خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

مسؤول أمني: لا يمكنها الوصول جغرافيا.. والبديل شراء خلايا قائمة لمجرد إثبات الوجود

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»
TT

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

فتحت حادثة استهداف جنود قوات حرس الحدود المصريين من قبل مجموعة مسلحة غامضة في مدينة الفرافرة بالصحراء الغربية قبل أيام باب الأسئلة على مصراعيه.. وترك علم أسود مميز للجماعات الإرهابية في موقع العملية علامة استفهام كبيرة حول حقيقة وجود فرع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مصر.
ويقول خبراء الأمن ومكافحة الإرهاب إن فهم عقيدة التنظيم المتطرف هو عنصر أساسي في استراتيجية محاربته.. لكن كثيرا من المراقبين والمحللين يرون أن أغلب التنظيمات التي ظهرت - أو ادعت الظهور - في مصر أخيرا هي مجرد مسميات أو «علامات تجارية»، بحسب وصف بعضهم، ترفعها فئات خارجة عن القانون والمدنية دون ولاء حقيقي؛ لمجرد إثبات الوجود أو الحصول على مصدر تمويل، وربما في بعض الحالات للتمويه وتضليل السلطات.
بداية، يقص مصدر أمني رفيع، لـ«الشرق الأوسط»، بعضا من خيوط الحدث الأخير لوضعها في نطاق فهم الأحداث العام، وللإجابة عن السؤال الحائر «هل وصلت داعش إلى مصر؟». يقول المصدر، الذي فضل حجب اسمه لحساسية موقعه، إن المعطيات الأولية التي ظهرت على سطح المشهد كانت بدايتها العلم الجهادي الأسود الشهير في موقع الحادث، ثم تلاه ظهور بيان منسوب للمرة الأولى إلى تنظيم يسمى «الدولة الإسلامية (داعش) - مصر» يتبنى العملية.
ويقول المصدر الأمني إن البيان ظهر أولا على حساب بموقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي تحت اسم التنظيم ذاته. لكن بالبحث، يتضح أن هذا الحساب كان يبث أخبارا ويتخذ اسم تنظيم آخر قبل ذلك، وهو «أنصار بيت المقدس»، وهو تنظيم يعلن ولاءه لـ«القاعدة»، وتبنى العديد من العمليات الإرهابية السابقة على مدار السنوات الثلاث السابقة وإن شهدت كثافة نوعية أخيرا، ومن بينها تفجير خطوط الغاز في سيناء، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، وعملية تفجير مبنى مديرية الأمن في الدقهلية، وإسقاط مروحية للجيش في سيناء عن طريق صاروخ مضاد للطائرات محمول على الكتف.. وعمليات أخرى استهدفت رجال جيش وشرطة فرادى أو مجموعات.
وبمراجعة التغريدات المتزامنة وتغيير اسم الحساب، يظهر في التغريدات الأولى اعتراف ومبايعة «أنصار بيت المقدس» للدولة الإسلامية (في العراق والشام سابقا)، وزعيمها وخليفتها المعلن أبو بكر البغدادي. واعتبار التنظيم المصري نفسه ذراعا لتنظيم الهلال الخصيب في مصر.
أولى نقاط الغموض تواجهنا مع حساب «تويتر» ذاته.. ففي خضم عمليات «بيت المقدس»، أكد التنظيم أكثر من مرة في بيانات رسمية، نشرت بمواقع جهادية معروفة وموثوقة في هذا المجال، أنه لا يملك أي حسابات رسمية على أي مواقع للتواصل الاجتماعي، وأنه لا يعترف بما يصدر عنها. وهو ما يجعل بعض المحللين يغضون النظر تماما عن الحساب ويرونه مزعوما كليا. لكن البعض الآخر لفت إلى أن هذا الحساب تحديدا نشر في أكثر من مرة تسجيلات أو لقطات لعمليات للتنظيم بالتزامن مع بثها على المواقع الاعتيادية الأخرى.. مما يجعل هناك هامشا من الحذر الواجب اتخاذه قبل الاستخفاف به برمته.
لكن خبراء في التنظيمات المتشددة أوضحوا أن هناك ملحوظة يجب وضعها في الحسبان، وقال هؤلاء إنه على الرغم من صحة أن تنظيم القاعدة التقليدي كان يقع في أقصى يمين التنظيمات المتشددة في الخارطة القديمة، فإن تنظيمات نشأت حديثا خلال سنوات الربيع العربي فاقته «انحرافا»؛ ومن بينها «الدولة الإسلامية»، موضحين أن التنظيمات المستجدة انقلبت على قاعدتها الأم، بل وصلت درجة التفسخ إلى اعتبارها مارقة في عرف «القاعدة».
لكن مراقبين أوضحوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقلب بين تيارات التشدد ربما يكون واردا في «أرض القتال»، حيث قد يتطلب تغيير الاستراتيجية تبديل التحالفات في كثير من الأحوال.. وهو الوضع السائد في دولة مثل سوريا، التي تمدد منها إلى العراق نتيجة التهاوي الأمني والجوار الحدودي. فيما استبعدوا حدوثه في مواقع «الضربات الخاطفة»، على غرار ما يحدث في بعض البؤر في مصر منذ اندلاع تلك النوعية من العمليات عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم في الصيف الماضي. وعند هذه النقطة تحديدا، اتفق رجال أمن مع خبراء استراتيجيين ومحللين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» على نقطة فارقة، مؤكدين أن أغلب خيوط العمليات الدائرة في مصر تشير إلى أن غالبية تلك التنظيمات ليست «أصيلة»، ولا يؤمن رجالها «ولائيا» بعقائد «التنظيمات الأم».
ويشير المسؤول الأمني الرفيع إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية أعلن خلال الفترة الماضية عن خطط «طموحة» للتمدد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الأعوام المقبلة «لكن عمل قواته على جبهتين في سوريا والعراق، مع اتساع المساحة الجغرافية، لا يسمح له بالتفكير حاليا في اختراق مواقع جديدة بقواته بشكل فعلي. كما أن انقطاع الاتصال بين الشام ومصر (بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأمين القوات الإسرائيلية لحدودها) يغلق باب التمدد الأفقي إلى سيناء. ولا يبقى أمام التنظيم إلا أمران لتحقيق وجود في مصر، إما أن تتسلل بعض عناصره كتمثيل رمزي، أو أن يقوم بشراء مجموعات أو خلايا على الأرض»، والأخير ربما يكون الأقرب إلى المنطق من وجهة نظره، إذا أرادت الدولة الإسلامية تنفيذ مرادها.
وقال أحد المحللين إن «أسلوب هؤلاء الإرهابيين يميل أكثر إلى طرق المرتزقة.. وشريعتهم أن من يمول، أو يحتاج الخدمات، نحمل علامته التجارية». ويعطي مثالا لتقريب الأمر بالقول إن ما حدث كان على غرار ما نراه في بريطانيا، حيث باعت الحكومة العلامة التجارية البريطانية «فوكسهول» ومصانعها للسيارات بعد تعثرها ماليا إلى شركة «أوبل» الألمانية من أجل الحفاظ على الاسم العريق.. «فأصبحنا نرى سيارات (أوبل) المعتادة تجري في الشوارع الإنجليزية؛ لكن بتدقيق النظر نرى علامة فوكسهول.. وهو ما قد يربك الشخص الزائر لبريطانيا لحظيا».
ويشير عدد من الخبراء الأمنيين إلى أن عمليات الجيش وتركيزه في سيناء منعا مزيدا من العمليات في شبه الجزيرة الشرقية، بينما التضييق الأمني الشرطي بمعاونة الجيش أيضا قلل من إمكانية استهداف المزيد من المرتكزات الأمنية في منطقة الوادي على ضفتي النيل. وهو ربما ما دفع الخلايا الإرهابية «للهروب» إلى مناطق جديدة، على غرار الصحراء الغربية، لتنفيذ عملياتهم، نظرا لاستغلالهم عامل المفاجئة، إلى جانب اتساع رقعة العمليات وتوافر الدروب الجبلية. كما أنها تعد «ساحة جيدة للإعلان عن ميلاد تنظيم جديد، بعيدا عن اللغط والاتهامات التي يمكن أن تشير إلى الخلايا المعتادة في المناطق الاعتيادية للعلميات، مما قد يقلل من أثر التدشين».
الخبراء يرون أيضا أن العملية الأخيرة التي راح ضحيتها 22 فردا من أفراد الجيش، حسب التحقيقات الأولية، وهي غير معلنة في أغلبها وتشهد تكتما وحزما عسكريا للحفاظ على سير التحقيق، قام بها نحو 20 مسلحا باستخدام سيارات الدفع الرباعي وقذائف «آر بي جيه» ومواد شديدة الانفجار. ورغم أن العملية تنم عن فكر حركي منظم للخلية الإرهابية وخبرة وتدريب عال المستوى، لكن ذلك لا يشي بحقيقة التنظيم أو فكره أو عقائده.
وهنا يرى المسؤول الأمني أن «داعش» تريد مجرد «موطئ قدم» وعمليات تحمل بصمات لها «حتى وإن كانت مصطنعة»، ومن دون قدرة حقيقية منها على الوجود الفعلي على أرض مصر، بحسب تعبيره. وهو ربما ما يفسر سر العلم الأسود في موقع حادث الفرافرة، خاصة أن أعينا كثيرة لخبراء لاحظت أن العلم القماشي لم تشبه شائبة رغم ما يحيطه من آثار انفجار، مما قد يعني أنه ربما «ترك» بعد إتمام العملية عن عمد؛ وكأنه «رسالة ما».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.