إقالة الحكومة السورية المؤقتة.. أخطاء تنظيمية وتجاذبات إقليمية

وزير الاتصالات والنقل والصناعة في الحكومة المقالة لـ {الشرق الأوسط}: كنا نحتاج لمزيد من الوقت والدعم

طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
TT

إقالة الحكومة السورية المؤقتة.. أخطاء تنظيمية وتجاذبات إقليمية

طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)

طرحت إقالة الحكومة المؤقتة من قبل الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري في يوم 21 يوليو (تموز) وما يتبعها من مسؤوليات، الكثير من التساؤلات حول أسباب الإقالة ومسيرة عمل الحكومة المؤقتة.
وفي حين رجح متابعون لعمل الائتلاف أن الإقالة كانت نتيجة لخلافات داخلية مستمرة منذ فترة سبقت حتى صعود الحكومة المقالة، رجح آخرون أسباب تأخر الائتلاف في تحقيق أهدافه للأوضاع الأمنية والتجاذبات السياسية الإقليمية.
ويطمح سياسيون وأكاديميون وناشطون منهم عبيدة فارس الذي تعاون مع «الشرق الأوسط» في إعداد هذا التقرير، إلى التوصل لحكومة جديدة تمثل كل الأطياف السياسية، كما يرى البعض أن الاستفادة من خبرة الوزراء والمسؤولين المنشقين عن النظام السوري الحالي ستكون «مفيدة» للحكومة المقبلة.
وعد وزير الاتصالات والنقل والصناعة في الحكومة السورية المؤقتة المقالة محمد غسان النجار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الائتلاف استعجل باتخاذ قراره «السياسي» بشأن الإطاحة بالحكومة باعتبار أن أعضاءه لم يزوروا خلال المرحلة السابقة مقر الحكومة كما أنّه لم يجر تشكيل لجان برلمانية تقيّم أداء كل وزارة على حدة، لافتا إلى أن هذه الحكومة كانت تحتاج للمزيد من الوقت والدعم من قوى المعارضة السورية كما الأطراف الدولية باعتبار أنها لم تبدأ عملها فعليا إلا من 4 أشهر بسبب تأخر وصول الدعم المادي.
ورأى النجار أنه كان من الأنسب أن يشكل الائتلاف لجنة مختصة بهدف المزيد من التواصل مع الوزارات والاستيضاح عمّا إذا كانت حققت إنجازات في مكان ما أو ارتكبت أخطاء فادحة لا يمكن إصلاحها. وقال: «السوريون قادرون اليوم على تشكيل حكومة جديدة لكن الأهم هو الانتباه للمعايير»، مشددا على وجوب اختيار «كفاءات كان لها دور سياسي قبل وبعد الثورة وعلى دراية باحتياجات الشعب السوري، خاصة أن الصورة ملتبسة والقوى العسكرية متناحرة على الأرض كما أن الواقع بمجمله مزرٍ».
وأمل النجار أن «تكون القيادة الجديدة موثوقة وقادرة على إعادة الثقة بالثورة»، وأضاف: «المهمة ليست سهلة على الإطلاق، فالقيادة يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء وأن تحسن تقييم المرحلة السابقة فتستفيد من تجربة الحكومة الانتقالية الأولى».
من جانبه، أكد عضو الائتلاف السوري، سمير النشار القول أن الائتلاف الوطني لم يحقّق الأهداف المطلوبة منه وهو اليوم أمام فرصة أخيرة بعد انتخاب الرئيس الجديد هادي البحرة لإنقاذه واستعادة ثقة السوريين والمجتمع الدولي به.
ورأى النشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنّه وللأسف منذ تأسيس الائتلاف حصلت تراجعات خطيرة على الصعيد الميداني بدءا من سقوط القصير وصولا إلى حصار مدينة حلب، الموقع الأخير للثوار بعد تمدّد داعش في أرياف حلب الشرقية.
وعد أنّ أسباب إخفاقات الائتلاف ليست فقط داخلية - ذاتية، إنّما أيضا مرتبطة بالخارج ولا سيما بالدعم العسكري المطلوب، وأضاف «فهو لم يتلقّ الدعم المطلوب من مجموعة أصدقاء سوريا لبناء مؤسسات حقيقية فاعلة، كما أنّ القرار الوطني السوري أصبح مصادرا بعدما بات الائتلاف موضوع تجاذب بين القوى الإقليمية والدولية». وأوضح النشار أنّ الائتلاف كما «هيئة الأركان» بنيا على توافقات إقليمية ودولية ولم تستطع المعارضة فيما بعد إصلاح الخلل في المؤسستين، إلى أن أصبحت القضية السورية اليوم رهن الصراع الإقليمي.
وأشار النشار إلى أنّ المعارضة تعوّل الآن على جهود مخلصة قد يدركها رئيس الائتلاف الجديد إذا استوعب الأخطار السابقة وعمل على إنقاذ الائتلاف، آملا أن تعيد القيادة الجديدة إعادة أحيائه.
وبينما عد النشار أنّ مباحثات تجرى مع شخصيات عدّة لتولي منصب رئيس الحكومة، رأى أن الشخصيات التي أعلنت انشقاقها عن النظام قد يكون لها دور فاعل إذا أعطيت الفرصة لتولي مناصب قيادية، نظرا إلى خبرتها الطويلة في بنية الدولة وفي معالجة الإشكاليات.
وأمل النشار الذي رشّح «معاون وزير النفط» السابق لدى النظام، لتولي رئاسة الحكومة، ألا تعتمد الحكومة الجديدة الطريقة نفسها التي طبعت مسيرة الحكومة السابقة وأن تعمل بعيدا عن الانحيازات، وأوضح أنّ حكومة طعمة كانت محطّ نفوذ «الإخوان المسلمين» إضافة إلى تيارات محسوبة عليها، عمدت إلى إقصاء باقي المكونات. وأمل النشار أن تقوم المعارضة بتشكيل حكومة «تكنوقراط» بعيدا عن الأحزاب وأن يكون توزيع المساعدات عادلا بعيدا عن الانتماء السياسي.
وقال الصحافي أحمد كامل المتابع لعمل الائتلاف والحكومة المؤقتة إن الحكومة المؤقتة كانت تُمثل أقل مؤسسات المعارضة السياسية سوءا، ففي تقديره فإن الحكومة عملت 50 في المائة مما تستطيع أن تعمله، وكان 40 في المائة من موظفيها لا يستحقون المكان الذي هم فيه، وثلث المال الذي وصلها أهدر، ولكن هذه أفضل نتيجة حققتها أي مؤسسة من مؤسسات المعارضة السياسية.
وقد حققت الحكومة المؤقتة إنجازات مهمة في ثلاثة قطاعات، الأول في ملف التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالمناهج، والثاني في مجال الاتصالات وإعادة تشغيل المقاسم، والثالث في مجال المواصلات، وخاصة فيما يتعلق بإصلاح الطرق.
وأضاف كامل أن الحكومة عانت من مشكلة الهدر في أجور الموظفين الاستشاريين، فقد كان لرئيس الحكومة 13 مستشارا، لكن ينبغي الإشارة إلى أن عددا من الفاعلين في الائتلاف ضغطوا على رئيس الحكومة لتعيين مستشارين من طرفهم، وهم أنفسهم من تحرّك لاحقا لإقالة الحكومة واتهمها بتشغيل موظفين لا حاجة لهم!.
وفيما يتعلق بإقالة الحكومة، يرى كامل أن المجموعة التي تحرّكت لإقالة الحكومة (66 عضوا في الائتلاف)، لم يقوموا بتحركهم بناء على دوافع تتعلق بطريقة إنجاز الحكومة، بقدر ما ارتبط الأمر بمناكفات سياسية مع رئيس الحكومة نفسه، ولم يستبعد أن تبقى معظم التشكيلة الحالية للوزراء في الحكومة المقبلة، طالما أن هدفهم لإسقاط رئيس الحكومة قد تحقق.
وأشار كامل إلى أنّ نجاح الحكومة المؤقتة في عملها يتطلب ثلاثة عوامل، هي الأرض المحررة والآمنة، والموارد المالية، ووجود صلاحيات واضحة ومحددة. وأشار إلى أن تقدير الاحتياج المُلح في الأراضي التي لا تخضع لسيطرة النظام يبلغ 42 مليون دولار يوميا، أي بما يُعادل نصف ما تسلمته الحكومة المؤقتة خلال عام كامل!
من جهته قال الباحث عبد الرحمن عبّارة إن المشهد الثوري يتطلب من حيث المبدأ وجود جهة تنفيذية تقوم على متابعة الاحتياجات الأساسية لجمهور الثورة وخصوصا في المناطق المحررة ودول الجوار، وجاء تشكيل الحكومة المؤقتة لتحقيق هذه الغاية، ونجحت في مجالات وأخفقت في أخرى، لكنها في النتيجة وقعت ضحية التجاذبات والانقسامات السياسية الحادة للكتل داخل الائتلاف الوطني السوري.
وأضاف عبّارة أن هذا لا يعفي الحكومة المؤقتة من التقصير والإهمال في مجالات العمل المؤسساتي ومتابعة ملفي المساءلة والمحاسبة للعاملين فيها، الأمر الذي أدى لظهور «حكومة ظل» مكوّنة من كبار المستشارين والموظفين تقوم مقام رئيس الحكومة ووزرائه، وهي عوامل مجتمعة أعطت المزيد من الحجج لإقالتها، هذا عدا عما تعانيه الحكومة المؤقتة منذ التأسيس ولغاية الآن من عدم وجود نظام أساسي ناظم لعمل الحكومة المؤقتة، وعدم وجود هيكل تنظيمي واضح لرئاسة الوزراء والوزارات، كذلك عدم وجود أنظمة أساسية ناظمة لعمل كل وزارة وكذلك أنظمة داخلية لها، وعدم وجود نظام مالي يبين كيفية إعداد وإقرار وتنفيذ ومراقبة الموازنة العامة للحكومة وتبويب النفقات والإيرادات وآلية عقد النفقات وصرفها وتصفيتها، وقلة الكوادر من ذوي الخبرة في العمل في القطاع العام أو الإدارة العامة، وعدم إدراك أغلب العاملين بالحكومة ووزاراتها لطبيعة العمل المؤسساتي العام.
وقال عبارة إنه لا أحد يطالب بحماية المفسدين، وبالمقابل لا رغبة لدى الثورة بأكل أبنائها والعبث بسمعتهم ومصداقيتهم، لذا فإن خطوة إقالة الحكومة المؤقتة دون أسباب واضحة، ودون تحديد أسماء المفسدين فيها وإحالتهم إلى القضاء المختص، ودون إعلان أسماء الشرفاء فيها وتوجيه الشكر لهم باسم الثورة السورية، هي خطوة غير كافية، بل نستطيع حينئذ وضعها في خانة الكيدية السياسية.
ومن جهة أخرى فإن الفساد في مؤسسات الثورة السياسية لا يقتصر على مواقع بالحكومة المؤقتة فحسب، بل هو ربما فرعٌ عن فساد متأصل ببعض الشخصيات والكتل المشكلة للائتلاف الوطني، ونأمل أن يكون عنوان القيادة الجديدة للائتلاف العمل على تلافي أخطاء المرحلة السابقة، وتعزيز مبدأ المسائلة والمحاسبة، واعتماد الكفاءة كأساس للتعيينات في الحكومة المؤقتة وكل مكاتب ومؤسسات الائتلاف الوطني من الرأس إلى القاعدة.
وأقالت الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري الحكومة المؤقتة بأغلبية 66 صوتا، وذلك عقب اجتماعاته التي ناقش خلالها أعمال الحكومة. وأشارت الهيئة العامة إلى أن «هدف الإقالة هو الرقي بعمل الحكومة لخدمة شعبنا، والعمل على تحقيق أهداف الثورة».
جدير بالذكر أن رئاسة الائتلاف فتحت باب الترشح منذ تاريخ اليوم ولغاية أسبوعين، على أن تقوم الهيئة العامة من تاريخه، بتشكيل الحكومة الجديدة خلال ثلاثين يوما.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.