«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

حلف من الهند وإندونيسيا وأستراليا وأكثر من ملياري نسمة

TT

«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

مع مساعي الصين الحثيثة لتوسيع رقعة نفوذها اقتصاديا وعسكريا عبر أرجاء منطقة المحيط الهادي - الهندي، عمدت عدة دول إلى تعزيز تعاونها معاً للتصدي للصين، ومن بين هذه الجهود انطلاق حوار ثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا لم يحظ بقدر كبير من الاهتمام حتى الآن.
ترتبط الدول الثلاث فيما بينها بما هو أكبر بكثير من مجرد حدود بحرية مشتركة، ذلك أن لديها مصالح مشتركة داخل المحيط الهندي، بجانب تاريخ طويل من التعاون. وتعتبر الدول الثلاث قوى ناشئة وتملك قدرات بحرية متناسبة مع حجم التحديات الأمنية الإقليمية.
وقد عقدت الجولة الأولى من الحوار الثلاثي الرسمي بين هذه الدول في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 في مدينة بوكور الإندونيسية. أما الحافز وراء عقد هذا الحوار فيتجاوز مجرد التشارك في الموقع الجغرافي المطل على المحيط الهندي.
الملاحظ أن هذه الدول تعاونت بصورة وثيقة فيما بينها خلال السنوات الأخيرة من أجل إعادة تفعيل كيان إقليمي مهم في المنطقة، أي «اتحاد حافة المحيط الهندي»، الذي يغطي منطقة المحيط الهندي الواسعة وما يزيد على ملياري نسمة يعيشون بها. وتدرك نيودلهي وكانبرا وجاكرتا أنه بالنظر لكونها ثلاث دول متجاورة وديمقراطية، فإنها مؤهلة للتعاون معاً لتعزيز أجندة «الاتحاد». وفي وقت قريب، استضاف «معهد بروكينغز» بالهند و«مركز بيرث - الولايات المتحدة آسيا» ورشة عمل شارك بها باتي جلال، النائب السابق لوزير الخارجية الإندونيسي، وبيتر فارغيز، وزير الشؤون الخارجية الأسترالي سابقاً وجيف شانكار مينون، وزير الخارجية ومستشار الأمن الوطني الهندي سابقاً.
وتبعاً لما ذكره شانكار مينون، فإن «حوض المحيط الهادي - الهندي شاهد تحولاً هيكلياً وأكبر عملية بناء لمخزونات الأسلحة على مستوى العالم خلال العقدين الأخيرين، في الوقت الذي تبدلت العقائد التي تعتمد عليها البيئة الاستراتيجية بالمنطقة. وثمة حاجة ناشئة لبناء إطار عمل جديد يعتمد على تطور توازن القوى في المنطقة ومصالح الدول الفردية. ومن الممكن أن تشكل تحالفات غير رسمية مثل الحوار الثلاثي القائم بين الهند وإندونيسيا وأستراليا واحدة من الإجابات الكثيرة المختلفة لهذا التغيير في ميزان القوى».

الادعاءات الصينية
في ظل تحولات سريعة يشهدها العالم، من المحتمل أن تصيغ القيم الصينية مجمل الثقافة الاستراتيجية بمنطقة المحيط الهادي الهندي خلال الفترة المقبلة. ولا تزال الصين ماضية في عسكرة المنطقة وممارسة الاستئساد ضد جيرانها الذين تتنازع معهم حول مناطق النفوذ والسيادة البحرية. وقد أثار هذا التوجه توترات بالمنطقة، مع تنامي المطالب بإقرار مدونة لقواعد السلوك بالبحر. وقد دفع هذا الوضع الأطراف الكبرى المعنية بالمنطقة لتعزيز وجودها في محاولة لمواجهة تجاوزات بكين.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه جرى إحياء «الحوار الاستراتيجي الرباعي»، الذي تشترك فيه الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند، وهو حوار غير رسمي لتنسيق السياسات الأمنية والنشاطات العسكرية ويضع نصب عينيه الصين. من ناحيتها، أعربت فرنسا هي الأخرى عن اهتمامها بالاضطلاع بدور نشط في منطقة المحيط الهادي الهندي.

حوار إندو - أسترالي
أطلق على الحوار الثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا «إندو - أستراليس». ويعكس الاسم الواقع الجغرافي للدول الثلاث المطلة على المحيط الهندي. وبمقدور هذه الدول تعزيز الشعور بالانتماء تجاه بعضها بفضل هذا الواقع الجغرافي. كما تشترك فيما بينها في مواجهة تحديات من قبل بكين التي تتبع منذ سنوات سياسات أكثر قوة وسعياً لفرض النفوذ، بجانب تنامي التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة. في هذا الإطار، تجد الهند وإندونيسيا نفسهما في موقف أسوأ لقربهما الجغرافي الأكبر من الصين. ورغم بناء الدولتين علاقات اقتصادية مع بكين، فإنهما دخلتا معها في نزاعات برية وبحرية.
ومن ناحيتها، شهدت الهند تفاقم التوترات داخل منطقة دوكلام الحدودية، في الوقت الذي واجهت إندونيسيا اندلاع صدامات متفرقة مع سفن صيد صينية داخل المنطقة الاقتصادية الحصرية بجزر ناتونا التابعة لها.
وأعلنت أستراليا في وقت قريب عزمها بناء «المؤسسة الأسترالية» بقيمة ملياري دولار «بهدف تطوير البنى التحتية بإقليم المحيط الهادي وتيمور الشرقية». وجاء هذا الإعلان على خلفية تنامي المحاولات الصينية لبسط نفوذها على المحيط الهادي، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية ومساعيها لكسب عقود لبناء شبكات اتصال كيبل تحت البحر. وعليه، فمن غير المثير للدهشة أن نجد أنه أثناء زيارة ناريندرا مودي لإندونيسيا منذ بضعة شهور، وقع الجانبان اتفاقا لرفع مستوى العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة تقوم على «رؤية مشتركة للتعاون البحري داخل منطقة المحيط الهادي الهندي».

الشراكة الاستراتيجية
بين جاكرتا ونيودلهي
تعهدت الهند دعمها بناء ميناء بأقصى غرب إندونيسيا، تحديداً في سابانغ الواقعة خارج سواحل آتشيه، وذلك للسماح بمرور سفن تجارية وربما غواصات. ومن شأن ذلك تعزيز حماية الجانب الغربي من مضيق ملقا وجزر أندمان الهندية. ومن ناحية أخرى، فإن اجتذاب إندونيسيا نحو المشاركة في المعادلة الاستراتيجية الهندية خطوة كان ينبغي اتخاذها منذ فترة بعيدة. والواضح أن الهند وإندونيسيا تراقبان بحذر الوجود الصيني القوي بالمنطقة.
وكان وزيرا دفاع الهند وإندونيسيا التقيا في جاكرتا في أكتوبر (تشرين الأول) في ثاني لقاء يجمعهما خلال العام الحالي، في وقت يسعى الجانبان لتعزيز الشراكة البحرية بينهما.
وعلق د. سي. يو. بهاسكار، مدير «جمعية الدراسات السياسية» ومقرها نيودلهي، بقوله: «لا يزال من غير الواضح النتائج المحددة التي يتمخض عنها هذا الأمر، وسيكون من المهم متابعة الإطار الأوسع للعلاقات الدفاعية الثنائية».

العلاقات الهندية -الأسترالية
لفترة طويلة تجاهل الاستراتيجيون الأستراليون الهند بدرجة كبيرة. لكن مع تحول ما يدعى استراتيجية المحيط الهادي الهندي إلى شعار مهيمن على مستوى السياسة الخارجية الأسترالية، سرعان ما أصبحت نيودلهي شريكاً استراتيجياً طبيعياً وركيزة أساسية في علاقات كانبرا على مستوى المنطقة. في الوقت ذاته، دفعت قضايا بحر الصين الجنوبي والتكامل الاقتصادي الإقليمي ومبادرة «طريق الحرير الجديد» الصينية، أستراليا، نحو التعاون مع الهند باعتبار الأخيرة واحدة من الدول القليلة التي يجري النظر إليها بوصفها دولة قادرة على خلق ثقل موازن للنفوذ الصيني الإقليمي ثمة جدال دائر في أستراليا حالياً حول تدخل مشتبه فيه من جانب الحكومة الصينية في المشهد السياسي الأسترالي، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم إثارة غضب الشريك الاستثماري الأكبر للبلاد.

العلاقات الإندونيسية - الأسترالية
تتميز إندونيسيا وأستراليا بشراكة استراتيجية ثنائية شاملة فيما بينهما. وتبعاً لاتفاق هذه الشراكة، جرت العادة على أن تكون الزيارة الأولى لأي رئيس وزراء أسترالي منتخب حديثاً لإندونيسيا. وبالفعل، حرص رئيس الوزراء سكوت موريسون، الذي تولى مهام منصبه في 24 أغسطس (آب) 2018، على الالتزام بهذا التقليد. جدير بالذكر أن إندونيسيا تشمل غالبية جزر الأرخبيل القائم شمال أستراليا. كما تقع إندونيسيا عند ملتقى طرق بحرية وجوية من أستراليا إلى أوروبا، ومن أستراليا إلى الدول الآسيوية المطلة على المحيط الهادي. وبذلك، تولي أستراليا أهمية أكبر بكثير إلى إندونيسيا عما توليه الأخيرة لها.
وقد أوضح تقرير صادر عن معهد «بروكنغز الهند» أن «السياسات الصينية القوية وغياب الثقة في القيادة الأميركية خلقا خللاً كبيراً في النظام العالمي. وبالنظر إلى هذا الإطار، يظهر التعاون بين الدول صاحبة المصالح المشتركة كاستراتيجية منطقية على الصعيد الدبلوماسي».



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.