أنقرة تخطط لتطبيق «سيناريو الباب» في شرق الفرات

TT

أنقرة تخطط لتطبيق «سيناريو الباب» في شرق الفرات

لمحت تركيا إلى عزمها تطبيق نموذج السيطرة على مدينة الباب في ريف حلب من خلال عملية درع الفرات التي نفذتها مع فصائل موالية لها من الجيش السوري الحر على مناطق شرق الفرات، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وأكبر مكونات تحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وقال نائب الرئيس التركي فؤاد أوكطاي، أمس، إن تركيا «ستنقل النجاح الذي سطرته في منطقة الباب السورية ضد تنظيم داعش الإرهابي إلى شرق نهر الفرات أيضاً».
وأضاف أوكطاي، خلال مداخلة بالفيديو أجراها من شمال قبرص مع الجنود الأتراك في تلة عقيل بمدينة الباب السورية أن السيطرة على الباب ساهمت في إفشال مخطط يحاك ضد تركيا.
واستقبلت مدينة الباب في الأشهر الماضية آلاف النازحين من ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية وجنوب دمشق، وتحولت إلى مركز تجاري وصناعي، بعد مشاريع بدأتها الحكومة التركية فيها.
وبحسب تقارير إعلامية، أنشأت تركيا 3 قواعد عسكرية لم تعلن عنها رسمياً، في بلدتي دابق وأخترين في ريف حلب الشمالي، وجبل عقيل قرب الباب شرق المحافظة، عقب تدخلها رسمياً في سوريا من خلال عملية درع الفرات في أغسطس (آب) 2016.
وقال أوكطاي إنه عقب عملية غصن الزيتون في عفرين، التي نفذتها القوات التركية والفصائل الموالية لها في الجيش الحر بين يناير (كانون الثاني) ومارس الماضيين، نحن في إدلب، وسنوفر الأمن هناك أيضاً، بفضل جهود قواتنا المسلحة وجميع مؤسساتنا المعنية.
وتابع نائب الرئيس التركي: «قادمون إلى منبج، ومنها سننتقل إلى شرق الفرات. سننقل النجاح الذي سطرناه في الباب إلى شرق الفرات أيضاً».
وتقع الباب على الطريق الواصل بين حلب ومدينتي الرقة والحسكة مروراً بمدينة منبج الاستراتيجية، ما جعلها مركزا مهما وهي تبعد عن الحدود التركية 30 كيلومترا.
وأكد أوكطاي أن تركيا «عازمة على دحر الإرهابيين أو دفنهم في الخنادق التي حفروها»، في إشارة إلى الخنادق التي حفرها مسلحو الوحدات الكردية حول منبج، التي توصلت تركيا إلى خريطة طريق مع الولايات المتحدة لإخراج مسلحي الوحدات الكردية منها والإشراف المشترك على توفير الأمن والاستقرار فيها، وتتهم أنقرة الولايات المتحدة بالتباطؤ في تنفيذ الاتفاق وتهدد بالتدخل العسكري في منبج.
في سياق متصل، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن الفصائل المسلحة التابعة لتركيا الموجودة في شمال سوريا تتصارع فيما بينها، واتهمها بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها.
وأضاف المرصد، الذي يتخذ من بريطانيا مقرا له في بيان أمس، أن حالة من الفوضى والانفلات الأمني تسيطر على المشهد في مناطق سيطرة فصائل «درع الفرات وغصن الزيتون» في أرياف حلب الشمالية والشمالية الغربية والشمالية الشرقية.
ولفت إلى أنه تم العثور على جثمان رجل مقتول ومُلقى قرب منطقة النبي هوري في ريف مدينة عفرين الواقعة بالريف الشمالي الغربي لحلب، حيث تعود الجثة لأحد مهجري غوطة دمشق الشرقية، وهو من بلدة الشيفونية ممن جرى تهجيرهم إلى عفرين بموجب اتفاق سابق.
وبحسب المرصد، شهدت بلدة جرابلس الواقعة بالقطاع الشمالي الشرقي من ريف حلب، والخاضعة لسيطرة فصائل «درع الفرات» المدعومة من تركيا، احتجاجات شعبية واسعة على خلفية استمرار الانفلات الأمني الذي تشهده المنطقة ككل وجرابلس على وجه الخصوص، في ظل عجز الفصائل العاملة هناك عن ضبط الأمن، والحد من الانفلات المتمثل في الخطف والقتل والتفجيرات والاستهدافات.
وأقدم سكان وأهالي جرابلس على إشعال الإطارات المطاطية، معبرين عن غضبهم واستيائهم، كما طالبوا الفصائل بإخراج المقرات من الأحياء السكنية، بعد الاستهدافات التي تطولها بعبوات ناسفة وهجمات انتحارية، وآخرها سلسلة الانفجارات التي استهدفت ريفي محافظة حلب الشمالي والشمالي الشرقي.
ووفق آخر الإحصائيات، ارتفع عدد القتلى إلى 17 على الأقل منذ 30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، إضافة إلى عشرات المصابين، وسط توقعات بأن يكون العدد مرشحا للارتفاع لوجود مفقودين وإصابة آخرين بجراح متفاوتة الخطورة.
في غضون ذلك، رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، أنه يتعين على بلاده العمل فيما يتعلق بالشأن السوري مع تركيا و«قسد» في آن واحد.
وعن تقييمه لعمل واشنطن مع قسد، قال جيفري في كلمة الليلة قبل الماضية في اجتماع عقدته مؤسسة «ديفينس وان» للإعلام في واشنطن، نقلت جانبا منها وسائل الإعلام التركية أمس: «هذا صعب للغاية، ولولا المشاركة النشطة لتركيا وتعاونها وتنسيقها، لما تمكنا من القيام بجميع ما قمنا به في سوريا. لكن ما كان لنا أيضا تمكنا من مواصلة وجودنا شمال شرقي سوريا، دون شريك محلي (قسد)، ولما كنا تمكنا من مواصلة مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، والتي لم تنته بعد».
وأضاف: «هذا الشريك المحلي هو قسد، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني الذي نعتبره منظمة إرهابية، غير أننا لا نعتبر قسد تنظيما إرهابيا، وهذه القضية تشكل قلقا كبيرا بالنسبة للأتراك».
ولفت إلى أن «تركيا تشارك الولايات المتحدة في أولويات إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، وإخراج إيران والميليشيات التابعة لها من سوريا، وإطلاق مرحلة السلام في هذا البلد، غير أن الأتراك غير واثقين من أن سبب وجودنا شمال شرقي سوريا سببه هذا الأمر، وكنا شرحنا لهم أن هذا التعاون الأميركي مع قسد مؤقت، لكننا لم نفلح في إقناع الأتراك، وهذا ما يتسبب في حدوث توتر بالحدود بينهم وبين قسد».
واعتبر جيفري أن سحب عناصر الوحدات الكردية إلى شرق الفرات في سوريا، خطوة ستطمئن تركيا، مشددا على أن الولايات المتحدة لم تقدم أسلحة ثقيلة لمسلحي قسد على خلاف ما قدمته لبقية المجموعات (لم يذكرها).
إلى ذلك، يبحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في إسطنبول بعد غد (الاثنين)، ملف تشكيل اللجنة الدستورية حول سوريا، خلال لقائهما لافتتاح الجزء البحري من مشروع نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، المعروف بـ«السيل التركي».
وبحسب مصادر تركية، من المنتظر أن يناقش الزعيمان ملف اللجنة الدستورية، في أعقاب عدم نجاح وفدي البلدين التقنيين في التوصل إلى توافق حول تشكيل اللجنة الدستورية في الاجتماعات السابقة، وبخاصة في الاجتماع الأخير، الذي عقد في أنقرة أول من أمس.
وقالت المصادر لوكالة الأناضول أمس إن الخلاف لا يزال مسيطرا حول القائمة الثالثة المتعلقة بمنظمات المجتمع المدني، والتي تعدها الدول الضامنة في منصة أستانة (تركيا وروسيا وإيران)، بعد قبول قائمتين، واحدة من المعارضة، وأخرى من النظام، وينبع الخلاف في توزيع النسب المتعلقة بأسماء القائمة الثالثة.
ويفترض أن تتشكل اللجنة الدستورية من 3 قوائم، قائمة من النظام، وأخرى من المعارضة، وقائمة ثالثة تضعها الدول الضامنة، على أن تبدأ مهامها في مدينة جنيف السويسرية، وفق مخرجات مؤتمر الحوار السوري الذي عقد في سوتشي الروسية نهاية يناير الماضي.
وكانت القمة التركية - الروسية - الفرنسية - الألمانية، التي عقدت في إسطنبول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، دعت إلى تشكيل اللجنة الدستورية وبداية عملها قبل نهاية العام الجاري، فيما مدد أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مهمة المبعوث الأممي الحالي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، شهرا واحدا، حتى نهاية العام الجاري، بعد أن كان الأخير قد أعلن عزمه ترك مهامه نهاية الشهر الجاري، وقام غوتيريش بتعيين الدبلوماسي النرويجي جير بيدرسن خليفة لدي ميستورا.
وينتظر أن تعقد جولة جديدة من اجتماعات أستانة بحضور وفدي النظام والمعارضة في العاصمة الكازاخية نهاية الشهر الجاري.
بالتوازي، قال رئيس حزب الوطن التركي دوغو برنتشيك، إن وفوداً من تركيا وسوريا التقت سراً في إيران على 6 فترات مختلفة للتنسيق فيما بينها في طهران بطلب من إدارة الرئيس رجب طيب إردوغان مباشرة.
ونقل موقع وكالة «سبوتنيك» الروسية باللغة التركية عن برنتشيك أمس إشارته إلى مشاركة قيادات استخباراتية من البلدين في النقاشات إلى جانب مسؤولين بارزين من الحكومتين السورية والتركية، مشدداً على أن اللقاءات متواصلة حتى الآن.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.