«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

حلف من الهند وإندونيسيا وأستراليا وأكثر من ملياري نسمة

TT

«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

مع مساعي الصين الحثيثة لتوسيع رقعة نفوذها اقتصاديا وعسكريا عبر أرجاء منطقة المحيط الهادي - الهندي، عمدت عدة دول إلى تعزيز تعاونها معاً للتصدي للصين، ومن بين هذه الجهود انطلاق حوار ثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا لم يحظ بقدر كبير من الاهتمام حتى الآن.
ترتبط الدول الثلاث فيما بينها بما هو أكبر بكثير من مجرد حدود بحرية مشتركة، ذلك أن لديها مصالح مشتركة داخل المحيط الهندي، بجانب تاريخ طويل من التعاون. وتعتبر الدول الثلاث قوى ناشئة وتملك قدرات بحرية متناسبة مع حجم التحديات الأمنية الإقليمية.
وقد عقدت الجولة الأولى من الحوار الثلاثي الرسمي بين هذه الدول في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 في مدينة بوكور الإندونيسية. أما الحافز وراء عقد هذا الحوار فيتجاوز مجرد التشارك في الموقع الجغرافي المطل على المحيط الهندي.
الملاحظ أن هذه الدول تعاونت بصورة وثيقة فيما بينها خلال السنوات الأخيرة من أجل إعادة تفعيل كيان إقليمي مهم في المنطقة، أي «اتحاد حافة المحيط الهندي»، الذي يغطي منطقة المحيط الهندي الواسعة وما يزيد على ملياري نسمة يعيشون بها. وتدرك نيودلهي وكانبرا وجاكرتا أنه بالنظر لكونها ثلاث دول متجاورة وديمقراطية، فإنها مؤهلة للتعاون معاً لتعزيز أجندة «الاتحاد». وفي وقت قريب، استضاف «معهد بروكينغز» بالهند و«مركز بيرث - الولايات المتحدة آسيا» ورشة عمل شارك بها باتي جلال، النائب السابق لوزير الخارجية الإندونيسي، وبيتر فارغيز، وزير الشؤون الخارجية الأسترالي سابقاً وجيف شانكار مينون، وزير الخارجية ومستشار الأمن الوطني الهندي سابقاً.
وتبعاً لما ذكره شانكار مينون، فإن «حوض المحيط الهادي - الهندي شاهد تحولاً هيكلياً وأكبر عملية بناء لمخزونات الأسلحة على مستوى العالم خلال العقدين الأخيرين، في الوقت الذي تبدلت العقائد التي تعتمد عليها البيئة الاستراتيجية بالمنطقة. وثمة حاجة ناشئة لبناء إطار عمل جديد يعتمد على تطور توازن القوى في المنطقة ومصالح الدول الفردية. ومن الممكن أن تشكل تحالفات غير رسمية مثل الحوار الثلاثي القائم بين الهند وإندونيسيا وأستراليا واحدة من الإجابات الكثيرة المختلفة لهذا التغيير في ميزان القوى».

الادعاءات الصينية
في ظل تحولات سريعة يشهدها العالم، من المحتمل أن تصيغ القيم الصينية مجمل الثقافة الاستراتيجية بمنطقة المحيط الهادي الهندي خلال الفترة المقبلة. ولا تزال الصين ماضية في عسكرة المنطقة وممارسة الاستئساد ضد جيرانها الذين تتنازع معهم حول مناطق النفوذ والسيادة البحرية. وقد أثار هذا التوجه توترات بالمنطقة، مع تنامي المطالب بإقرار مدونة لقواعد السلوك بالبحر. وقد دفع هذا الوضع الأطراف الكبرى المعنية بالمنطقة لتعزيز وجودها في محاولة لمواجهة تجاوزات بكين.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه جرى إحياء «الحوار الاستراتيجي الرباعي»، الذي تشترك فيه الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند، وهو حوار غير رسمي لتنسيق السياسات الأمنية والنشاطات العسكرية ويضع نصب عينيه الصين. من ناحيتها، أعربت فرنسا هي الأخرى عن اهتمامها بالاضطلاع بدور نشط في منطقة المحيط الهادي الهندي.

حوار إندو - أسترالي
أطلق على الحوار الثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا «إندو - أستراليس». ويعكس الاسم الواقع الجغرافي للدول الثلاث المطلة على المحيط الهندي. وبمقدور هذه الدول تعزيز الشعور بالانتماء تجاه بعضها بفضل هذا الواقع الجغرافي. كما تشترك فيما بينها في مواجهة تحديات من قبل بكين التي تتبع منذ سنوات سياسات أكثر قوة وسعياً لفرض النفوذ، بجانب تنامي التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة. في هذا الإطار، تجد الهند وإندونيسيا نفسهما في موقف أسوأ لقربهما الجغرافي الأكبر من الصين. ورغم بناء الدولتين علاقات اقتصادية مع بكين، فإنهما دخلتا معها في نزاعات برية وبحرية.
ومن ناحيتها، شهدت الهند تفاقم التوترات داخل منطقة دوكلام الحدودية، في الوقت الذي واجهت إندونيسيا اندلاع صدامات متفرقة مع سفن صيد صينية داخل المنطقة الاقتصادية الحصرية بجزر ناتونا التابعة لها.
وأعلنت أستراليا في وقت قريب عزمها بناء «المؤسسة الأسترالية» بقيمة ملياري دولار «بهدف تطوير البنى التحتية بإقليم المحيط الهادي وتيمور الشرقية». وجاء هذا الإعلان على خلفية تنامي المحاولات الصينية لبسط نفوذها على المحيط الهادي، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية ومساعيها لكسب عقود لبناء شبكات اتصال كيبل تحت البحر. وعليه، فمن غير المثير للدهشة أن نجد أنه أثناء زيارة ناريندرا مودي لإندونيسيا منذ بضعة شهور، وقع الجانبان اتفاقا لرفع مستوى العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة تقوم على «رؤية مشتركة للتعاون البحري داخل منطقة المحيط الهادي الهندي».

الشراكة الاستراتيجية
بين جاكرتا ونيودلهي
تعهدت الهند دعمها بناء ميناء بأقصى غرب إندونيسيا، تحديداً في سابانغ الواقعة خارج سواحل آتشيه، وذلك للسماح بمرور سفن تجارية وربما غواصات. ومن شأن ذلك تعزيز حماية الجانب الغربي من مضيق ملقا وجزر أندمان الهندية. ومن ناحية أخرى، فإن اجتذاب إندونيسيا نحو المشاركة في المعادلة الاستراتيجية الهندية خطوة كان ينبغي اتخاذها منذ فترة بعيدة. والواضح أن الهند وإندونيسيا تراقبان بحذر الوجود الصيني القوي بالمنطقة.
وكان وزيرا دفاع الهند وإندونيسيا التقيا في جاكرتا في أكتوبر (تشرين الأول) في ثاني لقاء يجمعهما خلال العام الحالي، في وقت يسعى الجانبان لتعزيز الشراكة البحرية بينهما.
وعلق د. سي. يو. بهاسكار، مدير «جمعية الدراسات السياسية» ومقرها نيودلهي، بقوله: «لا يزال من غير الواضح النتائج المحددة التي يتمخض عنها هذا الأمر، وسيكون من المهم متابعة الإطار الأوسع للعلاقات الدفاعية الثنائية».

العلاقات الهندية -الأسترالية
لفترة طويلة تجاهل الاستراتيجيون الأستراليون الهند بدرجة كبيرة. لكن مع تحول ما يدعى استراتيجية المحيط الهادي الهندي إلى شعار مهيمن على مستوى السياسة الخارجية الأسترالية، سرعان ما أصبحت نيودلهي شريكاً استراتيجياً طبيعياً وركيزة أساسية في علاقات كانبرا على مستوى المنطقة. في الوقت ذاته، دفعت قضايا بحر الصين الجنوبي والتكامل الاقتصادي الإقليمي ومبادرة «طريق الحرير الجديد» الصينية، أستراليا، نحو التعاون مع الهند باعتبار الأخيرة واحدة من الدول القليلة التي يجري النظر إليها بوصفها دولة قادرة على خلق ثقل موازن للنفوذ الصيني الإقليمي ثمة جدال دائر في أستراليا حالياً حول تدخل مشتبه فيه من جانب الحكومة الصينية في المشهد السياسي الأسترالي، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم إثارة غضب الشريك الاستثماري الأكبر للبلاد.

العلاقات الإندونيسية - الأسترالية
تتميز إندونيسيا وأستراليا بشراكة استراتيجية ثنائية شاملة فيما بينهما. وتبعاً لاتفاق هذه الشراكة، جرت العادة على أن تكون الزيارة الأولى لأي رئيس وزراء أسترالي منتخب حديثاً لإندونيسيا. وبالفعل، حرص رئيس الوزراء سكوت موريسون، الذي تولى مهام منصبه في 24 أغسطس (آب) 2018، على الالتزام بهذا التقليد. جدير بالذكر أن إندونيسيا تشمل غالبية جزر الأرخبيل القائم شمال أستراليا. كما تقع إندونيسيا عند ملتقى طرق بحرية وجوية من أستراليا إلى أوروبا، ومن أستراليا إلى الدول الآسيوية المطلة على المحيط الهادي. وبذلك، تولي أستراليا أهمية أكبر بكثير إلى إندونيسيا عما توليه الأخيرة لها.
وقد أوضح تقرير صادر عن معهد «بروكنغز الهند» أن «السياسات الصينية القوية وغياب الثقة في القيادة الأميركية خلقا خللاً كبيراً في النظام العالمي. وبالنظر إلى هذا الإطار، يظهر التعاون بين الدول صاحبة المصالح المشتركة كاستراتيجية منطقية على الصعيد الدبلوماسي».



عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الثلاثاء، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأبلغه شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وفق ما أفادت وسائل إعلام إيرانية.

ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن عراقجي قوله لويتكوف إن مطالب طهران تشمل «الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي، والسداد العاجل لجميع الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على كل جبهات المقاومة»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبعوث ترمب ستيف ويتكوف (الثاني يميناً) خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026 في مقر المنظمة في نيويورك (أ.ب)

وفي السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين اجتمعوا يوم الثلاثاء، بعد فترة وجيزة من تهديده في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه قد «يبيد» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً لإنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من سبعة أشهر.

وقال ترمب للصحافيين إن الاجتماع تم، وانتهى «قبل حوالي ساعة»، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل حول المحادثات، وفق ما نقلته شبكة «سي بي إس» الأميركية.

وأوضح ترمب: «لقد كان اجتماعاً جيداً للغاية... لديهم موعد آخر مقرر في المستقبل القريب جداً».

وذكر أن الاجتماع استمر حوالي ثلاث ساعات، وشارك فيه صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وأكد ويتكوف أن الاجتماع سار على ما يرام، قائلاً: «أشعر أنني بحالة جيدة جداً الآن»، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل.

Your Premium trial has ended


ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة عن الحرب مع إيران، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة لتجريدها من قدراتها على صنع سلاح نووي، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة تنهي برنامجها النووي و«تنمرها» في الشرق الأوسط، أو التعرض لـ«الدمار الشامل»، مشيداً بما عدَّه «تقدماً» نحو السلام مع بناء «نظام عالمي يتماشى» أكثر فأكثر مع مصالح «أميركا أولاً».

وفي الخطاب السادس من نوعه كرئيس على المنصة الرخامية الخضراء للجمعية العامة، في دورتها السنوية الحادية والثمانين، تحدث الرئيس ترمب عن الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، معلناً عودتها القوية، وواصفاً إياها بأنها مهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. كما سلّط ترمب الضوء على التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود، قائلاً إنها أسهمت في جذب استثمارات غير مسبوقة إلى بلاده. وأكد أن الحدود الأميركية - المكسيكية أصبحت الأكثر أماناً في التاريخ الأميركي.

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، قدم ترمب إدارته على أنها إدارة فاعلة لا تكتفي بالتفاوض، وقال: «بينما اكتفى الآخرون بالكلام، بادرت أنا بالعمل» لمواجهة التهديدات واستخدام القوة لحل النزاعات الدولية طويلة الأمد.

وإذ وصف إيران بأنها «الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم»، اتهم النظام الإيراني بعقود من العنف في كل أنحاء الشرق الأوسط، مضيفاً أنه «على مدى 51 عاماً، حكم النظام الإيراني المتعصب بالدماء والقتل الجماعي، ناشراً الموت والدمار والفوضى في كل أنحاء الشرق الأوسط وخارجه». وكرر: «لن أسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ووفقاً لترمب، سعت إدارته أولاً إلى التفاوض مع إيران، عارضة «تعاوناً اقتصادياً كاملاً» مقابل إنهاء برنامجها النووي ودعمها للإرهاب. ولكن إيران رفضت هذا المقترح. وإذ أشار إلى الضربات العسكرية الأميركية على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، ذكر بأن تصرفات إيران هدّدت أيضاً الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز وحوله.

لكن ترمب وضع إيران أمام ما وصفه بخيار مصيري. وتساءل: «هل سيتم التوصل إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بإعادة البناء وإنشاء دولة أعظم كثيراً مما كانت عليه من قبل، ربما واحدة من أعظم دول الشرق الأوسط أو حتى العالم؟». وأضاف: «أم أنني سأمحو إيران، وبسرعة؟». ورغم هذا التهديد، عبر ترمب عن اعتقاده «أننا سنتوصل إلى اتفاق فور انتهاء الانتخابات، لأنه من غير المنطقي ألا يفعلوا ذلك».

الذخائر الأميركية

سعى ترمب إلى تبديد المخاوف بشأن المخزونات العسكرية الأميركية. وقال: «يرغب الجبناء والخونة في ادعاء أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في الذخائر، لكن هذا غير صحيح. لدينا من الذخائر ما يفوق حاجتنا بكثير». وكشف أنه يجري بناء 18 مصنعاً جديداً للذخائر، ودعا كل الدول إلى «الانضمام إلينا في فرض العزل الاقتصادي الكامل على إيران»، مطالباً طهران بوقف هجماتها على السفن التجارية، والتخلي عن طموحاتها النووية، وإنهاء دعمها للإرهاب.

وتحدث ترمب عن غزة أيضاً، مقدماً جهود إدارته هناك كمثال آخر على نهجه في التعامل مع النزاعات الدولية. وقال: «قبل عام، عندما خاطبت القادة العظام في هذه القاعة، كانت الحرب في غزة لا تزال مستعرة بوحشية. وكان الرهائن لا يزالون محاصرين في أنفاق (حماس)، ولم تكن هناك نهاية تلوح في الأفق». وأضاف: «لقد أنهينا الحرب في غزة، وأنقذنا آلاف الأرواح. كما أعدنا جميع الرهائن المتبقين، الأحياء منهم والأموات، جميعهم بلا استثناء». وأشاد أيضاً بموافقة مجلس الأمن على ما «خطة السلام لغزة»، وقال إن نحو 30 دولة انضمت إلى «مجلس السلام».

«سقوط» كوبا

وفي إطار حديثه عن سياسة بلاده الخارجية، قال الرئيس الأميركي إن كوبا الخاضعة لحصار أميركي «ستسقط»، مؤكداً رغبة إدارته في رؤية «تغيير جذري» في الجزيرة ذات الحكم الشيوعي. وقال ترمب إن «النظام الشيوعي يتعرّض لضغوط قوية، هي الأقوى التي عرفها على الإطلاق (...) سيسقط». وأضاف أن «الحرية ستصل إلى كوبا»، مشيراً إلى أن واشنطن تجري مفاوضات مع هافانا.

ورد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بغضب على تصريحات الرئيس الأميركي، ووصف كلامه بأنه «أكاذيب». وكتب رودريغيز، الذي غادر وفد بلاده القاعة خلال خطاب الرئيس الأميركي، إن «حكومة الولايات المتحدة غير قادرة على القبول بأن كوبا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ولها الحق في ذلك»، مضيفاً: «أي من الأكاذيب التي أطلقها الرئيس الأميركي أمام الأمم المتحدة لن يخفي هذه الحقيقة».

غادر الوفد الكوبي قاعة الجمعية العامة خلال خطاب الرئيس الأميركي يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكانت رسالة ترمب الأوسع نطاقاً إلى الأمم المتحدة واضحة لا لبس فيها: أكد أن القوة الأميركية تقود عهداً جديداً من الدبلوماسية والأمن. وكرر ترمب انتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى جهود إدارته لمنعها من «التعدي» على السيادة الأميركية أو الترويج لما يعده «أجندة يسارية».

إضافة إلى ذلك، عبر ترمب عن استيائه الشديد من استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية، في نزاع توقع خلال حملته الانتخابية عام 2024 تسويته في اليوم الأول من ولايته الثانية. ولم يخف أن صبره ينفد من استهداف القوات الأوكرانية لمصافي الديزل الروسية، في قضية زادت من تقلبات أسواق النفط بسبب اعتداءات «الحرس الإيراني» ضد السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز، وكذلك تهديدات جماعة الحوثي عند مضيق باب المندب، بالإضافة إلى استهداف روسيا لشبكة الطاقة الأوكرانية.

في سياق متّصل، رفض الرئيس الأميركي بشدة الدعوات المطالبة بإشراف دولي على الذكاء الاصطناعي، ووصفها بأنها «مشروع عالمي» للسيطرة على التكنولوجيا الجديدة. وأعلن في كلمته أن الحكومة الأميركية ستستخدم من الآن فصاعداً مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في البيانات الصادرة عنها، على أمل أن يحذو العالم حذوها.

مغادرة الجنائية الدولية

دعا الرئيس الأميركي كل الدول إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنّها «خارجة عن السيطرة». وقال ترمب في كلمته إنّ «الولايات المتحدة تعارض المؤسسة الخارجة عن السيطرة المعروفة باسم المحكمة الجنائية الدولية»، داعياً «كل الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من هذه المؤسسة المارقة على الفور». وتشنّ الولايات المتحدة حملة شرسة ضد المحكمة الجنائية الدولية، وفرضت في الآونة الأخيرة سلسلة من العقوبات على مسؤولين فيها، من بينهم رئيستها والمدعي العام الحالي، على خلفية إصدار الهيئة القضائية في لاهاي مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الحرب في قطاع غزة. وتوعد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتفكيك المحكمة، ورأى أنها تشكّل «تهديداً» للسيادة الأميركية. وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، وبدأت عملها في 2002، وهي هيئة قضائية جنائية دولية دائمة مُكلَّفة بمحاكمة الأشخاص المتهمين بأخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، وجرائم الحرب.

«شلل مجلس الأمن»

وأتى خطاب ترمب للأمم المتحدة في وقت بات فيه نهجه في السياسة الخارجية، ولا سيما قراره شن حرب على إيران، يعوق آمال حزبه الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد 40 يوماً فحسب.

وبالإضافة إلى خطاب الرئيس ترمب، انشغل زعماء العالم في البحث عن طرق لإيجاد مخرج مما سماه دبلوماسيون «لحظة عصيبة يمر بها العالم»، بما في ذلك بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدت إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى ازدياد القلق في شأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التساؤلات في شأن مستقبل الأمم المتحدة نفسها في ظل تقليص الرئيس ترمب للدعم المالي الأميركي لها.

غوتيريش يلقي كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وسبق ترمب إلى المنصة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى أن العالم «رهينة» شِلل مجلس الأمن، الأداة الأقوى على الإطلاق في منظومة الأمم المتحدة. وقال: «نحن جميعاً رهائن لتقاعس مجلس الأمن عن أداء دوره».

وفي خطاب هو الأخير له كأمين عام أمام الجمعية العامة، قال أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته بعد 100 يوم فقط، لمئات من قادة العالم المجتمعين تحت قبة المنظمة الدولية إن أزمات العقد الماضي ما هي إلا «فصول من قصة واحدة، قصة القوة». وأضاف: «تتسع الصدوع في عالمنا، وتتحول الشقوق إلى أودية سحيقة»، مشيراً إلى الحروب التي «تستمر بوحشية شنيعة».

ولفت غوتيريش إلى أن القوة تنتقل في 3 اتجاهات: بين الدول، من الحكومات إلى «حفنة من الشركات الخاصة والأفراد»، ومن البشر إلى الآلات «مع خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة». ورأى أن الاستقرار الحقيقي يتطلب من القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست بتلك العظمة».

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قال غوتيريش إن غزة شهدت «مستوى من القتل والدمار لم أشهد مثله من قبل»، محذراً من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية «ينذر بخطر التطهير العرقي». ووصف غزو روسيا لأوكرانيا بأنه «انتهاك صارخ لميثاق» المنظمة الدولية. وقال إن السودان «يمزَّق إرباً بينما يغض العالم الطرف».

وإذ كرر تحذيراته في ما يتعلق بتغير المناخ، نبه من «القدرة من دون رقابة» على الذكاء الاصطناعي الخارق، مشدداً على أن «الروبوتات القاتلة يجب ألا يكون لها مكان في مستقبلنا».

ورأى رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة خليل الرحمن أن الاختبار الأساسي للأمم المتحدة اليوم ليس البقاء، بل الأداء. وقال: «خارج هذه الجدران، لا يسأل الناس عما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال موجودة، بل عما إذا كانت تعمل». ودعا إلى إصلاحات على 3 محاور: الشفافية في شأن الإخفاقات، وتغيير هيكلي أعمق يتجاوز مبادرة الأمم المتحدة لعام 1980، وزيادة مشاركة قطاع الأعمال والمجتمع المدني.

مبادرة السلام العربية

وألقى الملك عبد الله الثاني بن الحسين خطاباً دعا فيه إلى الانتباه للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة والعام. وقال إن «انتباهنا أصبح مورداً نادراً، وأصبح اختيار ما نمنحه انتباهنا أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وخصّص جزءاً كبيراً من خطابه لغزة والضفة الغربية، محذراً من أن «أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً»، موضحاً أنه «في أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني». وإذ أشاد بجهود الرئيس ترمب لتحقيق السلام، اتهم الحكومة الإسرائيلية بمواصلة «تجاهل الاتفاق».

جانب من كلمة ملك الأردن أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

ووصف ما يجري في الضفة الغربية بأنه «تحول جذري»، مُنبّهاً إلى أن «هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس تنفيذا للقانون، بل هو ترحيل قسري»، يرقى إلى «جريمة حرب».

كما رفض العاهل الأردني «أوهام» حلّ الصراع، مؤكداً أن ما يحصل في غزة والضفة الغربية «وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية»، وأن مبادرة السلام العربية لعام 2002 ظلّت قائمة «لأكثر من 20 عاماً»، وأن «العقبة لم تكن يوماً غياب شريك من أجل تحقيق السلام، بل عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله».

كما حذر الملك عبد الله الثاني من امتداد الأطماع الإسرائيلية إلى سوريا، مؤكداً أن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

وشدّد على أن «القوة العسكرية لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام».


غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل ازدياد الدعوات إلى كبح سرعة تطوّر القطاع والخشية من تأثيره على البشرية. وقال غوتيريش خلال افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: «تقع على عاتق الحكومات ذات القدرات الأكبر في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤوليات الكبرى حيال الإنسانية»، مشدداً على ضرورة «إقامة قنوات من أجل الحوار والتواصل والثقة والتعاون» بين تلك الدول. وأضاف: «في لحظة محورية في أثناء الحرب الباردة، أدرك خصمان استراتيجيان الحاجة إلى إدارة التهديدات الوجودية المشتركة»، في إشارة للتواصل الأميركي السوفياتي آنذاك.

وتُجري الصين والولايات المتحدة حالياً محادثات لإنشاء قناة اتصال بشأن المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تمهيداً للقمة المقررة، الخميس، في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ. وتأتي هذه المحادثات في وقت تواجه القوتان مخاوف متزايدة من أن الأنظمة ذات القدرات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي قد تقضي على البشرية؛ ما يوفر حافزاً نادراً للتعاون رغم احتدام السباق على التفوق التكنولوجي بين البلدين.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمته خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تحذير من الشعور «بالقوة الخارقة»

وقال غوتيريش، إن على القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست خارقة كما تبدو» وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان السلام.

ودعا إلى «عالم مبني على الاعتماد المتبادل» لدى الإدلاء بخطابه الأخير أمام قادة العالم الحاضرين في الجمعية العامة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف قائلاً: «إن خطوط الانقسام في عالمنا تتسع»؛ مشيراً إلى الحروب المستعرة، وارتفاع درجات الحرارة والذكاء الاصطناعي، من بين أمور أخرى.

وتعهّد غوتيريش بمواصلة «الدفاع عن اقتناعي بأن تحقيق السلام ممكن» بمجرد انتهاء ولايته العام الحالي.

وافتتح خطابه الجزء الرئيسي من أكبر اجتماع دبلوماسي في العالم في العام الحالي. ويخاطب قادة الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة بعضهم بعضاً، ويعرضون آمالهم وخططهم وشكاواهم.

ويُعد الذكاء الاصطناعي أحد الموضوعات الرئيسية المطروحة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. وقبيل بدء الاجتماعات في نيويورك، دعا قادة أكثر من 20 دولة إلى اتخاذ تدابير مُلزمة لضمان سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، محذّرين من أن تطوّر هذه التكنولوجيا قد يتجاوز القدرات المتاحة للسيطرة عليها. ولم تكن الصين والولايات المتحدة من الدول الموقعة على تلك الدعوة. وعارض ترمب بشدة تدابير سلامة الذكاء الاصطناعي، متعهداً، السبت، بعدم السماح بـ«تدمير» هذه الصناعة بسبب ما يعدها مخاوف غير مبررة. وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ في يوليو (تموز) إن الذكاء الاصطناعي يجب ألا تهيمن عليه دولة واحدة، داعياً إلى تعاون دولي في تطوير هذه التكنولوجيا.