دمشق تتهم «المسلحين» بمحاولة إفشال تدمير الكيماوي

رجل يقف في فجوة أحدثها قصف بالبراميل المتفجرة في أحياء تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة في حلب أمس (رويترز)
رجل يقف في فجوة أحدثها قصف بالبراميل المتفجرة في أحياء تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة في حلب أمس (رويترز)
TT

دمشق تتهم «المسلحين» بمحاولة إفشال تدمير الكيماوي

رجل يقف في فجوة أحدثها قصف بالبراميل المتفجرة في أحياء تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة في حلب أمس (رويترز)
رجل يقف في فجوة أحدثها قصف بالبراميل المتفجرة في أحياء تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة في حلب أمس (رويترز)

اتهمت دمشق، أمس، مقاتلي المعارضة بشن هجمات على موقعين للأسلحة الكيميائية في ريف دمشق ووسط سوريا قبل أيام، وذلك وسط استعدادات لنقل هذه الأسلحة وتدميرها خارج البلاد، في وقت أعلنت موسكو أنها تستضيف محادثات دولية الجمعة لمناقشة تدمير الترسانة الكيميائية السورية. وبموازاة ذلك، واصل الطيران السوري قصفه مناطق سيطرة المعارضة في مدينة حلب وريفها، لليوم التاسع على التوالي، مما أدى إلى مقتل 15 شخصا على الأقل، أضيفوا إلى 368 شخصا قتلوا بالقصف، خلال ثمانية أيام، في حين تجددت الاشتباكات في مزارع ريما قرب يبرود في القلمون بريف دمشق الشمالي بين قوات المعارضة والقوات النظامية.
وأفاد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية بأن مقاتلي المعارضة هاجموا موقعا للأسلحة الكيميائية في المنطقة الوسطى بأعداد كبيرة، «إلا أن الجهات المعنية قامت بالتصدي لهذا الهجوم الغادر وإفشاله».
ونقلت وكالة الأنبار الرسمية السورية (سانا) عن المصدر قوله إن «مجموعات أخرى، بينها جبهة النصرة المرتبطة بـ(القاعدة)، شنت هجوما على موقع آخر في ريف دمشق، محاولة اقتحامه بعربة مدرعة محملة بكميات كبيرة من المتفجرات، إلا أن عناصر حماية الموقع تصدوا لهذا الهجوم وفجروا السيارة المفخخة قبل دخولها»، مما أدى إلى «سقوط أربعة شهداء و28 جريحا».
وأوضح المصدر أن «المحاولات ما زالت مستمرة على هذا الموقع»، من دون أن يقدم تحديدا دقيقا للموقعين اللذين تعرضا للهجمات. واتهم المصدر الدول الداعمة للمعارضة السورية بـ«تسريب» معلومات إلى المقاتلين عن مواقع هذه الأسلحة، التي من المقرر أن تنقل تمهيدا لتدميرها في البحر.
وقال: «الأهم يبقى حول كيفية تمكّن هذه المجموعات الإرهابية من معرفة الجهود الجارية لنقل هذه المواد إلى خارج سوريا، بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، منتقدا «الدور الخطير واللامسؤول لبعض الدول التي تتواصل مع المسلحين، وتنقل إليهم المعلومات المتعلقة بمحتويات هذه المواقع، من المواد الخطيرة والتوجهات الجارية لنقلها». وأدانت الخارجية، بحسب المصدر، «ما تقوم به الدول المعروفة بدعمها لهذه المجموعات الإرهابية»، محملة إياها «مسؤولية المخاطر التي ينطوي عليها تسريب مثل هذه المعلومات، وأي نتائج كارثية ستترتب على ذلك».
ويُفترض أن تغادر أخطر العناصر الكيميائية الأراضي السورية في 31 ديسمبر (كانون الأول)، على أن تُدمر الترسانة بأكملها قبل الـ30 من يونيو (حزيران) 2014.
وفي سياق متصل، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أن بلاده تستضيف محادثات دولية يوم الجمعة المقبل، لمناقشة تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، مشيرا إلى أن الاجتماع الذي سيُعقد في موسكو سيضم خبراء من روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وسوريا.
وأكد ريابكوف في حديث لإذاعة «صوت روسيا اليوم»: «إننا سنتمكن من استكمال هذه العملية في إطار الجدول الزمني المتفق عليه، أي في النصف الأول من العام المقبل».
وكانت موسكو أعلنت أنها أرسلت 25 شاحنة مدرعة و50 عربة أخرى إلى سوريا للمساعدة في نقل مواد سامة ستدمر بموجب الاتفاق الدولي. ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزير الدفاع سيرجي شويجو قوله، في تقرير مقدم إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن الطائرات الروسية حملت، في الفترة من 18 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، 50 شاحنة طراز «كاماز» و25 شاحنة مدرعة طراز «أورال» إلى ميناء اللاذقية السوري، إلى جانب معدات أخرى.
في غضون ذلك، واصل الطيران السوري، أمس، قصفه على مناطق سيطرة المعارضة في مدينة حلب وريفها شمال البلاد، مما أدى إلى مقتل 15 شخصا على الأقل، بينهم سيدة وثلاثة أطفال. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن القصف الجوي الدامي لا سيما باستخدام «البراميل المتفجرة» المحشوة بأطنان من مادة «تي إن تي»، أدى منذ 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، إلى مقتل 364 شخصا، بينهم 105 أطفال و33 سيدة و30 مقاتلا معارضا على الأقل.
وأوضح المرصد أن القصف باستخدام الطيران الحربي والمروحي، استهدف مناطق في حي السكري، كما استهدف بلدة أورم الكبرى في الريف الغربي لحلب. وأفاد ناشطون بأن قصفا مماثلا طال مدينتي أعزاز والأتارب في ريف حلب على الحدود مع تركيا.
ودعا المرصد المجتمع الدولي والأمم المتحدة «وكل من لديه بقايا من الضمير الإنساني، إلى التحرك الفوري والعاجل من أجل وقف هذا القتل العشوائي بحق المدنيين»، وعدّ أنه في غياب هكذا تحرك، سيُعدّ الأطراف المعنيون «شركاء في المجازر التي تُرتكب (...) بشكل يومي». وكانت المعارضة أعلنت، أول من أمس (الاثنين) أنها لن تشارك في المؤتمر الدولي المقرر عقده في سويسرا في 22 يناير (كانون الثاني) المقبل سعيا للتوصل إلى حل للأزمة، في حال تواصل الغارات الجوية على حلب.
وأفاد ناشطون باستهداف سلاح الجو السوري مدينة رتيان بريف حلب الشمالي بأربع غارات متتالية، أسفرت عن سقوط أكثر من عشرة بين قتيل وجريح. وسجلت غارات أخرى على بلدات من الريف الشمالي لحلب، وذلك بعد تعرض بلدة أعزاز إلى غارة جوية، أول من أمس، أوقعت أكثر من 15 قتيلا و20 جريحا. وبينما ردت المعارضة بقصف بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين في ريف حلب، الخاضعتين لسيطرة النظام، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أمني سوري قوله إن القصف يستهدف مواقع «الإرهابيين» في حلب، مشيرا إلى أن «عمليات الجيش مستمرة» في حلب، مؤكدا أنها تُنفّذ «لتحقيق الأهداف المرصودة وبالأسلحة المناسبة». وأضاف: «الغارات الجوية تستهدف أماكن تمركز العصابات الإرهابية في حلب. نحن لا نستهدف أي منطقة إلا عندما نكون متأكدين 100 في المائة أن الموجودين في المقر هم إرهابيون».
وفي محاولة منه لنفي وجود قتلى مدنيين، قال المصدر إن «كل الجثث التي ترونها هي لإرهابيين ومرتزقة، معظمهم أتوا من خارج الحدود السورية».
وفي تطور لافت، تجددت الاشتباكات في منطقة القلمون، في ريف دمشق الشمالي، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة في محيط مزارع ريما بالقرب من مدينة يبرود في منطقة القلمون بريف دمشق، غداة استهداف البلدة بقصف مدفعي متقطع.
وتعد مزارع ريما آخر نقطة تفصل يبرود عن مواقع سيطرة القوات النظامية في النبك وأطرافها التي استعادتها قبل أسبوعين. ونقل مكتب أخبار سوريا المعارض عن قائد ميداني في يبرود، قوله إن الاشتباكات في منطقة القلمون تتركّز على ثلاث جبهات هي ريما ورنكوس ومعلولا، وتشهد اشتباكات يومية واستهدافا بالمدفعية من قبل قوات النظام.
وقال المصدر إن غرفة عمليات مركزية قد شُكلت بالفترة الأخيرة تجمع بين قيادات جميع الفصائل العسكرية المعارضة المقاتلة في القلمون، بهدف التنسيق بينها فيما يخص الجبهات الثلاث حاليا.
إلى ذلك، أفاد ناشطون سوريون بقصف الطيران الحربي النظامي حي الحويقة في مدينة دير الزور شرق سوريا، بعد اشتباكات عنيفة شهدها الحي خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع قصف الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة في المدينة بالمدفعية الثقيلة، وذلك بعد تقدم قوات المعارضة على عدة جبهات فيها.
وجاء القصف غداة تقدم المعارضة عند المدخل الجنوبي لدير الزور، حيث نفذت عدة فصائل عملية عسكرية سيطرت من خلالها على دوار البانوراما الذي يعتبر من أهم مناطق تمركز قوات النظام، وعلى مدرسة الشرطة ومشفى الأسد.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.