اختبار الثانوية الكورية... ثماني ساعات مصيرية تشل الدولة وتؤدي للانتحار

المدرسون يعدون أسئلته في مقر سري ويتم عزلهم عن أسرهم لشهر كامل

طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
TT

اختبار الثانوية الكورية... ثماني ساعات مصيرية تشل الدولة وتؤدي للانتحار

طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)

من يظن أن التوتر الذي يحيط بامتحانات الثانوية العامة والتأهيل لدخول المرحلة الجامعية في أوطاننا العربية مبالغ فيه، عليه زيارة كوريا الجنوبية في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، ففي اليوم المقرر لإجراء اختبار «سونونج» والذي يتقدم إليه نحو نصف مليون طالب سنوياً بعد أن يكونوا قد قضوا سنوات حياتهم كلها تقريباً في الاستعداد لهذا اليوم، تتوقف الحياة حرفيا في أرجاء العاصمة سيول.
ويشرح تقرير نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن لفظة «سونونج» هي اختصار مسمى الامتحان الأشهر في كوريا الجنوبية وهو: «اختبار القدرات الدراسية للمرحلة الجامعية»، وهو عبارة عن ماراثون من الاختبارات المتواصلة لمدة ثماني ساعات، والذي لا يحدد فقط ما إذا كان الطالب سيلتحق بالجامعة من عدمه، ولكنه أيضاً يؤثر على فرصه المهنية مستقبلا، ومستوى دخله، ومقر إقامته، وحتى علاقاته الشخصية.
ففي كل عام وخلال شهر نوفمبر، يصيب «سونونج» العاصمة سيول بحالة تشبه الشلل، فيعم الصمت الشوارع، حيث تغلق المحال التجارية في يوم إجراء الاختبار، وكذلك لا تفتح البنوك أبوابها، وحتى البورصة لا تبدأ تعاملاتها إلا في ساعة متأخرة من هذا اليوم. وحتى المشاريع الإنشائية العاجلة تتوقف بشكل استثنائي، وتحط الطائرات عن إقلاعها، بل إن المناورات والتدريبات العسكرية تتجنب هذا اليوم تحديدا.
ولا يشوب هذا الصمت المطبق، إلا أبواق سيارات الشرطة وقد انطلقت بين الحين والآخر لإخلاء الطريق في محاولة لإيصال الطلاب الذين تأخروا عن موعد الـ«سونونج»، أما عائلات الطلاب الذين يغلبهم التوتر بشأن مصير الأبناء الممتحنين، فتزدحم بهم دور العبادة، حيث يكون مشهد إمساك الآباء المتأثرين بصور أطفالهم فيما يشرعون في الصلاة متكررا، ويتم تنظيم جدول الصلوات في هذا اليوم بالتزامن مع مواعيد إجراء الـ«سونونج».
ولبيان أهمية الـ«سونونج»، تقول كو أيون - سيوه (18 عاما) والتي تخوض الاختبار للمرة الأولى: «بالنسبة لنا، فإن (سونونج) يعتبر بوابة رئيسية إلى المستقبل. ففي كوريا، الدراسة الجامعية مسألة بالغة الأهمية، وبالتالي فإننا نستعد لمدة 12 عاما لهذا اليوم، وأعرف طلابا تقدموا إلى هذا الاختبار ما لا يقل عن خمس مرات».
أما لي جين - يونج (20 عاما) فقد خضعت للـ«سونونج» مرتين قبل أن تنجح في الدخول إلى الجامعة. وفي شرح تجربتها تقول: «على مدار أسبوع وقبل يوم الاختبار، أقوم بممارسة المشي في تمام الساعة السادسة صباحا، حتى تكون قدراتي الذهنية في أفضل حال. وأظل أردد لنفسي لقد درستِ بجد، عليكِ فقط أن تريهم ذلك»، وتتذكر كيف أنها وصلت العام الماضي إلى أبواب المدرسة في تمام الساعة السابعة والنصف، لتقابل طلاب الأعوام الأولى المتحمسين يوزعون حلوى الطوفي المحلية والمعروفة باسم «يوات» على سبيل تمني الحظ الطيب للممتحنين. ولكن بمجرد الدخول إلى المدرسة، يتحول المزاج العام ويحل الصمت المطبق. وفي مدخل قاعة الاختبار، يقف المشرفون ويلوحون بالأجهزة الكاشفة عن المعادن، لمصادرة كل أشكال الإلهاء من الساعات الرقمية «الديجيتال»، والهواتف، والحقائب، والكتب.
وتقول جين – يونج: «الجميع التزموا الهدوء الشديد، حتى أن المدرسين ارتدوا الأحذية الرياضية، بحيث لا يتسبب وقع أقدامهم في أي إزعاج قد يشتت انتباه الطلاب».
حتى عملية وضع الاختبار ذاتها تكتنفها السرية، ففي شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام، يتم اختيار 500 مدرس من أنحاء كوريا الجنوبية ويتم اقتيادهم إلى موقع سري في إقليم «جانجون» الجبلي، وعلى مدار شهر كامل، تتم مصادرة هواتف المدرسين المختارين ويتم حظر أي تواصل بينهم وبين العالم الخارجي.
وتتذكر أيون - سيوه مدرسها السابق للغة الصينية والذي أخبرها أنه تم اختياره من قبل للمشاركة في وضع الاختبار، فتقول: «في وقتها قال لزملائه إنه مسافر، حتى إن بعضهم تصور أنه تقاعد عن العمل، وتم اقتياده إلى موقع سري، ولمدة شهر لم يكن مسموحاً له بالمغادرة أو حتى التواصل مع أسرته».
أما عن طبيعة الاختبار، فتقول جين – يونج: «كان في غاية الصعوبة، حتى أنه بنهاية اختبار اللغة الكورية، كنت أرتعش، ولم أتمكن حتى من قراءة السؤال الأخير، ولكنني فقط خمنت الإجابة». وأوردت لي شهادتها حول الـ«سونونج» فيما كانت تحمل بطاقة الحضور لاختبار العام الماضي، وفي الجانب الخلفي، كان هناك كتابات وعلامات دونتها في إشارة إلى إجاباتها في الاختبار.
يتم الإعلان الرسمي عن درجة كل طالب عبر موقع إنترنت قومي، وذلك خلال شهر من إجراء الاختبار، ولكن بعض المواقع غير القانونية تقوم بنشر درجات الطلاب بشكل فوري عقب الاختبار، بما يتيح للطلاب مقارنة إجمالي درجاتهم بالحد الأدنى المطلوب لالتحاقهم بالكليات الجامعية التي يتمنونها.
وهكذا اكتشفت جين - يونج أنها أخفقت في الاختبار، «عندما أدركت أن درجاتي أقل من المطلوب، انفطر قلبي، شعرت وكأنني أريد أن أذوب وأختفي من على وجه الأرض». ولكن في العام التالي، تقدمت لخوض الـ«سونونج» للمرة الثانية، ولحسن حظها، أحرزت الدرجات الكافية لدخول الجامعة.
لكن تقرير الـ«بي بي سي» يحاول حل اللغز وراء توتر المرتبط بعملية التقدم للمرحلة الجامعية في كوريا الجنوبية؟
تتمتع كوريا الجنوبية بأنها أحد أكثر الشعوب تعلما على مستوى العالم. فثلث العاطلين عن العمل هناك يحملون شهادة جامعية. ومع وصول معدلات البطالة في أوساط الشباب إلى أعلى مستوى خلال عقد كامل، أصبحت المسألة أكثر صعوبة فيما يخص الالتحاق بجامعة مرموقة.
ومثل أغلبية شباب كوريا الجنوبية، فإن أيون - سيوه لا تهدف إلى أي جامعة وإنما تتمنى الالتحاق بـ«سكاي» الاسم المختصر للإشارة إلى أرفع ثلاث جامعات في كوريا الجنوبية، وهم سيول، وكوريا، ويونسي. فهم يتم اعتبارهم بمثابة جامعات هارفارد وييل الأميركية أو أكسفورد وكامبريدج البريطانية في كوريا الجنوبية.
وتكشف الإحصاءات عن أن نحو 70 في المائة من خريجي الثانوية سوف يلتحقون بالتعليم الجامعي، ولكن أقل من 2 في المائة سوف يتمكنون من بلوغ قامة جامعات «سكاي»، وتلخص أيون - سيوه الأمر: «إذا كنت تسعى للاعتراف بك وأن تصل إلى أحلامك، يجب أن تنضم إلى إحدى هذه الجامعات الثلاث. فالجميع يحكم عليك على أساس شهادتك الجامعية ومن أين حصلت عليها».
كما أن الانضمام لصفوف جامعات «سكاي» المرموقة يعتبر السبيل الأفضل للحصول على وظيفة في أحد التكتلات الاقتصادية التي تدار بشكل عائلي والتي تعرف باسم «تشايبول» أو «العشيرة الثرية»، فاقتصاد كوريا الجنوبية مرتبط بهذه السلالات ذات التأثير الممتد مثل «إل جي»، و«هيونداي»، و«إس كيه»، و«لوتي»، و«وإن كانت أكبرهم على الإطلاق هي «سامسونج».
يشرح لي دو - هون، أستاذ علم الاجتماع بجامعة يونسي، كيف أن الصحف القومية تنشر كل عام موضوعات حول كم المحامين، والقضاة، والمديرين التنفيذيين بالتكتلات الاقتصادية الكبرى والذين تخرجوا في الأساس في جامعات «سكاي». ويعقب لي: «هذا يجعل الناس تشعر بأن التحاقك بجامعات (سكاي)، يمكنك من الحصول على وظيفة مرموقة».
ويشرح دو - هون أن التخرج في جامعة جيدة في كوريا الجنوبية لا يضمن للشباب في الواقع وظيفة جيدة أو راتباً مستقراً. فالمنافسة شديدة بين المتقدمين بسوق الوظائف. ويضيف: «مما أسمعه من طلابي، فإن حتى مع التخرج في إحدى الجامعات المرموقة، فإن الحصول على وظيفة يزداد صعوبة. وإن كانت المسألة تصبح أيسر بالنسبة لخريجي جامعات الصفوة بالمقارنة مع غيرهم من خريجي الجامعات الأدنى في المستوى». ويعقب: «وبالطبع، إذا لم تخض الاختبار وتلتحق بجامعة، فإن من شبه المستحيل، أن تجد وظيفة جيدة».
وبما أن الكثير فيما يخص مستقبل طلاب كوريا الجنوبية تحدد وفقا لنتيجة اختبار «سونونج»، فإن المراجعات له تبدأ مبكرا، من سن الرابعة.
الانتقادات الموجهة إلى اختبار الـ«سونونج» لا تقف عند هذا الحد، فهو متهم بالتأثير سلباً على الحالة النفسية والذهنية للطلاب.
فيشرح دكتور كيم تاي - هيونج، وهو أخصائي نفسي يعمل في سيول: «الأطفال الكوريون مجبرون على الدراسة الشاقة والتنافس مع زملائهم، فهم ينشأون في حالة من العزلة، يدرسون بمفردهم. وهذه الحالة من العزلة والوحدة قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب، وتعد سبباً رئيسياً وراء حالات الانتحار».
على المستوى الدولي، فإن الانتحار يعد ثاني أكبر مسبب لحالات الوفاة في أوساط الشباب، ولكن في كوريا الجنوبية يعد السبب الرئيسي وراء وفيات الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 أعوام و30 عاماً. ووفقا لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فإن كوريا تشهد أعلى معدل للإصابة بالتوتر في أوساط الشباب ما بين الـ11 و15 عاما، وذلك بالمقارنة مع أي دولة صناعية أخرى.
ولا عجب، إذ يشرح دكتور تاي - هيونج أن الضغوط التي تمارس على الطلاب بالمجتمع الكوري للالتحاق بجامعة جيدة والحصول على وظيفة مربحة يبدأ مبكرا. فيقول: «يبدأ الأطفال بالشعور بالقلق والتوتر منذ سن مبكرة جدا. حتى أن طلاب أولى سنوات المرحلة الابتدائية يتحدثون بشأن الحصول على وظيفة ذات عائد مربح».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

علماء يكشفون عن كيفية تحوّل القطن من نبات بري إلى محصول عالمي

قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
TT

علماء يكشفون عن كيفية تحوّل القطن من نبات بري إلى محصول عالمي

قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)

القطن هو المحصول غير الغذائي الأكثر ربحية في العالم وأكثر الألياف الطبيعية استخداماً، إذ يعرف بملمسه المريح ومتانته، واستخدم منذ العصور القديمة في صناعة الأقمشة وغيرها من المنتجات.

تزرع 4 أنواع من القطن للاستخدام التجاري، لكن نوعاً واحداً هو السائد، إذ يمثل نحو 90 في المائة من الإنتاج العالمي.

وكشف العلماء مؤخراً، بفضل تحليلات وراثية دقيقة، كيف جرى تحويل قطن المرتفعات، المسمى «جوسيبيوم هيرسوتوم»، إلى محصول تجاري واسع الانتشار. وخلصوا إلى أن هذا التحول بدأ في المكسيك في الجزء الشمالي الغربي من شبه جزيرة يوكاتان. وكانت المنطقة في ذلك الوقت مأهولة بمزارعين من العصر الحجري، قبل وقت طويل من ازدهار حضارة المايا هناك، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وقال جوناثان ويندل، أستاذ علم النباتات وعلم الأحياء التطوري بجامعة ولاية أيوا، إن هذه العملية حدثت منذ ما لا يقل عن 4000 عام، وربما منذ ما يصل إلى 7000 عام.

حدّد الباحثون مكان حدوث هذا التطويع من خلال مقارنة التركيب الجيني للقطن المزروع بأنواع برية، عُثر عليها في يوكاتان وفلوريدا وعدد من جزر الكاريبي، من بينها بويرتوريكو وغوادلوب، ليتبيّن أن أقربها تطابقاً هو القطن البري في يوكاتان.

بكرات من خيوط القطن في مزاد بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية 15 مايو 2026 (أ.ب)

وقال ويندل، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة التي نشرت، الاثنين، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»: «نباتات القطن البري هي شجيرات خشبية متعددة الفروع أو أشجار صغيرة معمرة ذات أزهار قليلة نسبياً وأزهار وثمار وبذور أصغر حجماً من تلك المزروعة حالياً».

وأضاف أن اهتمام بعض الجماعات البشرية بهذه النباتات البرية كان الشرارة الأولى لمسار طويل من التطوير الزراعي، انتهى بعد آلاف السنين إلى ظهور الشكل المعاصر للمحصول.

وقالت كورين غروفر، عالمة الوراثة وعلم الأحياء التطوري بجامعة ولاية أيوا والباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة: «رأى المزارعون الأوائل في هذا النبات البري... إمكانات واعدة لإنتاج مواد ناعمة. وتمكن النساجون الأوائل من عزل أليافه يدوياً واستخدامها في نسج الأقمشة وصناعة شباك الصيد والحبال وغيرها من المنتجات».

انتقل قطن المرتفعات إلى بقية العالم في أعقاب الغزوات الإسبانية للأميركتين في القرن السادس عشر. وتُعدّ الصين والهند والولايات المتحدة والبرازيل الآن من أكبر منتجي القطن في العالم.

وقالت غروفر: «تشير الأبحاث إلى أن عملية التطويع، أي تحويل هذه الألياف القصيرة الخشنة البنية إلى النسيج الناعم الأبيض عالي الجودة الذي نعرفه اليوم، تتضمن على الأرجح كثيراً من الجينات التي تعمل في تناغم معقد».

وخلصت الدراسة إلى أن نبات القطن في شكله الحالي يتمتع بتنوع جيني أقل بكثير، أي تنوع الخصائص الجينية داخل النوع الواحد، مقارنة بنظيره البري. ويمكن أن يحد انخفاض التنوع الجيني من قدرة النبات على التكيف مع التغيرات البيئية مثل التعرض للأمراض.

القطن جاهز للحصاد وهو يغطي حقلاً في مينتورن بولاية كارولاينا الجنوبية الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وقالت غروفر: «نعلم أن التطويع غالباً ما يؤدي إلى فقدان التنوع الجيني، إذ كان المزارعون الأوائل ينتقون السمات الأكثر نفعاً، ما أدى تدريجياً إلى تراجع التنوع الجيني قبل أن تتفاقم هذه العملية مع تطور أساليب تحسين المحاصيل وتزايد ضغوط الانتقاء».

وأضافت أن الدراسة تتيح فهماً أوسع لما يعنيه هذا التحول على مستوى الجينوم العالمي للقطن، مقارنة بما لا يزال قائماً في الأنواع البرية. وأوضحت أن هذا المخزون الوراثي البري يظل بالغ الأهمية، لأن بعض الصفات التي فُقدت دون قصد مثل مقاومة آفات معينة قد تكون ذات قيمة كبيرة عند إدماجها في الأصناف المزروعة الحديثة.

جرى تحويل نوع آخر من القطن هو جوسيبيوم باربادينس، أو القطن طويل التيلة، إلى محصول زراعي في الأميركتين، خاصة بيرو أو الإكوادور في نفس الفترة الزمنية تقريباً، الذي تم فيها تطويع قطن المرتفعات. ويشكل هذا النوع حالياً نحو 5 في المائة من إنتاج القطن العالمي.

أما بقية الإنتاج فهو من نوعين آخرين جرى تحويلهما إلى محاصيل زراعية، هما جوسيبيوم أربوريوم القادم من شبه القارة الهندية، وجوسيبيوم هيرباسيوم الذي تعود أصوله إلى أفريقيا جنوب الصحراء وشبه الجزيرة العربية.

ويتفوق القطن كثيراً على محاصيل الألياف الأخرى مثل الكتان والقنب من حيث حجم الإنتاج.

وذكرت غروفر: «الطلب على القطن، رغم تباينه من سنة إلى أخرى، لا يزال مرتفعاً ويبدو أنه في اتجاه تصاعدي بشكل عام».

أدّى اختراع محلج القطن، وهو آلة فصلت آلياً البذور عن ألياف القطن، في الولايات المتحدة أواخر القرن الثامن عشر، إلى طفرة كبيرة في سرعة المعالجة، ما حوّل زراعة القطن إلى نشاط شديد الربحية. وأسهم ذلك في توسع العبودية في ولايات الجنوب الأميركي، مع تصاعد الطلب على الأيدي العاملة لزراعة هذا المحصول المربح وحصاده.


دراما خطف الأطفال... وقائع متكررة تصدم المصريين

مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
TT

دراما خطف الأطفال... وقائع متكررة تصدم المصريين

مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)

في مشهد أقرب للدراما بمحافظة الشرقية (دلتا مصر)، جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، أمس الاثنين، أنقذ ركاب سيارة أجرة طفلة بالصف الرابع الابتدائي كانت تتعرض لمحاولة خطف، بعدما لاحظ أحدهم ارتباكها وخوفها من سيدة غريبة كانت برفقتها، قبل أن يتأكد لهم أنها لا تعرف السيدة، ما دفعهم إلى إيقاف السيارة، وتسليمهما إلى الأجهزة الأمنية، فيما كشفت التحريات الأولية أن السيدة حاولت خطف الطفلة بعد استدراجها بغرض سرقة «قرطها الذهبي» الذي كانت ترتديه.

ووفق تصريحات صحافية لوالدة الطفلة، فإن السيدة ادعت للطفلة معرفة الأم، واصطحبتها بعد خروجها من أداء الامتحانات، محاوِلة إقناعها أكثر من مرة بأخذ «القرط»، ومع رفض الطفلة، استقلت معها سيارة أجرة متجهة إلى مدينة الزقازيق (عاصمة المحافظة)، قبل أن يُكتشف أمرها.

الواقعة، ليست مجرد مشهد عابر، بل صورة متجددة من دراما خطف الأطفال التي تتكرر في المجتمع المصري، بعد وقائع متتالية، كان ضحاياها أطفال ورضّع.

وسلط المسلسل المصري «حكاية نرجس»، خلال شهر رمضان الماضي، الضوء على قضية خطف الأطفال، حيث تناول المسلسل، المأخوذ عن قصة حقيقية، قصة جرائم اختطاف سيدة عاقر للأطفال لتعوض عدم قدرتها على الإنجاب.

وفي الواقع؛ شهدت مصر وقائع سابقة لخطف الأطفال أثارت جدلا بأحداثها الدرامية، أبرزها الشهر الماضي مع حادثة اختطاف رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، على يد سيدة مُنتقبة، بعد أن قامت والدة الطفلة بحسن نية بإعطائها إياها لتهدئتها، لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات، إلا أن السلطات الأمنية تمكنت من القبض عليها بعد جهد كبير قادته 8 فرق وشمل فحص 122 كاميرا مراقبة.

وشهدت محافظة الجيزة، مطلع الشهر الحالي، محاولة سائق مركبة «توك توك» خطف طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة (12 عاماً)، حيث كشفت التحريات أن السائق بعد توصيله للطفل ووالدته وعقب نزول الأم، انطلق هارباً بالطفل، إلا أن والدته استغاثت، فلاحقه الأهالي وتمكنوا من إيقافه والتحفظ عليه، بينما اعترف المتهم بمحاولة الخطف للاعتداء عليه لكونه تحت تأثير المواد المخدرة.

بنايات على نيل القاهرة (رويترز)

وفي حادثة مماثلة لـ«طفلة الشرقية»؛ وقعت الأسبوع الماضي، حاولت سيدة في إحدى أسواق محافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة) استدراج طفلة في الصف الأول الابتدائي واختطافها لسرقة قرطها الذهبي، إلا أن صرخات الطفلة أيقظت انتباه رواد السوق، الذين حاصروا السيدة وشلّوا حركتها، وأفشلوا محاولة الخطف، قبل تسليمها للشرطة.

ولا توجد إحصائيات رسمية حديثة بشأن عدد حالات خطف الأطفال في مصر، فيما أوضحت إحصاءات سابقة تلقي خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة، خلال عامي 2018 و2019، ما يزيد على 2264 بلاغاً بحالة خطف. بينما أشار مدير الإدارة العامة لنجدة الطفل، صبري عثمان، في تصريحات قبل شهرين، إلى أن بلاغات «خطف الأطفال» التي يتلقاها المجلس، بسيطة ومحدودة، ولا تعبر عن ظاهرة مقلقة.

الدكتورة إنشاد عز الدين، أستاذة علم الاجتماع، ترى أن جرائم خطف الأطفال تبدو في ظاهرها حالات فردية، لكنها آخذة في التكرار خصوصاً مع تناولها المستمر في الإعلام، لكنها ليست ظاهرة اجتماعية واسعة، وإن كانت تتكرر وترتبط بدوافع متعددة، منها السرقة، بينما أخرى تستهدف الرضّع لأسباب مختلفة، ما يعكس تنوع أنماط الجريمة وخطورتها.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن وضع شرطي في كل مكان، لكن يمكن أن يكون المجتمع نفسه خط الدفاع الأول عبر الملاحظة والإبلاغ»، مؤكدة أن «وعي الركاب وشدة ملاحظتهم في حادث طفلة الشرقية نموذج إيجابي يجب تعميمه».

كما تلفت إلى دور المدرسة في حماية الأطفال، عبر وضع قواعد صارمة لتسليم التلاميذ فقط لأشخاص مسجلين مسبقاً كأولياء أمور أو أقارب معتمدين، كذلك فإن «تداول أخبار الخطف عبر وسائل الإعلام يجب أن يكون جرس إنذار للأسر، ليأخذوا الأمر بجدية أكبر، فعليهم مسؤولية في تقليل مخاطر الخطف، مثل تجنب ارتداء الأطفال لمقتنيات ثمينة كالحُلي الذهبية التي تجذب المجرمين» وفق أستاذ علم الاجتماع، التي طالبت بتسريع إجراءات التقاضي، والعدالة الناجزة، وصدور الأحكام سريعاً وإعلانها للرأي العام، لأن ذلك يردع المجرمين.

وينص قانون العقوبات في مصر على عقوبات صارمة في جرائم «خطف الأطفال»، تناولتها تسع مواد قانونية من 285 حتى 291، تضمنت أحكاماً تتراوح من السجن سبع سنوات وحتى السجن المؤبد أو الإعدام في حالات معينة.

المحامي المصري، محمد فتوح، يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «قوانين العقوبات رادعة لأي جريمة ومنها الخطف، والحل ليس في المزيد من التشريعات، بل في سرعة تطبيق القانون، وتعزيز دور الشرطة، وتكامل المجتمع المدني مع الدولة في حماية الأطفال».

ويؤكد فتوح أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على العقوبات، بل تحتاج إلى توعية المجتمع، قائلاً: «يجب أن يتعلم الأطفال في المدارس كيف يتعاملون مع الغرباء، وأن تدرك الأسر مسؤوليتها في حماية أبنائها، كما أن المؤسسات العقابية يجب ألا يقتصر دورها على السجن فقط، بل أن تقدم برامج إصلاح نفسي وتأهيل اجتماعي للسجناء».

ويضيف: «الشرطة تبذل مجهوداً كبيراً، كما حدث في قضية خطف رضيعة الشهر الماضي حين تم ضبط المتهمة خلال 24 ساعة، لكن هذه النجاحات يجب أن تُبرز في الإعلام لتردع المجرمين، كذلك هناك حاجة إلى تطوير أدوات المراقبة، مثل إلزام المحلات والمدارس بوجود كاميرات، وفرض غرامات على من يتجاهل ذلك، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من مكافحة الجريمة».


إحالة ياسمينا المصري للمحاكمة بتهمة «سبّ» نقيب الممثلين المصريين

الفنانة ياسمينا المصري (فيسبوك)
الفنانة ياسمينا المصري (فيسبوك)
TT

إحالة ياسمينا المصري للمحاكمة بتهمة «سبّ» نقيب الممثلين المصريين

الفنانة ياسمينا المصري (فيسبوك)
الفنانة ياسمينا المصري (فيسبوك)

قررت جهات التحقيق في مصر إحالة الفنانة المصرية ياسمينا المصري إلى المحاكمة بتهمة السب والقذف ضد نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي، في القضية التي تحمل رقم 6357 لسنة 2026 جنح النزهة.

جاء ذلك بعد التحقيق مع الفنانة في البلاغ المقدم من نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي، الذي اتهمها بالسب والقذف والتشهير، إلى جانب الطعن في الأعراض والتهديد بالإيذاء والإساءة إلى سمعته وسمعة عائلته، عبر منشورات على صفحتها بموقع «فيسبوك». كما أمرت نيابة النزهة (شرق القاهرة) بحبس الفنانة ياسمينا المصري أربعة أيام على ذمة التحقيق.

وألقت الأجهزة الأمنية القبض على الفنانة، وحررت محضراً بالواقعة، في حين باشرت النيابة التحقيقات إلى أن قررت إحالتها إلى محكمة الجنح.

وتصل عقوبة السب والقذف في القانون المصري إلى الحبس والغرامة، التي تتراوح بين ألفين و10 آلاف جنيه، وفقاً للمادة 306 من قانون العقوبات. وفي بعض الحالات قد تصل الغرامة إلى 50 ألف جنيه إذا اقترنت الجريمة بالتشهير والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وشاركت الفنانة ياسمينا المصري في عدد من الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية، من بينها مسلسل «يا أنا يا إنتي» بطولة فيفي عبده، وسمية الخشاب؛ وفيلم «المرسي أبو العباس» بطولة صبري عبد المنعم، وسليمان عيد، وأحمد عزمي؛ ومسرحية «الثانية في الغرام» بطولة محمد عبد الحافظ، ومحمد عبد الجواد، ومن تأليف سامح العلي وإخراجه.

نقيب الممثلين في مصر الفنان أشرف زكي (فيسبوك)

ووفق متابعته للأزمة بين الفنانة الشابة ياسمينا المصري ونقيب الممثلين أشرف زكي، يقول الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين إن الفنان أو الفنانة الشابة حين يخطئان لا بد أن يتعرضا للجزاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لكن يجب ألا ننسى أن الدكتور أشرف زكي مسؤول عن جميع الفنانين، حتى من غير أعضاء النقابة. وفي نهاية هذه الأزمة، إذا ثبت خطأ الفنانة الشابة، فقد تُحبس، وفي تصوري أن نقيب الممثلين لن يرضى بذلك، وربما ينتهي الأمر باعتذار علني».

وأشار سعد الدين إلى أن الوسط الفني في مصر يُعد «أسرة كبيرة»، وأنه «لا يصح أن يصل الخلاف إلى القضاء»، وتابع: «المفترض أن الفنان أشرف زكي، بصفته نقيب الممثلين، هو كبير هذه الأسرة، والمسؤول عن جميع الفنانين، سواء كانوا أعضاء في النقابة أم لا. ولا خلاف على حقه في الحصول على رد اعتباره أدبياً، لكنني لا أتمنى أن يكون النقيب سبباً في حبس فنان جنائياً».

ويتولى الفنان أشرف زكي منصب نقيب المهن التمثيلية منذ عام 2015، وهو ممثل ومخرج مسرحي قدَّم العديد من الأعمال في الدراما والسينما والمسرح، من بينها مسلسلات «المداح»، و«إش إش»، و«حكيم باشا»، و«الاختيار»، كما شارك في أفلام «الرجل الغامض بسلامته»، و«الوتر»، و«طباخ الرئيس»، و«ولد وبنت». وعلى خشبة المسرح، قدَّم أعمالاً من بينها «ضحك ولعب ومزيكا»، و«عائلة الفك المفترس».