النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

ألمانيا على أبواب إعادة رسم خريطتها السياسية

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل
TT

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

«أنا لم أولد مستشارة»، قالت أنجيلا ميركل وهي تعلن أنها لن تترشح مرة جديدة لزعامة حزبها. وحقاً، فإن طموح ميركل السياسي لم يبدأ إلا حين أصبحت في منتصف الثلاثينات. وحتى عندما دخلت عالم السياسة، فعلت ذلك مصادفة أكثر منها تقصداً. قبل ذلك كانت ميركل باحثة في علوم الفيزياء، وهو الاختصاص الذي اختارته في الجامعة. ولكن رغم تأخرها في بدء مسيرتها السياسية، أثبتت على مر السنين قدرة فريدة على إزاحة أعدائها واحتوائهم ما سمح لها بالصمود 18 سنة في زعامة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي».
لم تتردد ميركل في بداية مسيرتها بالانقلاب حتى على «مرشدها» المستشار السابق هيلموت كول الذي كان يناديها «ماين ميدشن»، أي «فتاتي الصغيرة»، وكان هو من منحها فرصة الانطلاق في عالم السياسة عندما عينها واحدة من نوابه عام 1991. ولكن بعد 8 سنوات انقلبت «الفتاة الصغيرة» على كول عندما واجه اتهامات بالفساد بعدما تبين أنه قبل تبرّعات غير قانونية. يومذاك رأت ميركل فرصة للتقدم ولم تتردد لحظة باستغلالها، وهكذا، تحوّلت خلال سنوات قليلة من «فتاة كول» إلى «موتر» - أو «ماما» - البلاد بأكملها. والآن، بعد مضي نحو 13 سنة تولّت فيها الحكم بات على ألمانيا أن تواجه مستقبلها من دون «الموتر». فمتى سيبدأ هذا المستقبل؟ وكيف سيكون؟

منذ عدة سنوات والصحافة الألمانية تتحدث عن «بداية نهاية ميركل». كلما واجهت المستشارة هزّة صغيرة أو جابهها تمرّد أو وجدت صعوبة في تحقيق مبتغى ما، كانت الصحافة تمتلئ بتحليلات تتنبأ بقرب خروجها من السلطة. غير أن أنجيلا ميركل، في كل مرة، كانت تخرج منتصرة... مع أن سطوتها كانت تضعف مع كل هزّة وتذبل بعد كل تمرّد.
طبعاً، لم يساعد تراجع حزب المستشارة، حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» (يمين معتدل)، خلال الفترة الأخيرة في إعادة ثقة حزبها بها. فالانتخابات المحلية الأخيرة في ولايتي هيسن (التي تضم مدينة فرانكفورت المهمة مالياً) وبافاريا (أكبر معاقل اليمين في الجنوب) كانتا طوق النجاة الأخير الذي كانت تأمل ميركل أن يحميها من قرب نهايتها. ولكن الخسائر الكبيرة التي مني بها حزبها في هيسن والحزب «الشقيق»، «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، الحاكم في بافاريا، جعلا استمرارها ضرباً من المستحيل.

- مستشارة... لا زعيمة
وهكذا، أمام الضغوط الداخلية، اضطرت ميركل للإعلان أخيراً عن التنحي عن زعامة الحزب. لكنها بقيت متمسكة بمنصبها بقيادة الحكومة حتى نهاية ولايتها الدستورية الرابعة عام 2021. وهذه سابقة كانت ميركل نفسها قد رفضتها في الماضي. وللعلم، مع أن القانون لا يشترط أن يكون المستشار زعيم حزبه، جرت العادة على ذلك لتسهيل الحكم وتجنب أي شرخ محتمل داخل الحزب الحاكم.
في هذا الصدد، اعترفت ميركل عندما خرجت أمام الصحافيين لإعلان قرارها، بأنها تتراجع عن تعهداتها السابقة. لكنها مع ذلك بررت قرارها بأنه الأفضل للبلاد «لأنه سيتيح لها قيادة الحكومة من دون الانشغال بمشكلات الحزب».
لم تبدُ حزينة أو متوترة أو منفعلة وهي تعلن انسحابها التدريجي من الحياة السياسية. أبداً، كانت هادئة وبراغماتية كعادتها... بل، بدت حتى واثقة من قدرتها على إكمال ولايتها، وإن كان خليفتها المحتمل في زعامة الحزب شخص على النقيض منها. وقالت عندما سُئلت عن ذلك: «لديَّ القدرة على العمل مع أي كان... أعتقد أن هذا معروف عني وإلا لما كان بإمكاني أن أقود حكومات ائتلافية». إلا أن هذه الثقة بالنفس التي حرصت ميركل على إظهارها، قد لا تكون كافية أو نافعة هذه المرة لتكسب جولة جديدة. ذلك أن اثنين من المرشحين لخلافتها على رأس الحزب يُعدّان من أشد منتقديها.

- مستشارون محتملون
المرشح لخلافة ميركل هو فريدريش ميرز الذي كان من نجوم الحزب، ولكن ميركل دفعته لترك الحياة السياسية عام 2009، والثاني يانس شبان وزير الصحة في حكومتها الذي لا يتورّع عن انتقادها علناً.
حتى الآن أعلن الرجلان ترشحهما إلى جانب أمينة عام الحزب أنيغريت كرامب - كارينباور، المعروفة بـ«أ ك ك»، التي تعتبر المرشحة المفضلة لميركل، مع أن الأخيرة أحجمت عن إعلان دعمها أي مرشح.
بعض المحللين في ألمانيا يربطون، في الواقع، قدرة ميركل على إكمال عهدها بهوية الزعيم الجديد للحزب. ويعتقد المحلل السياسي كريستيان كاستروب من معهد «برتلسمان شتيفتونغ» في العاصمة برلين، أن ميركل قد تكون قادرة على إكمال عهدها في حال انتخب الحزب كرامب - كارينباور لقيادته، ولكنه شكك، خلال اتصال مع «الشرق الأوسط»، في قدرتها على الاستمرار بالحكم في حال فاز ميرز أو شبان، مرجحاً أن يؤدي فوز أحدهما للدعوة إلى انتخابات مبكرة مطلع العام المقبل.
آخرون يرون أن العقبة الرئيسية أمام إكمال ميركل عهدها لن يكون الزعيم الجديد للحزب، بل تطوّرات أخرى. إذ ترى البروفسورة أورسولا مونش مديرة أكاديمية التربية السياسية في ميونيخ، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن خسارة كرامب - كارينباور السباق على الزعامة «سيصعّب حتماً مهمة ميركل... لكنني أعتقد أن ميركل عندما قرّرت الاستقالة من زعامة الحزب، وضعت في حسبانها احتمال فوز شخص مثل ميرز أو شبان، وارتأت أن بإمكانها أن تأخذ هذه المخاطرة لأنها ستكون محددة بفترة زمنية معينة، وأيضاً لأنها تعلم بأنه سيكون من الصعب جداً إجبارها على مغادرة منصبها بسبب محاذير دستورية».

- تهديدات لـ«عهدها الرابع»
عنصران آخران، بحسب مونش، يهددان بوقف مسيرة ميركل قبل العام 2021، هما: أولاً، نتائج أخرى سيئة لحزبها في الانتخابات المحلية العام المقبل. وثانياً، قرار شريكها في الائتلاف الحكومي، «الحزب الديمقراطي»، الانسحاب من الحكم. تقول مونش: «في حال مُني (الاتحاد المسيحي الديمقراطي الاجتماعي) (الاشتراكي) بخسائر كبيرة، كما حصل في هيسن، في انتخابات محلية جديدة... عندها ستتعرّض ميركل لضغوط كبيرة مرة أخرى، وعندها لن تتمكن من توجيه اللوم إلى زعيم الحزب الجديد بمفرده، بل قد تضطر للاستقالة تحت وطأة الضغوط المتزايدة».
وعلى الأرجح، سيواجه «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» خسائر كبيرة إضافية العام المقبل في الانتخابات المحلية بولايتي سكسونيا وبراندنبورغ (شمال شرقي ألمانيا) وهي مقررة في سبتمبر (أيلول) 2019. وتشير الاستطلاعات في الولايتين إلى تقدّم كبير لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرّف، إذ يتفوّق على حزب ميركل في براندنبورغ - المحيطة بالعاصمة برلين - مع الإشارة إلى أن هذا الحزب المتطرّف يتمتّع بشعبية مرتفعة في ولايات شرق ألمانيا، عموماً، حيث يحلّ أولاً في عدد كبير منها. السيناريو الثاني الذي قد يدفعها لاستقالة مبكرة هو انفراط حكومتها. وفي هذه الحالة، حسب مونش، سيكون على ميركل التنحي وإفساح المجال لزعيم الحزب الجديد لقيادة البلاد.

- تراجع اليسار المعتدل
هذا الاحتمال ما زال يناقشه اشتراكيو الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد نتائجه الكارثية في انتخابات هيسن وبافاريا. ورغم أن زعيمة الحزب أندريا ناهليس رفضت الانسحاب فوراً من الحكومة، وقدمت ورقة تتضمن مطالب الحزب دعت لتحقيقها خلال مهلة زمنية، فإن الأصوات المطالبة بالخروج من الائتلاف، وحتى استقالة ناهليس ما زالت مرتفعة. ويعتقد المحلل السياسي كاستروب بأن على «الاشتراكيين» لإنقاذ أنفسهم «الانسحاب من الحكومة بأسرع ما يمكن». وهنا، يُذكر أن «الاشتراكيين» شاركوا في حكومات ميركل المتعاقبة رغم أن الحزب يساري، بينما حزب ميركل يميني. ولكنهم، اضطروا طوال السنوات الماضية إلى تقديم تنازلات للبقاء في الحكم أغضبت قطاعاً من مناصريهم يرى أن الحزب فقد هويته.
ووفق كاستروب، «على (الاشتراكيين) الجلوس في صفوف المعارضة وإعادة تقييم أدائهم وتحديد مبادئ حزبهم لأنهم فقدوا هويتهم تماماً».
وبالفعل، تحول عدد كبير من الناخبين «الاشتراكيين» السابقين إلى حزب «الخضر» الذي حقق مكاسب واسعة في انتخابات هيسن. ويرى البعض أن مشاركتهم في الحكومة الرابعة لميركل كان خطأ فاقم خسائرهم. ولذا يعتقد كاستروب أنه «كان عليهم البقاء في المعارضة ودعم حكومة أقلية... لكنهم أرادوا السلطة ولم يريدوا دعم حكومة من دون الحصول على ميزات. وهذا كان خطأ». ثم يشير إلى أن «الاشتراكيين» ربما مرّروا الكثير من القوانين الجيدة طوال فترة مشاركتهم في الحكم «لكن بعض مناصريهم لم يروا الأمر بهذا الشكل، وغالباً ما كان الفضل فيها يعود لحزب ميركل لأنها ترأس الحكومة».

- انتخابات مبكّرة
ومن ثم، يتوقع الباحث في معهد «بارتلسمان شتيفتونغ» أن تكون «نهاية» ميركل السياسية أقرب من قريب جداً. كذلك يتوقع انتخابات مبكرة مطلع العام نتيجة مباشرة لانتخاب «الديمقراطيين المسيحيين» ميرز أو شبان زعيماً لهم، مستبعداً فوز كرامب - كارينباور بالزعامة لأنها «نسخة عن ميركل»، كما يقول. وحقاً، تتقارب سياسات المرأتين كثيراً. ولم تبدِ أمينة عام الحزب أي معارضة تذكر لأي من سياسات ميركل، مع أنها بدأت تشدد موقفها أكثر تجاه الهجرة لمحاولة الفوز بزعامة الحزب. ثم إن كونها امرأة قد لا يلعب أيضاً في صالحها. فـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي» ما زال «حزباً ذكورياً»، حسب وصف كاستروب. وبعد 18 سنة من قيادته على يد امرأة «قد يكون (المحافظون) فيه راغبين بالتصويت لرجل هذه المرة».

- سبب آخر مهم
ولكن أهم من ذلك، فإن «موضعة» ميركل حزبها المحافظ في مواقع قريبة من اليسار، خصوصاً بالنسبة لسياسات الهجرة، سيدفع بالكثيرين للتفكير بضرورة إعادة الحزب نحو اليمين باختيار مرشح على يمين ميركل... وهذا يعني أحد الرجلين، أي ميرز أو شبان. ويمكن اعتبار شبان «أكثر يمينية» مقارنة بميرز.
فوزير الصحة الشاب لا يتورع عن انتقاد سياسات الهجرة التي اعتمدتها ميركل، ويصف قرار المستشارة «فتح الأبواب للاجئين» بأنه السبب الأساسي لخسارة الحزب لشعبيته.
أيضاً، صغر سن شبان (39 سنة) قد يلعب لصالحه لجهة كسب أصوات الشباب في الحزب، لا سيما من يبحثون عن تمثيل لهم. وهنا يقول كاستروب إن شبان سيكون «قادراً على نقل الحزب للجيل الجديد لأنه شاب ويمكن أن يشكلوا رابطاً معه». ولكن «مثلية» شبان الجنسية قد تلعب ضده. فهو لا يخفي هويته الجنسية بل إنه تزوّج من صديقه. ووفق كاستروب «داخل حزب محافظ قد يشكل هذا عقبة أمام تقدّمه أكثر... إنه موضوع حساس، وأعتقد أن كثيرين، خصوصاً من التقليديين داخل الحزب، لن يصوّتوا له لهذا السبب، لكنهم بالطبع لن يكشفوا أنه سبب موقفهم».

- المرشح الأوفر حظاً
وعليه، يبرز بين المرشحين ميرز، رجل الأعمال الثري، الذي يتصدّر استطلاعات الرأي حتى الآن. وهو رغم غيابه عن الساحة السياسة نحو 9 سنوات، يبدو أنه ما زال يتمتع بشعبية كبيرة داخل حزبه، ويحظى أيضاً بتأييد ممثلي الأعمال.
الرجل الذي يعتبر من جيل ميركل نفسه، كان أحد نجوم «الديمقراطيين المسيحيين»، وبدأ صعوده في الوقت نفسه الذي بدأ نجم ميركل يسطع. غير أن الأخيرة تفوّقت عليه، أولاً عام 2002 عندما أخذت منصبه زعيماً للأغلبية البرلمانية، والثاني عام 2009 عندما دفعته لترك العمل السياسي كلياً والاتجاه للعمل مستشاراً لشركات كبرى، أهمها شركة «بلاك روك» المعروفة بـ«الحوت المالي» بفرعها الألماني، التي يرأس مجلسها الاستشاري، إضافة إلى شركة «أكسا» للتأمين ومصرف «إتش إس بي سي» البريطاني من بين غيرها. الرصيد المالي الذي جمعه ميرز طوال هذه السنوات يجعله المرشح المفضل للأعمال.
ولكن هذه الرصيد نفسه قد يلعب ضده أيضاً، إذ يقول كاستروب «لديه نقطة سوداء تتمثل بثروته وعمله مع (بلاك روك)... لا ندري ما الذي قد يتكشف».
أما مونش، من أكاديمية التربية السياسية في ميونيخ، فتعتبر أن ميرز «أشبه بشاشة تعكس أفكار كل الذين تركوا الحزب بخيبة أمل في السنوات الـ15 الماضية بعدما تغير برنامجه بشكل كبير». لكنها تضيف أن ميرز يبدو أيضاً «قديم الطراز بالنسبة للذين يعتبرون بأنه من المهم أن يتطوّر الحزب ليعكس تطور المجتمع». وتشير إلى أن شبان يمكنه أن يشكل رابطاً مع جناح الشباب في الحزب أفضل من ميرز البالغ من العمر 62 سنة.
ومع ذلك تعتقد مونش بأن ميرز هو المرشح المفضل لدى الحزب بشكل أساسي بسبب ملفه الاقتصادي القوي. وترى أن «الديمقراطيين المسيحيين» يأملون أن يعطي ميرز الحزب برنامجاً عملياً واضحاً. وترى أن تنازل شبان عن الترشح لصالحه قد يعطيه دفعاً أقوى، ويمنحه تقدماً واضحاً على كرامب - كارينباور.

- المستقبل من دون ميركل
مهما قرر حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» في مؤتمره في هامبورغ في 7 ديسمبر (كانون الأول)، فإن ألمانيا تستعد لطي صفحة ميركل قريباً مع كل ما يحمل ذلك من تغيرات في شكل الحياة السياسية في المستقبل. فحكمها الطويل وقراراتها التي جرت الحزب نحو اليسار أكثر من اليمين، أبعدت الكثير من الناخبين، ورمت بالكثير منهم في أحضان الحزب اليميني المتطرف «البديل لألمانيا» الذي بات الحزب الأول في الولايات الشرقية الشيوعية سابقاً.
وبحسب البعض، فإن هذا الحزب الشعبوي المتطرف سيستمر بالصعود تدريجياً حتى لو رحلت ميركل. ويرجح كاستروب أن «البديل لألمانيا» سيدخل الحكومة الاتحادية شريكاً ائتلافياً في السنوات القليلة المقبل إذا ما نجح «بعزل العناصر الفاشية» فيه. ويعتقد أن «الديمقراطيين المسيحيين» قد يجربون الحكم مع «البديل لألمانيا» على صعيد محلي في ولاية ما قبل أن ينقل حلفه معه إلى الحكومة الاتحادية.


مقالات ذات صلة

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)
حصاد الأسبوع يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق

شوقي الريّس ( لشبونة)
حصاد الأسبوع الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»،

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)

اليابان... أمام التحوّلين السياسي والاقتصادي

الانتخابات العامة المبكّرة الأخيرة في اليابان لم تكن «تصويتاً على برنامج» بقدر ما كانت استفتاءً على اتجاه يشبه «لحظة حسم» داخل السياسة اليابانية: هل تواصل طوكيو

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مواطنون يابانيون يقفون بأحد شوارع طوكيو امام لوحة تنقل أرقام مؤشر "نيكاي" المالي (رويترز)

مستقبل العلاقات الأميركية ــ اليابانية في ظل التنافس التجاري

> العلاقة الأميركية – اليابانية تدخل ما يمكن وصفه بـ«تحالف قوي واقتصاد متوتر». فوز حكومة سانايي تاكاييتشي بتفويض ساحق، أخيراً، يجعل واشنطن أكثر اطمئناناً


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.