اختتام مؤتمر باليرمو حول ليبيا من دون نتائج واضحة

حفتر يلتزم الخطة الأممية... والسراج يعوّل على الاستحقاق الدستوري

صورة جماعية للمشاركين في قمة باليرمو أمس (إ.ب.أ)
صورة جماعية للمشاركين في قمة باليرمو أمس (إ.ب.أ)
TT

اختتام مؤتمر باليرمو حول ليبيا من دون نتائج واضحة

صورة جماعية للمشاركين في قمة باليرمو أمس (إ.ب.أ)
صورة جماعية للمشاركين في قمة باليرمو أمس (إ.ب.أ)

«نصف فشل ونصف نجاح... هذا ما جرى في أحسن الأحوال».
هكذا وصفت مصادر عربية نتائج المؤتمر الدولي حول ليبيا الذي احتضنته مدينة باليرمو الإيطالية، في محاولة جديدة لحل الأزمة الليبية، في وقت نأى فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، بنفسه عن نتائج المؤتمر، الذي انتهى أمس بانسحاب مفاجئ من تركيا بعد أن أعلن نائب رئيسها فؤاد أقطاي ورئيس وفدها أن بلاده تغادر بسبب ما وصفه بأنه «خيبة أمل كبيرة».
وقالت مصادر مصرية وليبية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والمشير حفتر، رفضا بإصرار مشاركة تركيا في اجتماع قمة مصغرة على هامش المؤتمر، ما دفع وفدها إلى الانسحاب، احتجاجا على ما وصفه باستبعاد أنقرة من بعض المحادثات. وكان لافتا أيضا غياب السيسي وحفتر عن الصورة الجماعية في ختام المؤتمر، بينما غاب ممثلو قطر وتركيا، بالإضافة إلى رئيسي مجلسي النواب عقيلة صالح والدولة خالد المشري عن الاجتماع، الذي ناقش الملف الأمني.
واعتبر أقطاي، رئيس الوفد التركي، لدى انسحابه أن «أي اجتماع يستثني تركيا سيكون غير مثمر من أجل التوصل لحل لهذه المشكلة»، قبل أن يعلن لاحقا في تصريحات لقناة ليبية محلية أن ليبيا لا تحتاج إلى المزيد من التدخل الأجنبي، ولن يتم حل الأزمة إذا استمرت بعض الدول في اختطاف العملية من أجل مصالحها.
من جانبه، أكد السيسي، حسب بيان الناطق باسم الرئاسة المصرية، خلال اجتماعه مع رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي، ما وصفه بثوابت الموقف المصري، القائم على ضرورة التوصل لتسوية سياسية شاملة في ليبيا بدعم من الأمم المتحدة، يكون قوامها تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي، بالشكل الذي يحافظ على وحدة ليبيا وسلامتها الإقليمية، ويُساعد على استعادة دور مؤسسات الدولة الوطنية فيها، وعلى رأسها الجيش الوطني والبرلمان والحكومة، ويتيح الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات في ليبيا، بما يمكن من تحقيق مصالح الشعب الليبي في عودة الاستقرار والأمن.
واصطدم المؤتمر برفض المشير حفتر المشاركة في أعماله، فيما أكدت مصادر مقربة منه لـ«الشرق الأوسط» أنه «رفض الوجود في قاعة واحدة مع ممثلين عن دولتي قطر وتركيا، اللتين يتهمهما بالتدخل في الشؤون الداخلية الليبية، ودعم الجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى رفضه فكرة إمكانية مصافحة أو لقاء قيادات من جماعة الإخوان، باعتبارهم عدوه اللدود. بالإضافة إلى الإرهابيين».
وبعدما نفت القيادة العامة للجيش الوطني الليبي في بيان رسمي مقتضب ما أشيع حول مشاركة حفتر في أعمال المؤتمر، واعتبرت أن حفتر وصل إلى إيطاليا فقط من أجل عقد سلسلة لقاءات مع رؤساء دول الجوار والطوق، قصد مناقشة آخر المستجدات على الساحة المحلية والدولية، قال حفتر في تصريحات له أمس، نقلتها قناة «ليبيا الحدث»، إن علاقته «مقطوعة» بمؤتمر باليرمو، لافتا إلى أنه شارك فقط في الاجتماع، الذي دعت إيطاليا رؤساء الدول والحكومات المعنية لحضوره. كما أوضح أنه سينتهز الاجتماع كفرصة للوجود والحديث مع المشاركين في المواضيع التي تهم دول المنطقة.
وتابع حفتر موضحا: «لقد تم استقبالي هناك فقط من قبل رئيس الوزراء الإيطالي وبعدها خرجت. لن أشارك في مؤتمر باليرمو حتى لو جلست 100 ساعة هنا. ليس لي علاقة به».
في غضون ذلك، دعا حفتر الدول التي تعتبر مصدرا للهجرة غير الشرعية، مثل تونس والجزائر والسودان وتشاد، إلى مراقبة حدودها لمنع هذه الهجرة، التي قال إنها «ساهمت في انتشار الميليشيات والتنظيمات المتطرفة مثل (القاعدة) و(داعش)».
ولم يحضر حفتر العشاء مع المسؤولين الليبيين والغربيين والعرب المشاركين في القمة، علما بأنه وصل بعد فترة من وصول المسؤولين الليبيين الآخرين، وغادر مقر الفندق الذي تنعقد فيه القمة بعد حوار وجيز مع كونتي. كما رفض حفتر الجلوس على طاولة واحدة مع بعض المشاركين الذين يعتبرهم «إسلاميين» متطرفين في المؤتمر.
في المقابل، التقى حفتر، فائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، فيما نقلت مصادر إيطالية عن حفتر قوله، عقب اللقاء الذي تم بوساطة رئيس الوزراء الإيطالي على هامش المؤتمر، إنه «لا داعي لتغيير الحصان أثناء عبور النهر»، تعليقا على إمكانية بقاء السراج في منصبه إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة في البلاد.
وفيما قال غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة الخاص بليبيا، أمس، إن حفتر التزم خطة عمل للأمم المتحدة، وعقد مؤتمر وطني في مطلع 2019 قبيل إجراء الانتخابات، قال رئيس الوزراء الإيطالي إنه «من المأمول» أن يتم إجراء الانتخابات المقبلة في ليبيا في الربع الثاني من عام 2019، في ظل احترام الظروف الأمنية والتشريعية والدستورية الضرورية، وفي إطار جدول زمني، «نأمل أن يكون في ربيع عام 2019».
ويعد اجتماع حفتر والسراج أمس هو الأول بينهما منذ آخر لقاء بينهما قبل خمسة أشهر، وذلك خلال اجتماعهما بباريس في مايو (أيار) الماضي، بوساطة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وقالت مصادر دبلوماسية إيطالية إنّ حفتر رحّب بالسراج في منصبه حتى موعد الانتخابات المقبلة، بينما قالت وكالة «آكي» الإيطالية إن اجتماعا استمر على هامش المؤتمر جمع كونتي والرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي، والتونسي الباجي قائد السبسي، والسراج وحفتر، والمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة. بالإضافة إلى رئيسي الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، والجزائري أحمد أويحيى، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ووزير الخارجية الفرنسي إيف لو دريان.
بدوره، دعا السراج إلى إنهاء المرحلة الانتقالية وإتمام إجراءات الاستحقاق الدستوري، الذي ستبنى عليه الانتخابات، المزمع عقدها في ربيع العام المقبل.
في سياق ذلك، أفادت مصادر قريبة من اللقاء الذي جمع المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة فائز السراج، بأن الأول أوحى باستعداده للقبول ببقاء الأخير على رأس الحكومة حتى إجراء الانتخابات. لكن لم يتضّح ما إذا كان حفتر قد حصل على تعهد من السراج بعدم التحالف مع الإخوان المسلمين، الذين يرى المشير أنهم يسعون عن طريق الانتخابات إلى استعادة ما خسروه في المعارك العسكرية.
وفي تصريحات كان أدلى بها ليلة وصوله إلى باليرمو، قال حفتر: «ما زالت بلادنا في حالة حرب، وعلينا أن نحمي حدودنا مع البلدان المجاورة، من تونس إلى الجزائر والنيجر وتشاد ومصر والسودان، لأن العناصر الإرهابية تتسلل عبر هذه الحدود مع موجات الهجرة المتدفقة عبر الأراضي الليبية». وأضاف حفتر في حديث إلى التلفزيون الإيطالي، ظهر أمس، أن الهدف من حضوره إلى صقلية هو الاجتماع بممثلي الدول التي يمكن أن تساعد على وقف دخول العناصر الإرهابية إلى ليبيا.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.

عاجل الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف قيادي كبير في «حزب الله» في بيروت