ساحات النمسا وشوارعها تتحول إلى أسواق شعبية مفتوحة

يعيش فيها السائح تجربة بنكهة القرفة والبرتقال والزنجبيل

سوق الراتهاوس
سوق الراتهاوس
TT

ساحات النمسا وشوارعها تتحول إلى أسواق شعبية مفتوحة

سوق الراتهاوس
سوق الراتهاوس

تتميّز النمسا سياحياً بقدراتها وإمكاناتها وبرامجها المتنوعة طيلة العام. ولا تقتصر العاصمة فيينا وبقية مدن الإقليم في برامجها على الإرث الحضاري التاريخي والثقافي للبلد فحسب، بل تنظم كذلك فعاليات تتناسب وتتماشى وحال الطقس.
خلال فترة الصيف والجو الدافئ، مثلاً، تُنظّم برامج كالسينما المفتوحة و«السينما تحت النجوم»، ورحلات العبّارات التي تجول في الدانوب والبحيرات، ناهيك عن الأنشطة الرياضية كتسلق الجبال، والاستمتاع بالمهرجانات المفتوحة، والسباحة والغوص، والمشي.
أما فصل الشتاء، فتحتفي به البلاد أيّما احتفاء. وكلما كان برده قارساً زاد النشاط والجمال، حيث تكسو الثلوج الجبال وتتجمد البحيرات فتتحوّل إلى ساحات تزلّج على الجليد. فيه أيضاً يظهر نشاط آخر يعشقه الكبار والصغار، ويمتد من منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) طيلة ديسمبر (كانون الأول)، يتمثل هذا النشاط في «أسواق عيد الميلاد» الشعبية. فهي توفّر كل متطلبات ولوازم العيد كما تزخر بمأكولات شعبية وحلويات ومشروبات ساخنة من القرفة والبرتقال والزنجبيل، بينما تتنوع معروضاتها ما بين المصنوعات اليدوية والخزف والزجاج والشموع والصابون والمخبوزات، وحتى الحجارة النادرة وعملات قديمة وإكسسوارات، وبعض الأوعية الأثرية.
ولا تحتكر فيينا هذه الأسواق، التي يرجع تاريخ بعضها لقرون سحيقة على العاصمة؛ فهي موجودة في كل المدن والقرى والتلال الصغيرة. تُنصب الأكشاك الخشبية متراصة جنب بعضها بعضاً، وهي تفيض بمعروضات متهاودة الأسعار في أجواء فرحة وأضواء تتلألأ معبقة بروائح ونكهات مميزة.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن فيينا تختار لأسواقها مواقع أثرية، حيث يتسنى للسياح «ضرب عصفورين بحجر». زيارة السّوق والموقع معاً، خصوصاً أن الأسواق تفتح عادة من العاشرة صباحاً وتستمر حتى العاشرة مساءً. من هذه الأسواق:

لراتهاوس

تعتبر أشهر الأسواق حجماً وتنوعاً من حيث البضائع. تنظمها العاصمة فيينا وتجذب الزّوار من شتّى أنحاء العالم، ولا سيما من دول الجوار الذين يصلون في رحلات جماعية سريعة قد تقتصر على يوم واحد فقط، بواسطة حافلات تصل بهم صباحاً، ثم تغادر مساءً بعد أن يكونوا قد قضوا ساعات ممتعة، وأكلوا وشربوا وتبضّعوا ما يحتاجون إليه.
تنتظم سوق العام الحالي بـ145 كشكاً خشبياً تفتح من 17 نوفمبر حتى 26 ديسمبر.
توزّع الأكشاك على الجادة التاريخية الواسعة أمام مبنى البلدية (مقر حكومة إقليم فيينا) الذي أنشئ على نمط الروكو في القرن التاسع عشر.
جرت العادة سنوياً أن تتوسطه «ملكة جمال» أشجار عيد الميلاد في كامل زينتها وبهائها كأطول وأكبر شجرات العيد عمراً.
مهمّة اختيار شجرة العام (الملكة) تقوم بها لجنة تعمل طيلة العام في البحث بين أشجار الصنوبر في كل الأقاليم النمساوية التسعة؛ لاختيار الأطول والأكبر عمراً. فلكل شجرة نمساوية سجل خاص يبين نوعها وفصيلتها وعمرها وموقعها.

الشونبرون

من أسواق فيينا ذات الشهرة الواسعة. تُنصب في قصر الشونبرون المقر الصيفي لأباطرة الهابسبورغ.
في هذا القصر الذي يتألّف من 1441 غرفة، وأدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) ضمن قائمة التراث العالمي، سكنت الإمبراطورة ماريا تريزا التي حكمت النمسا 60 سنة، وكان لها 16 بنتاً وولداً، أشهرهم الإمبراطورة ماري انطوانيت.
تبدأ سوق الشونبرون من 18 نوفمبر وتستمر حتى الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، ومن فعالياتها إقامة ورش للصغار ومسرح عرائس.
يقع الشونبرون في المنطقة 14 ويصله مباشرة خط قطار الأنفاق رقم 4، وله محطة باسمه. يعتبر أهم مزار سياحي نمساوي من حيث عدد الزوار. كما تعتبر حديقة الحيوان التابعة له الأقدم في أوروبا

البلفدير

يقع في المنطقة الرابعة وتتميز سوقه بكونها محدودة لا تزيد أكشاكها على الـ40. ولأنها هادئة يقصدها محبو هذا القصر ممن يبحثون عن منتجات من السيراميك والرسم على الزجاج.
كان هذا القصر الباروكي المعمار، الذي يضمّ مبنيين متقابلين تفصلهما حدائق رائعة، مسكناً لقائد الجيش الإمبراطوري الأمير يوجين من سافوي، وأمسى اليوم متحفاً، بعد أن فُتحت أبوابه أمام الجمهور في عام 1781، ويضمّ حالياً لوحات من أروع ما رسمه أشهر الرسامين النمساويين غوستاف كليمت وشيلا، ويستضيف معارض مؤقتة.

ميدان ماريا تريزا

تقع في ميدان الإمبراطورة ماريا تريزا بالمنطقة الأولى التي تفصل بين متحفي التاريخ الطبيعي وتاريخ الفنون، والتي تعرض الكثير من الهدايا التي تلقاها أباطرة الهابسبورغ، بما في ذلك أعمدة فرعونية وتماثيل يونانية شاهقة. تقام من 21 نوفمبر إلى 26 ديسمبر، رغم أنها صغيرة لا تزيد أكشاكها على 20 أو أزيد قليلاً. تقدم تجربة ممتعة تتميّز بمأكولات شهية وبضائع يدوية وشموع، بجانب الكثير من مختلف أشكال الزينة. وعلى الرغم من أن هذه السوق من أكثر الأسواق برداً؛ لأنها تقام على حافة ميدان أخضر شاسع محاط بشارعين واسعين، فإن كثيرين من أهل فيينا المحليين يفضلونها بحثاً عن أجواء العيد في هدوء وحميمية وأضواء وبهرجة أقل.

أسواق ساحات الكاتدرائيات

بالطبع، لساحات الكاتدرائيات أيضاً أسواقها، ومنها كاتدرائية القديس استيفان، التي تتوسط قلب المدينة القديم. على بعد بضعة أمتار وليست بعيداً عن المنطقة الرابعة، هناك سوق كاتدرائية القديس كارل، التي تموج بأطعمة تطبخ طازجة كالأرغفة على أفران الفخم، ومخبوزات تحشى بالجبن والثوم.

المربع الذهبي

قبل بضعة سنوات، وقبل أن تبني فيينا ما أطلقت عليه اسم «المربع الذهبي»، لم تكن العاصمة النمساوية من المدن المعروفة بفرص التسوق المتنوع، من محال عالمية ذات فروع متعددة.
بإنشاء المربع الذهبي عوضت فيينا ذلك القصور بمنح ماركات عالمية مثل «شانيل» و«لويس فويتون» و«ديور» وغيرها مساحات كبيرة لعرض منتجاتها وسط ديكورات بديعة. كما عملت على جذب أسماء أخرى، مثل «برادا»، و«ميو ميو»، و«فالانتينو» و«هيرمس» و«أرماني» و«فيراغامو»، وغيرها من الماركات العالمية التي لم تكن تضع فيينا على خريطتها من قبل. في هذه الفترة تحديداً تحرص هذه المحال على جذب الزوار بعرض كل ما يحتاجون إليه لسهراتهم واحتفالاتهم بالعيد.
يتمدد المربع الذهبي بين شارعَي تخلاوبن Tuchlauben وكولماركت Kohlmarkt، مطلاً على منطقة القرابن التاريخية الزاخرة بالمتاجر والفنادق والمقاهي والمطاعم.
على بعد أمتار يقف قصر الهوفبورغ الذي كان المقر الشتوي لعائلة الهابسبورغ منذ القرن الثالث عشر وحتى عام 1918، وعلى بعد بضعة أمتار يقف متحف الالبرتينا الذي يضم 65 ألف لوحة.
ليس ببعيد عن هنا، يوجد شارع Dorotheum الذي يتيح فرصة لزيارة قصر المزاد الـ«دروثيوم»، أقدم دور للمزادات عالمياً. فقد افتُتح في عام 1707 ويضم معروضات متنوعة تشمل لوحات فنية وقطع أثاث وأدوات منزلية، وأطقماً صينيّة ومجوهرات، بعضها مستعمل وبعضها جديد.
يستحق المبنى الزيارة للاستمتاع ليس بالمعروضات فحسب، وإنما بشكل القصر وتصميمه وطريقة العرض والمهارة في التعامل مع أشياء ثمينة.

زاخر تورتة

من المربع الذهبي، عبر القرابن وكيرتن اشتراسا، أو الشارع السياحي، وكلاهما مخصص للمشاة فقط، يصل المرء إلى دار أوبرا فيينا.
لكن قبل الوصول إليها سيمرّ السائح بمقهى فندق «زاخر» الذي يشتهر بقالب تورتة من الشوكولاتة الخالصة. قالب يعتبره النمساويون رمزاً وطنياً لا تكتمل زيارة النمسا من دون تجربته أو شرائه. بل وصلت أصداؤه إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي خصصت له يوم الخامس من ديسمبر، من كل عام، للاحتفال به.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.