ابني، وما إن تقدمنا معاً لنحو 30 متراً حتى تبين لنا أن إرهابياً كان يتخفى وراء شجرة ويقنص بالرصاص الحي كل من يلوذ بالفرار من المصلين».
واستطرد زايد بعد أن توقف لبرهة خلالها مسح دموعٍ غلبته وهو يعود بذاكرته لهول المنظر: «شاهدت المصلين الفارين من داخل المسجد إلى خارجه يتساقطون واحداً تلو الآخر برصاص القاتل الواقف خلف أغصان الشجرة، ومع ذلك مضيت في طريقي، وكان نصيبي رصاصة في الفخذ لم أشعر بها وواصلت مهرولاً، وسمعت صوت ابني من ورائي يسقط... وناداني: أموت يا أبي، وكان ردي لا إرادياً: اذهب إلى الجنة... الله يسهل عليك يا ولدي، روح للجنة».
بعد صمت لافت واصل الرجل: «فقدت الوعي، وعرفت بعدها أن ابني مات قبل وصوله إلى المستشفى، بينما نُقلت أنا للعلاج في مستشفى معهد ناصر الطبي بالقاهرة، وعولجت تماماً من آثار الحادث، وبعد أن عدت إلى بيتي عرفت أن أخي أيضاً استُشهد في الحادث، ورزقنا الله بالطفلة رهف حفيدتي وابنة الشهيد الذي رحل بعد أيام قليلة من عُرسه».
عُدنا إلى قرب ساحة المسجد مرة أخرى، في الوقت الذي كان يهمّ فيه سلامة سواركة، بالاستيقاظ من غفوته وبدأ استعدادات إشعال نيران «شاي العصاري»، وبدأ يصل إليه تباعاً شيب وشباب وأطفال من أبناء القرية يتهيأون لأداء صلاة العصر في المسجد في جماعة لا يتجاوز حضورها 40 شخصاً بعد أن كانوا في السابق يقدّرون بنحو 150 في الصلوات العادية، لكن فقدان القرية لأكثر من نصف رجالها ترك أثره على كل مناحي الحياة.
تحدث سواركة إلى «الشرق الأوسط» وأوضح أنه بعد «أسابيع قليلة من الحادث البشع أُزيلت كل آثار الجريمة من الدماء والعبوات الحارقة التي أُلقيت بين المصلين، وكذلك الطلقات النارية، فيما فُرش المسجد من جديد وتواصلت أعمال الدهانات لحوائطه، وأصبح يحمل اسم مسجد الشهداء».
الصلاة الآن في مسجد القرية يتجاور فيها السكان مع الجنود المكلفين بالحراسة، والذين بدأت مهامهم عقب الحادث وهم مكلفون بحمايته تأهباً لأي طارئ، كما يشارك الأهالي الصلاة في المسجد عمال ومهندسون يتولون أعمال الترميمات لمنازل الأهالي وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وهي من ضمن حزمة مشروعات أعلنتها الحكومة المصرية لصالح أبناء القرية.
حكايات الوجع في منازل القرية المنكوبة الممتدة على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين سيناء ومحافظات مصر، والتي تقدر مساحتها بنحو 3 كيلومترات، لا تنتهي فهناك منازل لم تعد تحوي غير أرامل وأطفال، وأخرى تضم رجالاً كباراً من الناجين ومنهم منصور سويلم، الذي فقد شقيقه وزوج ابنته، والذي قال وهو يتطلع ناحية بيت مهجور مكوّن من عشّتين متجاورتين: «هنا كان يسكن جاري منصور محارب، وقُتل جميع من في المنزل من رجال، والسيدات رحلن عند ذويهن في محافظة الإسماعيلية، وفي اتجاه آخر أشار إلى مزرعة أشجار مثمرة للمانجو والزيتون والرمان، وقال هذه الأشجار غرسها الشهيد محمد زوج ابنتي، وكان يتطلع إلى أن يقطف ثمارها».
وفي النطاق الجنوبي للقرية، كانت تنتشر عشش يسكنها بعض الأهالي الذين نزحوا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من مناطق الحرب على الإرهاب الملتهبة مثل جنوب الشيخ زويد، والتي أصبحت مسرحاً لعمليات ملاحقات قوات أمنية لجماعات تكفيرية متشددة تابعة لتنظيم داعش.
أمام عشة منها بُنيت بإحكام جلست أم ماجد، كما يناديها جميع سكان القرية، وقالت إنها تنتظر وصول لجان حكومية لتعاين العشش، وكما أخبروها أنهم «سيبنون مكانها بيوتاً إسمنتية لهم».
وأضافت أم ماجد لـ«الشرق الأوسط» أنها «استقرت في قرية الروضة الآمنة منذ 3 سنوات، ولم تكن تعلم أنها وزوجها وأبناءها الثلاثة سيفرّون من الموت ليلاقيهم هنا ويحصد من منزلهم زوجها وابنها المعاق ماجد».
وتذكرت في أسى كيف أنها استقلت صباح يوم الجريمة مع ابنها المعاق البالغ من العمر 25 سنة سيارة من منزلهم الذي يبعد نحو كيلومتر عن المسجد، وكان الضحية رغم إعاقته الحركية يساعد والده في رعاية أشقائه.
وبصعوبة روت أم ماجد آخر لحظة لها تشاهد فيها ابنها «عندما نزل من السيارة بصحبة كرسيه المتحرك يدفعه نحو المجلس المجاور للمسجد لينتظر فيه موعد صلاة الجمعة، بينما أكملتُ أنا زيارة أقارب لي يسكنون قريباً من المسجد، وما إن بدأ الإمام في إلقاء التحية على المصلين حتى سمعت إطلاق أعيرة نارية بكثافة، وحسبتها في بداية الأمر ضمن عمليات أمنية عادية، واستُبدل بالأصوات المنبعثة من مكبرات الصوت صراخ وتشهّد، عندها أيقنت أن كارثة حلّت في المكان».
واستكملتْ: «انقبض قلبي وفررت مسرعة، ولكن لم أستطع الاقتراب حتى هدأت أصوات النيران، وقطع طريقي ناجٍ من المجزرة وهو غارق في الدماء، في مشهد أفقدني توازني حتى أفقت على النبأ الحزين أن ابني المعاق ماجد قُتل، وأيضاً زوجي». «الحمد لله أنني نجوت» قالها عودة القديري وهو يشير إلى منزله، وأضاف بينما كان يشير إلى منزله: «هذا السكن يحوي بناتي، ولا أعرف لو قُتلتُ كيف كان سيكون حالهن؟». المصير الصعب الذي يخشاه القديري تعيشه السيدة أم ياسر، وهي أربعينية فقدت زوجها وترك في عنقها أمانة تربية بنتين وولدين، إذ قالت: «الرزق على الله، والحمد لله مستورة»، وتابعت أنها كغيرها من أرامل القرية أصبحن هُن من يؤدين دورهن في تربية الأبناء، ويحملن وصايا أزواجهن وأولادهن لهن قبل رحيلهم.
يعرف أهل الروضة، وكذلك زوارها من القرى المجاورة، منطقة شرق القرية التي توجد فيها «مقبرة الشهداء»، أو بالأحرى 4 مقابر حوت جثامينهم بشكل جماعي، وكل مقبرة أُحيطت بأحجار بيضاء اللون، وبينما لا تنقطع حركة الزائرين للضحايا الراحلين، كانت هناك حركة أخرى ينفّذها الجنود المتمركزون في القرية لتأمين المكان بشكل يومي بموازاة حلول الذكرى الأولى للحادث. الذكرى الأولى كذلك تبدو مظاهر إحيائها حاضرة بوضوح في الجانب الشمالي من القرية، حيث جُهز المبنى الخاص بإدارة أعمال القرية، ونشطت حركة إزالة ركام المباني من الشارع الرئيسي المؤدي إلى المسجد، وبدأ العمال في مضاعفة أوقات عملهم وهم يستكملون آخر ما تبقى من ترميمات المنازل عبر طلائها من الخارج بلون موحد.
ورغم حالة الوجع الظاهرة في حديث معظم أبناء الروضة، فإن الشاب حمدان عيد، وهو ابن أحد ضحايا الهجوم قال محاولاً إظهار تجاوزه للمحنة: «دماء الشهداء منحت قريتنا روح تحدٍّ وبقاء»، وأضاف معترفاً: «كنت مع أسرتي من بين من تركوا القرية خوفاً من تكرار هجوم الإرهابيين، ولكنني عدت بعد شهور قليلة وأقمت في عشة مجاورة لمنزلي لحين الانتهاء من ترميمه، وبعد إتمام الإصلاحات دخلت بيتي بحالته الجديدة فيما كنت أحمل بيدي صورة والدي الشهيد ووضعتها في صدر المجلس».


مقالات ذات صلة

القبض على بقية «الخلية الإرهابية» التي استهدفت المزة ومطارها العسكري في دمشق

المشرق العربي أحمد ذياب المتورط مع ابنه عاطف في الهجوم على المزة ومطارها العسكري (الداخلية السورية)

القبض على بقية «الخلية الإرهابية» التي استهدفت المزة ومطارها العسكري في دمشق

إلقاء القبض على بقية أفراد خلية استهدفت منطقة المِزّة ومطارها العسكري، خلال محاولتهم نصب منصّات صواريخ من نوع «غراد»، تمهيداً لاستهداف مناطق مأهولة بالسكان.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.


العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».