رولان بارت... سيرة جيل ومرحلة

سيرة ضخمة عن فيلسوف البنيوية تبدأ من النهاية

رولان بارت  -  جان بول سارتر
رولان بارت - جان بول سارتر
TT

رولان بارت... سيرة جيل ومرحلة

رولان بارت  -  جان بول سارتر
رولان بارت - جان بول سارتر

صدرت مؤخراً عن رولان بارت أضخم سيرة حتى الآن: 715 صفحة من القطع الكبير. ومن كثرة ما طنطنوا بها وتحدثوا عنها طلبتها من مكتبة الألفية الثالثة الواقعة مقابل البرلمان تقريباً في وسط الرباط العامرة. فجلبوها لي بعد فترة قصيرة. من ميزات هذا البلد الجميل أنك تستطيع أن تحصل فيه على الكتب العربية والفرنسية في آن معاً. إنه بلد الانفتاح والتسامح وتلاقح الأفكار والحضارات، وليس بلد الانغلاق والتعصب والجهل. إنه وريث الحضارة الأندلسية التي أشعت على العالم يوماً ما ووصلت بالعبقرية العربية الإسلامية إلى الذروة. لقد أمضيت وقتاً ممتعاً مع رولان بارت، حيث إن سيرته هذه شغلتني لأيام عدة متوالية ولا تزال. وأكاد أقول إني قرأت سيرتي الذاتية أيضاً من خلال سيرته. فنحن الطلبة السوريين أو العرب الذين وصلوا إلى فرنسا في أواسط السبعينات من القرن المنصرم لم نجد أمامنا تقريباً إلا رولان بارت وميشيل فوكو. كانا آنذاك في أوج مجدهما. وكانت البنيوية تشغل الساحة كلياً من خلالهما. أما سارتر، فكان على وشك الغروب. فقد مات عام 1980 بعد أربع سنوات من وصولي إلى العاصمة الفرنسية. وبالتالي، فكان شريط الذكريات الباريسية يتوالى أمام عيني أو في ذاكرتي وأنا أقرأ هذه السيرة الضخمة التي هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها. بقي أن نقول إن مؤلفتها هي الباحثة تيفين سامويولت، الأستاذة في جامعة السوربون الجديدة، باريس الثالثة. وهي الجامعة ذاتها التي تخرجت فيها أنا شخصياً عام 1981 ونلت شهادة الدكتوراه عن اتجاهات النقد العربي الحديث بين عامي 1950 – 1975... كانت ذكرياتي الشخصية تختلط بوقائع الكتاب ذاته. لا أزال أتذكر ببعض اللوعة والدهشة كيف صدمتني البنيوية آنذاك. بدت لي جافة، قاحلة، أكثر من اللزوم. لحسن الحظ، فإن بارت لم يتوقف عند المرحلة البنيوية وإنما تجاوزها ككل كاتب نابغ يعرف معنى الأدب و«متعة النص» إذا ما استعرنا أحد عناوين كتبه. تفتتح المؤلفة كتابها بفصل كامل عن موت رولان بارت. بمعنى أنها تبتدئ من النهاية لا من البداية. ومعلوم أنه مات بحادث سيارة لم يرها للأسف وهو يحاول أن يعبر الطريق. فقد كانت مختبئة وراء سيارة أخرى. وكان ذلك بعد غدائه الشهير والأخير مع زعيم الحزب الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي سيقفز على رئاسة الجمهورية الفرنسية بعد بضعة أشهر فقط. ومعلوم أن قسم من السياسيين ملاعين ويحاولون دائماً استقطاب كبار المثقفين إلى دائرتهم لنيل المزيد من الشرعية والبريق. كل مرشح يتفاخر على منافسه بعدد المثقفين المشاهير الذين ينضمون إليه. ويبدو أن بارت قال لأحد أصدقائه بالتلفون: لا أعرف لماذا دعوني إلى هذا الغداء؟ أعتقد أنهم يريدون توريطي مع ميتران ضد جيسكار. المهم أنه لا أحد ينجو من قدره ومصيره. والمكتوب مكتوب كما يقال. فلو تخلف عن هذا الغداء المشؤوم الذي حضره مثقفون آخرون، من بينهم جاك بيرك لما كان حادث السيارة، ولما توقفت حياة رولان بارت عام 1980 عن أربعة وستين عاماً فقط. وهو عمر قصير قياساً إلى متوسط العمر في الدول المتقدمة: 80 عاماً أو أكثر. جاك بيرك عاش 85 عاماً، وأتيح له الوقت الكافي لوضع كتبه وقول كل ما يريد قوله عن العرب والإسلام.
على أي حال، لنعد إلى البنيوية والنقد الجديد الذي دشنه بارت وآخرون. في الماضي كان غوستاف لانسون أستاذ طه حسين هو المسيطر على النقد الأدبي في السوربون. فجاءت البنيوية لتحطيمه. لماذا؟ لأنه كان يركز كثيراً قبل قراءة النص على مؤلفه وحياته والأحداث التي مر بها في حياته ومحاولة ربطها. فكلها، بحسب رأيه، ذات تأثير كبير على تأليف النص شعراً كان أم نثراً. بمعنى، لكي أفهم أعمال بلزاك ينبغي أولاً أن أقرأ حياة بلزاك والتجارب التي مر بها من كبيرة أو صغيرة. فلا يمكن فهم النص قبل فهم المؤلف الذي كتبه. قد تقولون: وما العيب في ذلك؟ إنه تحصيل حاصل. إنه كلام منطقي لا غبار عليه. وأنا معكم تماماً. لكن صرعة البنيوية أوهمتنا بالعكس. لقد حاولت أن تقنعنا ضد كل منطق أنه لكي ندرس نصاً ما ينبغي أن نشطب على مؤلفه تماماً. فهذا شيء ثانوي لا أهمية له في نظرها! وقد وفدت هذه الفكرة على الساحة الباريسية من جهة الشكلانيين الروس الذين كانوا يقولون ما معناه: ليس المهم الكاتب وإنما الأدب، أو بالأحرى أدبية النص. ولكي نكتشف سر هذه الأدبية أو الشحنة الشعرية ينبغي أن نشرّح النص تشريحاً علمياً بلاغياً لا هوادة فيه. وهذا يشبه نظرية النظم عند ناقدنا العربي الكبير عبد القاهر الجرجاني. وحتى هنا، فإن النظرية صحيحة وموفقة. لكن المشكلة هي أن البنيويين الباريسيين بالغوا في هذا الاتجاه حتى حوّلوا النص إلى مجرد تعداد للفواصل والنقط والحروف كما فعل كلود ليفي ستروس في تحليله الشهير والبغيض لقصيدة بودلير: القطط... وهذا ما أدى إلى انحسار البنيوية في نهاية المطاف. فقد ملت الناس منها ومن جفافها ومن تحويلها الأدب إلى معادلات رياضية جافة وغير مقنعة في نهاية المطاف بعد أن فقدت مصداقيتها. بمعنى آخر، فإنهم قضوا نهائياً على أدبية الأدب، على طراوة الشعر وجمال الإبداع الخلاق. ولهذا السبب؛ تخلى عنها بارت نفسه وانتقل إلى مرحلة استذواق النص أو متعة النص. وذلك؛ لأنه كان كاتباً كبيراً وليس فقط مجرد ناقد أدبي أكاديمي بارد. أو قل كان هذا وذاك في الوقت ذاته أو تباعاً.
لقد أُخذ على بارت في عز الصرعة البنيوية، أنه وقع في مطبات عدة. والدليل على ذلك تصريحاته الارتجالية الصاعقة التي تقول مثلاً إن اللغة فاشية! ما هذا الهراء يا سيد بارت؟ اللغة ليست فاشية إلا إذا استخدمت بشكل فاشي من قبل موسوليني أو هتلر أو أشكالهما.
اللغة يمكن أن تعبر عن الفاشية والديمقراطية. كل شيء يعتمد على طريقة استخدامها والأفكار التي نعبّر عنها فيها. فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نعبّر عن أي فكر إلا من خلال اللغة. ولذلك؛ قال أرسطو إن الإنسان حيوان ناطق على عكس الحيوان الذي يعبّر بالإشارات والأصوات ولا يستطيع أن يصل إلى مستوى اللغة. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحيوان - والإنسان. ثم أتحفنا بارت بعبارة أخرى لا تقل صرعة وغرابة وهي موت المؤلف. وهي تشبه عبارة فوكو عن موت الإنسان التي اختتم بها كتابه الشهير: الكلمات والأشياء... وإذا كان بارت يقصد بموت المؤلف موت الفكرة التقليدية المشكّلة عنه التي تعتبره خالقاً مطلقاً للنص الموقّع باسمه فلا اعتراض لنا على ذلك. فالواقع أن النص، أي نص، يحيلنا إلى شبكة فسسيفسائية من الاستشهادات المأخوذة عن نصوص أخرى قرأها المؤلف وتأثر بها قبل أن يكتب نصه. لا يوجد مؤلف يخلق نصه من العدم مهما كان إبداعه خارقاً. كلنا نتأثر بمن سبقنا أو جايلنا. نقول ذلك على الرغم من أن المبدعين الكبار أقل تقليداً لسواهم من المبدعين الصغار. بهذا المعنى، فإن نظرية موت المؤلف لا تنطبق على شاعر ضخم مثل المتنبي مثلاً. فهو فعلاً خلق نصه بعبقريته الخارقة التي لا تضاهى. إنه لا يتكئ على سواه مثل الآخرين من صغار الشعراء. الكلام نفسه يقال عن أبي تمام أو المعري بعد أن تخلص من تأثير المتنبي، إلخ... وبالتالي، فإذا كان المقصود بموت المؤلف موته بصفته مؤلفاً وحيداً للنص من دون أي تأثر صريح أو ضمني بمن سبقوه فلا غبار على الفكرة. لكن إذا كان المقصود به موته في المطلق أو نفي أهميته فهذا هراء لا يصمد أمام الامتحان. اذهب وقل لبلزاك إن نصه ليس نصه، أو لتولستوي، أو لرامبو، أو لبودلير، الخ... سوف يبصقون عليك في وجهك. اذهب وقل لهم إنه لا علاقة لنصوصهم بسيرتهم أو بتجاربهم الحياتية المعاشة. سوف ينظرون إليك شزراً. هذا أقل ما يقال. فنصوصهم هي عصارتهم، هي زبدة حياتهم، هي جوهر وجودهم على هذه الأرض.
من يستطيع أن ينفي العلاقة بين روايات دوستيوفسكي العبقرية والتجارب الحياتية الهائلة والمرعبة التي مر بها؟ الشيء نفسه يقال عن كل المبدعين الكبار. لهذا السبب سقطت البنيوية كموضة بعد أن طغت وعربدت وزادت عن حدّها حتى انقلبت إلى ضدها واشمأزت الناس منها. وقد شهدت سقوطها بأم عيني في باريس في المنعطف الفاصل بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وقلت بيني وبين نفسي: سبحان الله: في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.
وقلت أيضاً: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ». صدق الله العظيم. لكن المشكلة هي أن النقد العربي البنيوي لا يدرك كل هذه التفاصيل فيظل سائراً خلف الصرعات الباريسية بنوع من التقليد الأعمى والعبودي... متى سيستفيق البنيويون العرب من غفلتهم؟
أخيراً، كنت أتمنى لو أمتلك الوقت الكافي للتوقف عند عن علاقة بارت بسارتر، أو بميشيل فوكو، أو بفيليب سوليرز، الخ... ومعلوم أن المؤلفة خصصت فصولاً مطولة لكل واحدة من هذه العلاقات المهمة. كنت أتمنى أيضاً لو أستطيع التوقف عند علاقته بأمه التي كان يعبدها عبادة والتي كانت الحب الأساسي وربما الوحيد في حياته. ولها كرّس كتابه الأخير: الغرفة المضيئة.



باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».