بغداد والعصر الذهبي للعرب

كتاب جديد للمدير السابق لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون

المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
TT

بغداد والعصر الذهبي للعرب

المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233

نحن نعلم أن التحقيب السائد لتاريخ البشرية يقسم فترات العالم إلى 3 عصور متتالية: العصور اليونانية - الرومانية القديمة، فالعصور الوسطى، فالعصور الحديثة. وقد شغلت العصور المسيحية تلك الفترة الممتدة من القرن الخامس بعد الميلاد إلى القرن الخامس عشر بعد الميلاد، أي طيلة ألف سنة. ولكن الشيء المزعج في هذا التحقيب الغربي هو أنه داخل هذه الفترة القروسطية المظلمة، تتموضع الحضارة العربية الإسلامية التي شهدت عصرها الذهبي طيلة القرون الستة الأولى من عمر الإسلام، أي حتى موت ابن رشد عام 1198. وبالتالي، فإن هذا التحقيب لا ينطبق علينا. إنه ظالم لنا، ولذلك نرفضه. فنحن عشنا عصر تنويرنا في وقت كان الغرب غاطساً في ظلامياته. ولذلك، أطلق ريجيس دوبريه أخيراً هذه الفكرة الذكية، قائلاً: مشكلة العرب هي أنهم شهدوا عصورهم الوسطى بعد عصر تنويرهم، وليس العكس، كما حصل في أوروبا. ولكن بدءاً من القرن السادس عشر، ابتدأت العصور الحديثة في الغرب، مجسدة بعصر النهضة. وفي هذا الكتاب الجماعي الضخم، نجد صورة متكاملة عن عالم القرون الوسطى. وقد أشرف عليه المؤرخ الشهير جورج دوبي، وساهم في تأليفه كثير من الاختصاصيين في شتى الفروع والحضارات. فبعضهم تحدث عن الغرب المسيحي، وبعضهم عن الشرق الأقصى الآسيوي، وبعضهم الآخر عن الحضارة العربية الإسلامية، إلخ.
وقد تحدث عن هذه الأخيرة الدكتور بول بالطا الذي كان مديراً لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون. يقول هذا الباحث ما معناه: في وسط القرن الثامن الميلادي، حصل شجار داخلي جديد أدى إلى زعزعة العالم العربي. فقد تغلب العباسيون على الأمويين، واستولوا على السلطة بعد أن أعملوا المجازر فيهم. وظلت السلطة في أيدي العباسيين مدة 5 قرون. والواقع أنه بعد وفاة النبي الأكرم عام 632، ما انفكت الصراعات العائلية أو القبلية أو السياسية على السلطة تتوالى فصولاً. وهكذا، انتقلت السلطة من الجزيرة العربية إلى سوريا، ومن سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى إيران، أو إلى المغرب الأقصى، فإسبانيا. وكانت الأطراف المتصارعة كلها تزعم أنها تحارب من أجل الإسلام الصحيح الذي انحرفت عنه الأطراف الأخرى. كل طرف كان يتهم الطرف السابق بالانحراف عن نهج العقيدة القويمة المستقيمة، لكي يزيحه عن السلطة، ويحل محله. والواقع أن العباسيين استخدموا هذا الأسلوب لكي يسفهوا الأمويين ويشوهوا صورتهم. فقد أشاعوا عنهم أنهم خرجوا على قانون القرآن الكريم والشريعة، وأنهم منافقون لا أثر للإيمان في قلوبهم. ونجحت الإشاعة وانتشرت في كل الأمصار الإسلامية، الشيء الذي أدى إلى سحق الأمويين عام 750، وحلول العباسيين محلهم على رأس الإمبراطورية العربية الإسلامية المترامية الأطراف. وهذا ما يدعوه المؤرخون بالثورة العباسية. فقد ابتدأت ببث الدعاية المضادة للأمويين، قبل استخدام الرجال والسلاح لإسقاطهم. ومعلوم أن سقوط مشروعيتك الدينية شرط مسبق لإسقاط مشروعيتك السياسية.
وقد استطاع العباسيون ترسيخ نظام قوي استمر عدة قرون، بعد أن نقلوا العاصمة من دمشق إلى بغداد، أي من سوريا إلى العراق. وشهدت الحضارة العربية - الإسلامية عصرها الذهبي عندئذ بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلادي. فقد أدت حركة الترجمة عن الإغريق إلى ازدهار العلم والفلسفة. وأصبح علماء الإسلام هم منارات البشرية في ذلك الزمان. فأوروبا كانت تغط في نوم عميق: أي في دياجير العصور الوسطى، والتعصب الديني، والجهل والانغلاق، وتكفير الفلسفة والعلم. وكما تحدث بعضهم عن «المعجزة الإغريقية» أيام أرسطو وأفلاطون وسقراط، فإنه يمكننا أن نتحدث عن «المعجزة العربية» أيام الكندي والجاحظ والمأمون والحسن بن الهيثم والتوحيدي والفارابي والبيروني وابن سينا وابن رشد والمتنبي والمعري، وبقية عباقرة العرب والإسلام. والسؤال المطروح الآن هو التالي: هل ستعيد بغداد سابق مجدها، وتصنع العصر الذهبي للعرب مرة أخرى، بعد أن أخذت تتعود على اللعبة الديمقراطية، وإن بصعوبة وتعثر؟ إن هذا الشيء لم يعد مستبعداً، ولكن لكي يتحقق ذلك ينبغي أن تصبح بغداد مركزاً للإشعاع الفلسفي والإبداع الأدبي، كما كانت في العصور الخوالي. وهذا ما نأمله لعاصمة الرشيد والمأمون العظيم ونرجوه.
على أي حال، بين عامي 750 و1100، كان جميع العلماء إما عرباً، وأما فرساً، وإما أتراكاً من آسيا الوسطى، وإما بربراً أمازيغاً في الأندلس وشمال أفريقيا. وكانوا إما يهوداً أو مسيحيين، أو في الأغلب مسلمين بطبيعة الحال. ولكن كانت هناك خاصية مشتركة بينهم جميعاً، وهي أنهم كلهم كانوا يكتبون ويؤلفون ويحاضرون باللغة العربية. صحيح أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأم عندما يعودون إلى منازلهم وأهاليهم، ولكن لغة العلم والفلسفة والمناقشات الكبرى في ذلك الزمان كانت العربية، ولا شيء غيرها. لقد كانت لغة الحضارة العالمية آنذاك، تماماً كالإنجليزية حالياً. من يصدق ذلك الآن؟
ولهذا السبب، جرى استخدام تعبير «الحضارة العربية»، وتفضيله على تعبير «الحضارة الإسلامية». لماذا؟ لأن كثيراً من العلماء والمترجمين ما كانوا مسلمين، ولكن كلهم كانوا يتقنون العربية، ويؤلفون كتبهم الأساسية بها. فمثلاً الفيلسوف اليهودي الكبير ابن ميمون ألف رائعته الكبرى «دلالة الحائرين» بالعربية، وبعدئذ ترجمت إلى العبرية. وبالتالي، فنحن نعتبره فيلسوفاً عربياً، حتى ولو كان يهودي الديانة، لأنه أبدع بلغة الضاد. وقس على ذلك كثير (بين قوسين سيوران الذي أبدع بالفرنسية يعتبر فرنسياً، حتى ولو كان ذا أصل روماني. وقل الأمر ذاته عن الآيرلندي صموئيل بيكيت، بل وحتى الكاتب المبدع أمين معلوف يعتبر كاتباً فرنسياً، وإن بروح لبنانية عربية. وقل الأمر ذاته عن الطاهر بن جلون، وآخرين كثيرين. اللغة هي الأساس، وأكاد أقول إن تغيير اللغة أصعب من تغيير الدين)!
لكي يبرر العباسيون استئصال أسلافهم الأمويين، راحوا يستخدمون المحاجة الدينية، كما قلنا. وقالوا عنهم إنهم انحرفوا عن مبادئ الدين والصراط المستقيم. لقد انحرفوا عن مبادئ الإسلام، وأسرفوا في الفسق والمجون والبطر واتباع الشهوات والآثام. ولكن ماذا فعلوا هم بعد أن وصلوا إلى السلطة؟ الشيء ذاته! فالواقع أنهم لم يقصروا في هذا المجال، بعد أن استتبت الأمور لهم.
نعم، لقد عاشوا حياة المستبدين الشرقيين في قصورهم المنيفة. ولكن الفرق بينهم وبين الأمويين هو أن إمبراطوريتهم أصبحت كوسموبوليتية، ولم تعد عربية خالصة، كما كان عليه الحال سابقاً. فالخلفاء العباسيون راحوا يتزوجون نساء غير عربيات، وكان وزراؤهم في الغالب من أصل فارسي، كالبرامكة في عهد هارون الرشيد مثلاً.
وكان أول خلفائهم هو أبو العباس السفاح الذي نصب خليفة عام 749، ولكنه لم يحكم فعلاً إلا عام 750، بعد القضاء الكامل على الأمويين. وهكذا، دشن السلالة العباسية التي أنجبت 37 خليفة، وبقيت في السلطة حتى عام 1250، تاريخ دخول المغول إلى بغداد: أي 5 قرون بالتمام والكمال. ولكن الخليفة العباسي الحقيقي كان هو الشخص الثاني في العائلة. إنه أبو جعفر المنصور الذي تسلم الحكم بعد السفاح بـ4 سنوات فقط (754 - 775). لقد حكم أكثر من 20 سنة، واستطاع بالتالي توطيد دعائم السلطة العباسية، وهو الذي أسس مدينة بغداد عام 762، وجعل منها عاصمة له. وسوف تظل عاصمة العراق حتى يومنا هذا. وبالتالي، فالرجل له أهميته الكبرى في تاريخ الإسلام، وقد لقبها بمدينة السلام.
وجعل منها ليس فقط عاصمة سياسية وإدارية للإمبراطورية العربية - الإسلامية، وإنما أيضاً عاصمة الشعراء والفنانين. بل وأصبحت، وللمرة الأولى في تاريخ الإسلام، مدينة العلم والعلماء والفلاسفة والمخترعين وباقي المبدعين. والواقع أن الشيء الذي ساهم في عظمة الخلافة العباسية هو تشجيع المنصور والرشيد والمأمون لحركة الترجمة ونقل المعرفة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية. ومعلوم أن العلم الإغريقي ترجم في تلك الفترة، وكذلك الفلسفة الإغريقية، بالإضافة إلى علم الفرس والهند وبقية الأقوام. وهنا تفوق العباسيون على الأمويين بما لا يقاس، ودشنوا العصر الذهبي العظيم.
وفي تلك الفترة، ظهر الكتاب الكبار، من أمثال الجاحظ وابن قتيبة. كما ظهر علماء النحو الذين ثبتوا للعربية قواعدها ونحوها وصرفها وعروضها، كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه والكسائي وغيرهم. وأما في مجال الشعر فقد هيمن على تلك الحقبة الشاعر الكبير المتحرر، إن لم نقل المتحلل: أبو نواس.
ولكن يبقى صحيحاً القول إن المجال الذي برع فيه علماء الإسلام، وجعل من بغداد عاصمة الحضارة، هو مجال العلم والفلسفة والتقنيات، إن لم يكن التكنولوجيا. وفي الفترة الأولى، كان علماء الإسلام مجرد ناقلين لعلم الآخرين أو مترجمين له. ومعلوم أن مرحلة الترجمة تسبق مرحلة الإبداع الذاتي، ثم جاءت المرحلة التالية: مرحلة الإبداع الذاتي، والإضافة إلى كل ما سبق، بعد أن هضموا كل هذه العلوم واستوعبوها.
ويرى بول بالطا أن علماء الإسلام أبدعوا في كل المجالات بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد. لقد أبدعوا في مجال علم الفلك، والرياضيات، والفيزياء، والطب، وعلم النبات، وعلم الجغرافيا، والفلسفة، والتاريخ، إلخ. وأكبر دليل على إقبال الناس في تلك الفترة على المعرفة ما قاله السندباد في «ألف ليلة وليلة»: «كنت أبحث عن صحبة العلماء». وهذا القول يمثل روح فترة بأسرها، حيث أثبت العرب والمسلمون مقدرتهم على فهم كل العلوم والفلسفات، بل والإضافة إليها وزيادة الإبداع إبداعاً.
ففي تلك الفترة التي تمثل العصر الذهبي من حياة العرب والمسلمين، ظهر البيروني (973 - 1048) الذي اخترع الإسطرلاب: وهي آلة قديمة لقياس ارتفاع الشمس والنجوم. وكان العرب يولون أهمية كبيرة للمعرفة بالنجوم أكثر مما كان يفعل الإغريق أو الرومان أو الألمان. لماذا؟ لأن هذه المعرفة تجنبهم خطر الضياع في الصحراء.
ومن أشهر العلماء الذين ظهروا في العالم الإسلامي نذكر ناصر الدين الطوسي (1201 - 1274) الذي بنى مركزاً لمراقبة النجوم. ولم يكن له مثيل في تلك الفترة عند أية أمة من الأمم. وعن طريق تلك الاختراعات والعلوم التقنية، استطاع العرب أن يسيطروا على الملاحة في البحار أكثر من غيرهم.
ولذلك، فإن السندباد البحري أصبح أحد أبطال «ألف ليلة وليلة» لأنه انطلق من البصرة لفتح البحار والمحيطات حتى وصل إلى الصين!! وكل ذلك ناتج عن اختراع العرب لآلات الملاحة البحرية وتحسينها وتطويرها. وقد أخذ العرب عن الصينيين البوصلة التي تفيدهم في تحديد الوجهة في أثناء السفر البري أو الملاحة في البحر، ثم نقلوها إلى الأوروبيين لكي يتعرفوا عليها. وبالتالي، ففضل العرب على أوروبا كبير.
ثم يقول لنا الباحث الفرنسي ما معناه: يصعب علينا هنا أن نستشهد بأسماء جميع العلماء والعباقرة الذين ظهروا في تلك الفترة. نذكر من بينهم فقط الخوارزمي (780 - 850) الذي اخترع علم الجبر أو اللوغاريتم. ومعلوم أنه انتقل باسمه حرفياً إلى اللغات الأوروبية. وقد استفاد منه الفيلسوف ديكارت لبناء نظرياته العلمية والفلسفية.
ونذكر الحسن ابن الهيثم (965 - 1039)، وكان واحداً من أكبر علماء الفيزياء في كل العصور. ومعلوم أنه هو الذي أسس علم البصريات، وذلك قبل العالم الأوروبي روجر بيكون (1220 - 1292) بزمن طويل. كما اكتشف قانون العطالة الذاتية الذي سيصبح أول قوانين الحركة لدى العالم الشهير إسحاق نيوتن.
وأما عن الفلاسفة، فحدث ولا حرج! فالكندي الذي مات عام 873 كان أول من اهتم بالفلسفة ودرسها وكتب فيها، ولذلك لقبوه بفيلسوف العرب الأول. ثم تلاه الفارابي (878 - 950) الذي لقبوه بالمعلم الثاني، بعد أرسطو الذي كان يدعى بالمعلم الأول. ومؤلفات الفارابي في الفلسفة السياسية والأخلاقية لا تزال تدرس في كثير من جامعات العالم.
ثم تلاه الشيخ الرئيس ابن سينا (980 - 1037) الذي تجاوزت شهرته حدود العالم العربي الإسلامي لكي تصل إلى الغرب اللاتيني المسيحي عن طريق الترجمة. ويقال إنه كان عبقري العباقرة. وكان مولعاً أيضاً بالحب والعشق والجمال. ولا داعي لأن نذكر اسم ابن رشد (1126 - 1198) الذي أصبح أستاذاً للغرب طيلة قرون عدة، عندما تحول إلى تيار فكري طويل عريض يدرسونه في جامعات السوربون، وبولونيا بإيطاليا، وكذلك جامعة بادوا، هذا بالإضافة إلى جامعة أوكسفورد، وجامعات ألمانيا، وسواها من البلدان الأوروبية. ومعلوم أن فكره ساهم في تدشين النهضة الأوروبية الأولى. وكانت قرطبة في ذلك الزمان منارة الحضارة العالمية بأسرها. وهذا يعني أن علماءنا وفلاسفتنا هم الذين دشنوا عصر التنوير، قبل أن يظهر في أوروبا بزمن طويل:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.