من الإذعان إلى التمرّد

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفاً من ترجمة تصدر قريباً لكتاب «العصيان» لفريديريك غرو

فريديريك غرو
فريديريك غرو
TT

من الإذعان إلى التمرّد

فريديريك غرو
فريديريك غرو

تصدر عن «دار الساقي» قريباً ترجمة كتاب جديد لأستاذ الفكر السياسي المعروف فريديريك غرو بعنوان «العصيان»، أنجزها جمال شحيد. وفي هذا الكتاب، يدعو غرو إلى الديمقراطية النقدية والمقاومة الأخلاقية عبر طرح أسئلة حول جذور الطاعة السياسية: هل هي امتثال اجتماعي أم إذعان اقتصادي أم احترام للسلطات؟
إن الفكر الفلسفي الذي يدفعنا إلى رفض الاستسلام للبديهيات يحثّنا أيضاً على إيجاد معنى للمسؤولية السياسية. وفي الوقت الذي تأتي فيه قرارات الخبراء نتيجةً لإحصاءات جامدة، يصبح العصيان تأكيداً للإنسانية. فريديريك غرو أستاذ فكر سياسي بمعهد العلوم السياسية في باريس. له إصدارات عدّة وعُرف بنشره الأعمال الكاملة لميشال فوكو في سلسلة «La Pléiade». وقد خصّت دار النشر «الشرق الأوسط» بهذا المقطع من الكتاب: «في مجال التنميط الأخلاقي، لنبدأ بما سأسميه هنا (الإذعان). الإذعان هو البديهية الأولى والنموذج البدئي.
لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن: ويستحيل أن أتصرّف بطريقة مغايرة. هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس. الذي يطيع على نحو مميَّز هو العبد.
وأقصد بالإذعان طاعة إكراهية خالصة: نطيع من يحمل في يديه السلاحَ والسوط، والقدرةَ على التحكّم بالوظيفة، بل بالحياة والموت. أي إننا نطيع ربَّ العمل ورئيس العمال والكابو و(المدير) الإداري و(الرئيس)... أن أذعن يعني أنني سجين تتحكم بي علاقة قوة تُخضِع وتُرضِخ وتستلب، بالمعنى الحصري للكلمة. عندما أذعن، أكون تابعاً للآخر تماماً، فيسيّرني ويقرّر عني ويُصدر أوامره الهادرة ويمنعني من النجاح ويكسر حقوي وإرادتي. ما أفعله عندئذ هو أن أنفّذ باستسلام ما طلبه مني هذا الآخر الخارج عني والمهيمن عليّ. لا تستطيع لا الإرادة الخاصة ولا الدافع الداخلي ولا العفوية الحية ولا الحركة الشخصية أن تتدخّل في حركاتي وسكناتي.
إنني مذعن.
هذا على الأرجح هو المعنى الأدقّ والأقسى للطاعة: هو علاقة (أن أكون مسيَّراً ومسيطّراً عليّ ومأموراً ومحكوماً... إلخ) ترغمني على التصرّف وفقاً لإرادة آخر، أي إنني عندما أتصرّف أبقى عديم الحيلة. هذه عبارة إشكالية في الإذعان: أي إنني أجمع عند شخص بمفرده بين الهمود والنشاط. راقبوهم كيف يتخبّطون: العامل أمام آلته الذي تُرهقه متابعة الوتائر المستحيلة، الموظف الصغير الذي يسعى حثيثاً في مكتبه لتطبيق التعليمات الزئبقية، المستخدَم الذي يرهق نفسه في (الانفعال). جميعهم منهكون ويستنفدون قواهم. ولكن هذه الحركة المحمومة ليست سوى الوجه الآخر لانفعال تام.
لماذا يطيع المذعنُ؟ لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر: إنه أقل قوة، وأقل اقتداراً. لماذا تطيع؟ لأنني لا أستطيع أن أعصي. ويعود سبب الطاعة عند المذعن إلى عبثية العنف الأعمى وعلاقات القوة.
أمامنا شخص ساءله الفكرُ السياسي منذ أرسطو على الأقل: وهو العبد. قال أرسطو في كتابه (السياسات) إن العبد يملكه شخص آخر، وهو (سلعة حيّة)، (ktêma empsukhon) و(منفّذ أوامر). وهذا يعني أنه لا يمتلك نفسه. فجسده وحركاته وحياته بالذات يمتلكها سيدُه. هو أداة وآلة في أيدٍ غريبة. وهو سلعة يجري تبادلها وتُباع، وهو مُقتنى يتصرّف به مالكه على هواه، ويسيّره ويستطيع استخدامه أو يسيء استعماله.
العبد هو الذي لا يملك نفسه، و(ينفّذ الأوامرَ دون مبادرة منه. العبد لا يبادر في شيء، ولا يشرع في شيء: حركات يديه وجسده ليست سوى صدى وإجابة وردّ فعل ونتيجة لقولٍ آمر ناهٍ صدر أولاً وهيمن. العبد لا يبدأ شيئاً: إنه يتبع وينفّذ أوامر شخص آخر).
ليس نص أرسطو سوى مناسبة، ولا أتكلّم على العبودية كوضع محدّد تاريخياً، وهو في النتيجة متغيّر ومتنوّع، كما تشهد بذلك كتب التاريخ. وأبني هنا فقط أنموذجاً يقول بتقليص العجز ويرى في العبودية تبعيةً ما: (استعباد شيء ما يعني أن هذا الشيء يخضع لسبب خارجي؛ على العكس، لا تعني الحرية أنها خاضعة لهذا الشيء بل متحررة منه). بهذا المعنى الواسع، أُجْمِلُ العبيدَ في العصور القديمة الذين كان يمكن تبادلهم كما تُتبادَل الجرار، وأتكلّم على الأقنان في العصر الوسيط الذين كانوا يحصلون على قوت يومي زهيد مقابل عمل لا ينتهي على أراضي الآخرين، وأعني بهم أيضاً عمّال المصانع الكبرى إبان القرن التاسع عشر الذين كانت رواتبهم بائسة، والناس المثقلين بالديون في أيامنا ممن يشترون حقّهم في العيش والسكن والغذاء وتعليم أولادهم - «فانخرطوا في الدوّامة» كما يقال - مقابل أتعابهم المزمنة وقلقهم البالغ، في حين أن هناك نخبة لا تخجل وتستطيع أن تكسب في أيام معدودة ما لا يستطيعون الحصول عليه في حياتهم كلها.
لماذا يطيع المذعِنُ؟ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر، ولأنه عاجز عن العصيان؛ ذلك أن العقاب المبرِّح يأتي مباشرة. وإذ إنه مهان ومسرَّح ومضروب ومستبعد ومتقهقر، فإن العصيان يكلّفه غالياً جداً... وينطوي على مجازفة كبرى. يطيع المرء لأن تكلفة العصيان مرهقة. في المحصلة، يكمن السبب الوحيد للطاعة في استحالة العصيان. يستند الإذعان إلى العنصر الاعتباطي لعلاقة متخلخلة في القوى، وإلى اللاعدالة في السلّم الهرمي. ينصاع العبد بصمت لأوامر سيده، ويزرع القن؛ إذ إنه يَبقُر أراضي سيده، ويَقبل العامل أن تُفرض عليه وتائر (عمل) مجنونة، ويُصغي المستخدم لانتقادات رئيسه الهازئة وهو يُصرّ بأسنانه. كيف يسعه أن يتصرف بأسلوب مغاير؟
في الآن نفسه، يستطيع الإذعان أن يَحمل كوجهه الآخر العتيد وعداً بالتمرّد أو بالفتنة. ينتظر المذعِن أن تحين ساعتها. يراقب مواقع الضعف عند سيده، وينتبه إلى الهشاشات وخطوط الانكسار، مستعداً للانقضاض وقلب المعطيات. إنني أكثّف هنا مفهوم (الإذعان). وإذا قلت عن ميزان القوى، هذا، إنه تاريخي وطارئ ومؤقت وقابل للانقلاب - أي إنه حالة حاصلة فحسب - عندئذ ينطوي الإذعان والطاعة الجامحة على اللاإذعان فيكون بمكانة انتقام. ما إن يتوصّل المذعنون إلى توحيد أنفسهم ليتآمروا على أسيادهم، وما إن يشعروا بقوّتهم الجماعية ويبنوها، حتى تبدأ الحرب. إن كلمة (rébellion) (الفتنة) المشتقة من (re–bellum) اللاتينية تعني أن الحرب عادت، وأن المهزوم سابقاً راح يرفع رأسه.
أو إن المذعِن عندما يرى عدد الثورات التي انقلبت على الثوار، وعدد الانتفاضات الخائبة، والصراعات التي تم احتواؤها، يقول في سرّه إن عجزه غير محدود، وإن اعتقاده الممكن بقلب الظروف سيكلّفه دماء غزيرة وويلات كبرى، فلا يبقى له خيار آخر سوى أن يستبدل الخيبات الأليمة ووجع الأحلام المنكسرة بحلاوة التسليم للقدر، أي بالإذعان المقبول في استدامته.
أو يقول لنفسه - لكنه يقول لها لأنهم علّموه أن يقول ذلك وأن يكرّره ويسمعه ويتلفّظ به (في المدرسة والعائلة) - إنّ تفاوت المستويات الاجتماعية هو في المحصلة أمر طبيعي وإنّ تفوّق الزعيم راسخ بسبب مواهبه الطبيعية (الذكاء والنزاهة)، أو يقول - في الشأن الخاص بالطاعة السياسية - يجب عليه أن يذعن للقوانين العامة، حتى إذا كانت لا تناسبه، لأن العصيان يعني الفوضى والمطالبةَ الأنانية بمصلحة خاصة. أو يلقي خطاباً مروّضاً جيداً ويدعو إلى تثبيط اللاإذعان، دون إعلان الهزيمة والتسليم بها: (ولكن أخيراً استيقِظوا، يا متمردي المساء الأول، خلخلوا وهْم نسف كل شيء وانفضوا الغبار عن أحلامكم؛ هذه السلطات الهرمية التي تعارضونها، لم تُبْنَ قط إلا من أجل هذا النظام الاجتماعي، النظام الذي تشكّكون فيه مع أنكم استفدتم منه منذ ولادتكم، وتقولون الآن (لا) لأن هذا القانون أو ذاك يتعارض معكم. ولكنكم في المحصلة قد أذعنتم أنتم أنفسُكم، وبحرية ومنذ الأبد، لتطيعوا القوانين بعامة! هذا المجتمع يعطيكم حقوقاً سياسية، فكوّنوا منابرَ بالأعداد التي تريدونها للإعراب عن معارضتكم، صوّتوا لممثلين من اتجاهات أخرى، ولكن أطيعوا بخاصة، احترموا قواعد اللعبة السياسية كما وُضعتْ من أجل الوئام العام والسلام العمومي وخير الجميع).
نرى في هذا الخطاب صورة أخرى من صور الطاعة: الإذعان للميثاق الجمهوري. وإزاءه - وحتى إزاء الطاعة الموقّرة (والاعتراف بالسلطة) - نرى أن مفهوم الإذعان، بقسوته وحدّته، قد لعب دوراً في إزالة الأوهام السياسية. ما استنكره متجاوزو الأوهام السياسية الكبار (ابتداء من ثراسيماكوس عند أفلاطون وماركس، مروراً بمكيافيلي) هو إرادة إخفاء علاقة الإذعان، هذه، إخفاءً منهجياً.
في ودنا أن ندفع الناس إلى الاعتقاد بأن الطاعة السياسية هي قبول حرّ طوعي، أو أنها تستند إلى امتنان صامت ومُشِيد. إن الخطاب الصغير القائل بالتخلي عن الأوهام السياسية يتعارض مع تكذيبه: (أرجوكم أنتم منظّري الانتماء السياسي، توقفوا، وكفّوا عن التأكيد - من محراب مكتباتكم الهادئة والوثيرة - أن طاعتنا السياسية هي طاعة عقلانية وشرعية، وأن رؤساءنا يحكموننا لخيرنا، وأننا عندما نثور على تلك القوانين التي لم تسنّ إلا لمصحة نخبة معينة، نخطئ من الناحية الفلسفية في العصيان. هذه الحجج واهية، في حين أنه لا يوجد واقع آخر سوى واقع الظلم المفروض بالوسائل العنفية، وأننا لا نطيع إلا لأن تكلفة العصيان باهظة فعلاً: دماء مسفوكة، إذلال فوري، هزيمة معلنة). نعم إن الإذعان بهذا المعنى موجِّهٌ يدل على تجاوز الأوهام السياسية، لأن المسألة هي أن تُظهر رشيم واقع الظلم والعنف خلف مباني الدخان. العصيان يعني معاودة الحرب، هذه الحرب الصماء التي لم تتوقف قط والتي تستمرّ تحت غلالة السلم الأهلي.
يكمن الالتباس الجسيم في أن مفهوم الإذعان، هذا، مع أنه موجِّه يدل على تجاوز الأوهام السياسية - ويفسد مقولة المواطنة المطيعة أو الاعتراف المرن - يشكّل موجِّهاً يدلّ على تجاوز الأوهام الأخلاقية.
نستطيع استعادة عبارات أرسطو: (العبد هو «ملكية مكتسبة» و«وسيلة» (organon) و«منفّذ أوامر»)، (1254a - 1253b). ويجب أن نفهم من ذلك أن جسمه ينصاع لإرادة شخص آخر، ولكن روحه لا تشارك إطلاقا في مضمون ما ينفّذه. السبب الوحيد الذي يدفع بالعبد إلى الطاعة هو أنه أُعطي أمراً. وهذا يقتضي قطيعة وانفصالاً: أعمل ما أمرني شخص آخر بفعله. وهنا تنفتح إمكانية الاستغلال الأخلاقي لمشاركة الروح والجسد. يستطيع الإذعان الذي يستغلّ هذا الانقطاع أن يتّخذ شكلين على الأقل.
الشكل الأول هو «إذعان المسايرة». وهذا يعني ما يلي: عندما يُكثر المذعن العلامات الخارجية للاستعباد، وعندما يبالغ في انحناءاته وطأطأة رأسه، وعندما يكثّف تصنّع التصاغر، فإنه يحافظ في قرارة نفسه على حكم نقدي صارم. المذعن يصغي بجدية كبرى واحترام عميق إلى لائحة الأوامر، ويحسب في سره كيف يتخلّص من واجباته ويعوّض مسبقاً وبصورة مأتمية لزجة ودبقة عن خموله العتيد وازدرائه العميق. هذا هو إذعان المسايرة، وهو الاستغلال الأخلاقي الأول للانفصال بين الروح والجسد: هناك مسرحة لعلامات الاستعباد بغية إخفاء العصيانات المادية والحرباوية والعينية، وهناك بخاصة إخفاء للازدراء النهائي. كلا، لم يستبطن المذعن استعباده، وإنما تحمّله وأوهم رئيسه فقط أنه يعترف بتفوقه الذي سيُثلج صدرَه. إن هذه اللعبة كلها وهذه المراوغة الاجتماعية - وهي ما سماه جيمس سكوت (الخطاب الخفي) - وإن هذا الإبراز الصاخب لصور الاستعباد التي من شأنها أن تحجب صور التحرر الملموسة، يصعب عملياً تقدير وظيفتها: هل سيكون إعداداً لصراعات مقبلة؟ - السبب في ذلك أن الاحتقار الاجتماعي يخزّن بعيداً عن استبطان الدونية، وأن روح الانتقام تعتمل في الذات - وهل هو صمّام أمان وتنفيس رمزي يتيح استدامة التباينات، ما دام لم يُقْدِم أي انتقام متخيّل قط على كسر شوكة الهرمية السلطوية؟ يبقى أن الأدب، من موليير إلى بالزاك، يعجّ بأولئك الخدّام الذين يسخرون من أسيادهم عندما يديرون ظهورهم، وبتلك المخلوقات الخانعة التي تغذّي غرور الأسياد لتطيع أقل فأقل. ولكنْ هناك استغلال أخلاقي آخر للتشارك بين الروح والجسد يشكّل المنحدر السياسي الأشد خطورة. لننظر مرة أخرى في ترسيمة الطاعة: المذعِن يطيع طاعة عمياء، فلا يعلم شيئاً عن غاية ما أُمِرَ به ولا عن مآله وهدفه ومعناه، ربما لا يريد أن يعلم شيئاً عنه. ينفّذ ويعمل لحساب ومصلحة شخص آخر دون مقاصد خاصة، ويترك الإرادة والقرار يقعان تحت مسؤولية شخص آخر. هو المنفّذ وليس صاحب القرار. لا بدّ من فصل الأمور عن بعضها بعضاً: أتصرف على هذا النحو، أنفّذ هذا الشيء، ولكن الفاعل ليس أنا حقاً، لست إلا المنفّذ والساعد الآلي والدماغ المستبصر والحركة الآلية، ولكن القرار والحكم لا ينبعان مني في أي حال من الأحوال. لماذا فعلتَ هذا؟ تلقيتُ الأوامر. وهذا يعني: لم آخذ زمام المبادرة، وأكاد أفتقر إلى اختيار الوسائل. لستُ فاعل ما أفعل. أنا منفّذ فقط. ولست مسؤولاً في المحصلة.
هنا يُفهَم دور المخاتلة الأخلاقية في وقت لم أعد أخضع فيه فعلاً للإذعان، بل إنني أستغله لأجعل منه رافعة تسويغ بالنسبة إلي وإلى الآخرين وضميري والعالم والتاريخ والأجيال المقبلة.
هل يذعن الإنسان دائماً إلى هذه الدرجة؟ ألا نبالغ في كلفة العصيان كي نتخلّى عن المسؤولية بخاصة وكي نعلن ذلك لذاتنا وللآخرين؟ (إنني أساهم بلا شك في هذه المنظومة الجائرة، عندما أحرّكها على مستواي الوضيع، كمستخدَم صغير وكادر صغير وسكرتير صغير ومسيِّر صغير وشريك صغير، أي إنني (صغير) دائماً وأكاد أعتزّ بذلك (لو لمرة واحدة). ولكن الأمور تجري على هذا النحو، فلا تجادلوني؛ ما رأيكم في هامش مناورتي وأداء عملي؟ إما أن أتصرف هكذا وإما أن أسرَّح، إما الطاعة وإما الفصل، إما الانقياد وإما الصرف. كيف يسعكم أن تتصوروا أنني قادر على المشاركة في تجفيف البشرية والموافقة على ما أعمل وعلى تنمية اليأس الاجتماعي وعلى الحط المتزايد من الطبيعة المختنقة ومن تدمير الحيوات؟ ولكنني لست إلا عبدا لنظام أستنكره دون أن تتوفر لدي وسائل محاربته. يداي تتحركان، وذكائي ينشط، وجسمي يتنقّل، ودماغي يحسب حساباته. ولكن لست الذي يتكلم، ولست الذي يتحرك، ولست الذي يفكّر: ثمة شخص آخر يبثّ الحركة في أعضائي).
هذا مريح جداً في المحصلة، مريح لأنني تخلصتُ تماماً من مسؤولياتي. ترتاح نفسي عندما أقول إنني لم أستطع أن أفعل شيئاً، أو بالأحرى عندما أقول إن ما فعلتُه لست أنا الذي فعلته حقاً.
(لستُ مسؤولاً؛ أطعتُ الأوامر)».


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.