بغداد والعصر الذهبي للعرب

كتاب جديد للمدير السابق لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون

المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
TT

بغداد والعصر الذهبي للعرب

المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233
المدرسة المستنصرية في بغداد تأسست في زمن الدولة العباسية عام 1233

نحن نعلم أن التحقيب السائد لتاريخ البشرية يقسم فترات العالم إلى 3 عصور متتالية: العصور اليونانية - الرومانية القديمة، فالعصور الوسطى، فالعصور الحديثة. وقد شغلت العصور المسيحية تلك الفترة الممتدة من القرن الخامس بعد الميلاد إلى القرن الخامس عشر بعد الميلاد، أي طيلة ألف سنة. ولكن الشيء المزعج في هذا التحقيب الغربي هو أنه داخل هذه الفترة القروسطية المظلمة، تتموضع الحضارة العربية الإسلامية التي شهدت عصرها الذهبي طيلة القرون الستة الأولى من عمر الإسلام، أي حتى موت ابن رشد عام 1198. وبالتالي، فإن هذا التحقيب لا ينطبق علينا. إنه ظالم لنا، ولذلك نرفضه. فنحن عشنا عصر تنويرنا في وقت كان الغرب غاطساً في ظلامياته. ولذلك، أطلق ريجيس دوبريه أخيراً هذه الفكرة الذكية، قائلاً: مشكلة العرب هي أنهم شهدوا عصورهم الوسطى بعد عصر تنويرهم، وليس العكس، كما حصل في أوروبا. ولكن بدءاً من القرن السادس عشر، ابتدأت العصور الحديثة في الغرب، مجسدة بعصر النهضة. وفي هذا الكتاب الجماعي الضخم، نجد صورة متكاملة عن عالم القرون الوسطى. وقد أشرف عليه المؤرخ الشهير جورج دوبي، وساهم في تأليفه كثير من الاختصاصيين في شتى الفروع والحضارات. فبعضهم تحدث عن الغرب المسيحي، وبعضهم عن الشرق الأقصى الآسيوي، وبعضهم الآخر عن الحضارة العربية الإسلامية، إلخ.
وقد تحدث عن هذه الأخيرة الدكتور بول بالطا الذي كان مديراً لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون. يقول هذا الباحث ما معناه: في وسط القرن الثامن الميلادي، حصل شجار داخلي جديد أدى إلى زعزعة العالم العربي. فقد تغلب العباسيون على الأمويين، واستولوا على السلطة بعد أن أعملوا المجازر فيهم. وظلت السلطة في أيدي العباسيين مدة 5 قرون. والواقع أنه بعد وفاة النبي الأكرم عام 632، ما انفكت الصراعات العائلية أو القبلية أو السياسية على السلطة تتوالى فصولاً. وهكذا، انتقلت السلطة من الجزيرة العربية إلى سوريا، ومن سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى إيران، أو إلى المغرب الأقصى، فإسبانيا. وكانت الأطراف المتصارعة كلها تزعم أنها تحارب من أجل الإسلام الصحيح الذي انحرفت عنه الأطراف الأخرى. كل طرف كان يتهم الطرف السابق بالانحراف عن نهج العقيدة القويمة المستقيمة، لكي يزيحه عن السلطة، ويحل محله. والواقع أن العباسيين استخدموا هذا الأسلوب لكي يسفهوا الأمويين ويشوهوا صورتهم. فقد أشاعوا عنهم أنهم خرجوا على قانون القرآن الكريم والشريعة، وأنهم منافقون لا أثر للإيمان في قلوبهم. ونجحت الإشاعة وانتشرت في كل الأمصار الإسلامية، الشيء الذي أدى إلى سحق الأمويين عام 750، وحلول العباسيين محلهم على رأس الإمبراطورية العربية الإسلامية المترامية الأطراف. وهذا ما يدعوه المؤرخون بالثورة العباسية. فقد ابتدأت ببث الدعاية المضادة للأمويين، قبل استخدام الرجال والسلاح لإسقاطهم. ومعلوم أن سقوط مشروعيتك الدينية شرط مسبق لإسقاط مشروعيتك السياسية.
وقد استطاع العباسيون ترسيخ نظام قوي استمر عدة قرون، بعد أن نقلوا العاصمة من دمشق إلى بغداد، أي من سوريا إلى العراق. وشهدت الحضارة العربية - الإسلامية عصرها الذهبي عندئذ بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلادي. فقد أدت حركة الترجمة عن الإغريق إلى ازدهار العلم والفلسفة. وأصبح علماء الإسلام هم منارات البشرية في ذلك الزمان. فأوروبا كانت تغط في نوم عميق: أي في دياجير العصور الوسطى، والتعصب الديني، والجهل والانغلاق، وتكفير الفلسفة والعلم. وكما تحدث بعضهم عن «المعجزة الإغريقية» أيام أرسطو وأفلاطون وسقراط، فإنه يمكننا أن نتحدث عن «المعجزة العربية» أيام الكندي والجاحظ والمأمون والحسن بن الهيثم والتوحيدي والفارابي والبيروني وابن سينا وابن رشد والمتنبي والمعري، وبقية عباقرة العرب والإسلام. والسؤال المطروح الآن هو التالي: هل ستعيد بغداد سابق مجدها، وتصنع العصر الذهبي للعرب مرة أخرى، بعد أن أخذت تتعود على اللعبة الديمقراطية، وإن بصعوبة وتعثر؟ إن هذا الشيء لم يعد مستبعداً، ولكن لكي يتحقق ذلك ينبغي أن تصبح بغداد مركزاً للإشعاع الفلسفي والإبداع الأدبي، كما كانت في العصور الخوالي. وهذا ما نأمله لعاصمة الرشيد والمأمون العظيم ونرجوه.
على أي حال، بين عامي 750 و1100، كان جميع العلماء إما عرباً، وأما فرساً، وإما أتراكاً من آسيا الوسطى، وإما بربراً أمازيغاً في الأندلس وشمال أفريقيا. وكانوا إما يهوداً أو مسيحيين، أو في الأغلب مسلمين بطبيعة الحال. ولكن كانت هناك خاصية مشتركة بينهم جميعاً، وهي أنهم كلهم كانوا يكتبون ويؤلفون ويحاضرون باللغة العربية. صحيح أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأم عندما يعودون إلى منازلهم وأهاليهم، ولكن لغة العلم والفلسفة والمناقشات الكبرى في ذلك الزمان كانت العربية، ولا شيء غيرها. لقد كانت لغة الحضارة العالمية آنذاك، تماماً كالإنجليزية حالياً. من يصدق ذلك الآن؟
ولهذا السبب، جرى استخدام تعبير «الحضارة العربية»، وتفضيله على تعبير «الحضارة الإسلامية». لماذا؟ لأن كثيراً من العلماء والمترجمين ما كانوا مسلمين، ولكن كلهم كانوا يتقنون العربية، ويؤلفون كتبهم الأساسية بها. فمثلاً الفيلسوف اليهودي الكبير ابن ميمون ألف رائعته الكبرى «دلالة الحائرين» بالعربية، وبعدئذ ترجمت إلى العبرية. وبالتالي، فنحن نعتبره فيلسوفاً عربياً، حتى ولو كان يهودي الديانة، لأنه أبدع بلغة الضاد. وقس على ذلك كثير (بين قوسين سيوران الذي أبدع بالفرنسية يعتبر فرنسياً، حتى ولو كان ذا أصل روماني. وقل الأمر ذاته عن الآيرلندي صموئيل بيكيت، بل وحتى الكاتب المبدع أمين معلوف يعتبر كاتباً فرنسياً، وإن بروح لبنانية عربية. وقل الأمر ذاته عن الطاهر بن جلون، وآخرين كثيرين. اللغة هي الأساس، وأكاد أقول إن تغيير اللغة أصعب من تغيير الدين)!
لكي يبرر العباسيون استئصال أسلافهم الأمويين، راحوا يستخدمون المحاجة الدينية، كما قلنا. وقالوا عنهم إنهم انحرفوا عن مبادئ الدين والصراط المستقيم. لقد انحرفوا عن مبادئ الإسلام، وأسرفوا في الفسق والمجون والبطر واتباع الشهوات والآثام. ولكن ماذا فعلوا هم بعد أن وصلوا إلى السلطة؟ الشيء ذاته! فالواقع أنهم لم يقصروا في هذا المجال، بعد أن استتبت الأمور لهم.
نعم، لقد عاشوا حياة المستبدين الشرقيين في قصورهم المنيفة. ولكن الفرق بينهم وبين الأمويين هو أن إمبراطوريتهم أصبحت كوسموبوليتية، ولم تعد عربية خالصة، كما كان عليه الحال سابقاً. فالخلفاء العباسيون راحوا يتزوجون نساء غير عربيات، وكان وزراؤهم في الغالب من أصل فارسي، كالبرامكة في عهد هارون الرشيد مثلاً.
وكان أول خلفائهم هو أبو العباس السفاح الذي نصب خليفة عام 749، ولكنه لم يحكم فعلاً إلا عام 750، بعد القضاء الكامل على الأمويين. وهكذا، دشن السلالة العباسية التي أنجبت 37 خليفة، وبقيت في السلطة حتى عام 1250، تاريخ دخول المغول إلى بغداد: أي 5 قرون بالتمام والكمال. ولكن الخليفة العباسي الحقيقي كان هو الشخص الثاني في العائلة. إنه أبو جعفر المنصور الذي تسلم الحكم بعد السفاح بـ4 سنوات فقط (754 - 775). لقد حكم أكثر من 20 سنة، واستطاع بالتالي توطيد دعائم السلطة العباسية، وهو الذي أسس مدينة بغداد عام 762، وجعل منها عاصمة له. وسوف تظل عاصمة العراق حتى يومنا هذا. وبالتالي، فالرجل له أهميته الكبرى في تاريخ الإسلام، وقد لقبها بمدينة السلام.
وجعل منها ليس فقط عاصمة سياسية وإدارية للإمبراطورية العربية - الإسلامية، وإنما أيضاً عاصمة الشعراء والفنانين. بل وأصبحت، وللمرة الأولى في تاريخ الإسلام، مدينة العلم والعلماء والفلاسفة والمخترعين وباقي المبدعين. والواقع أن الشيء الذي ساهم في عظمة الخلافة العباسية هو تشجيع المنصور والرشيد والمأمون لحركة الترجمة ونقل المعرفة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية. ومعلوم أن العلم الإغريقي ترجم في تلك الفترة، وكذلك الفلسفة الإغريقية، بالإضافة إلى علم الفرس والهند وبقية الأقوام. وهنا تفوق العباسيون على الأمويين بما لا يقاس، ودشنوا العصر الذهبي العظيم.
وفي تلك الفترة، ظهر الكتاب الكبار، من أمثال الجاحظ وابن قتيبة. كما ظهر علماء النحو الذين ثبتوا للعربية قواعدها ونحوها وصرفها وعروضها، كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه والكسائي وغيرهم. وأما في مجال الشعر فقد هيمن على تلك الحقبة الشاعر الكبير المتحرر، إن لم نقل المتحلل: أبو نواس.
ولكن يبقى صحيحاً القول إن المجال الذي برع فيه علماء الإسلام، وجعل من بغداد عاصمة الحضارة، هو مجال العلم والفلسفة والتقنيات، إن لم يكن التكنولوجيا. وفي الفترة الأولى، كان علماء الإسلام مجرد ناقلين لعلم الآخرين أو مترجمين له. ومعلوم أن مرحلة الترجمة تسبق مرحلة الإبداع الذاتي، ثم جاءت المرحلة التالية: مرحلة الإبداع الذاتي، والإضافة إلى كل ما سبق، بعد أن هضموا كل هذه العلوم واستوعبوها.
ويرى بول بالطا أن علماء الإسلام أبدعوا في كل المجالات بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد. لقد أبدعوا في مجال علم الفلك، والرياضيات، والفيزياء، والطب، وعلم النبات، وعلم الجغرافيا، والفلسفة، والتاريخ، إلخ. وأكبر دليل على إقبال الناس في تلك الفترة على المعرفة ما قاله السندباد في «ألف ليلة وليلة»: «كنت أبحث عن صحبة العلماء». وهذا القول يمثل روح فترة بأسرها، حيث أثبت العرب والمسلمون مقدرتهم على فهم كل العلوم والفلسفات، بل والإضافة إليها وزيادة الإبداع إبداعاً.
ففي تلك الفترة التي تمثل العصر الذهبي من حياة العرب والمسلمين، ظهر البيروني (973 - 1048) الذي اخترع الإسطرلاب: وهي آلة قديمة لقياس ارتفاع الشمس والنجوم. وكان العرب يولون أهمية كبيرة للمعرفة بالنجوم أكثر مما كان يفعل الإغريق أو الرومان أو الألمان. لماذا؟ لأن هذه المعرفة تجنبهم خطر الضياع في الصحراء.
ومن أشهر العلماء الذين ظهروا في العالم الإسلامي نذكر ناصر الدين الطوسي (1201 - 1274) الذي بنى مركزاً لمراقبة النجوم. ولم يكن له مثيل في تلك الفترة عند أية أمة من الأمم. وعن طريق تلك الاختراعات والعلوم التقنية، استطاع العرب أن يسيطروا على الملاحة في البحار أكثر من غيرهم.
ولذلك، فإن السندباد البحري أصبح أحد أبطال «ألف ليلة وليلة» لأنه انطلق من البصرة لفتح البحار والمحيطات حتى وصل إلى الصين!! وكل ذلك ناتج عن اختراع العرب لآلات الملاحة البحرية وتحسينها وتطويرها. وقد أخذ العرب عن الصينيين البوصلة التي تفيدهم في تحديد الوجهة في أثناء السفر البري أو الملاحة في البحر، ثم نقلوها إلى الأوروبيين لكي يتعرفوا عليها. وبالتالي، ففضل العرب على أوروبا كبير.
ثم يقول لنا الباحث الفرنسي ما معناه: يصعب علينا هنا أن نستشهد بأسماء جميع العلماء والعباقرة الذين ظهروا في تلك الفترة. نذكر من بينهم فقط الخوارزمي (780 - 850) الذي اخترع علم الجبر أو اللوغاريتم. ومعلوم أنه انتقل باسمه حرفياً إلى اللغات الأوروبية. وقد استفاد منه الفيلسوف ديكارت لبناء نظرياته العلمية والفلسفية.
ونذكر الحسن ابن الهيثم (965 - 1039)، وكان واحداً من أكبر علماء الفيزياء في كل العصور. ومعلوم أنه هو الذي أسس علم البصريات، وذلك قبل العالم الأوروبي روجر بيكون (1220 - 1292) بزمن طويل. كما اكتشف قانون العطالة الذاتية الذي سيصبح أول قوانين الحركة لدى العالم الشهير إسحاق نيوتن.
وأما عن الفلاسفة، فحدث ولا حرج! فالكندي الذي مات عام 873 كان أول من اهتم بالفلسفة ودرسها وكتب فيها، ولذلك لقبوه بفيلسوف العرب الأول. ثم تلاه الفارابي (878 - 950) الذي لقبوه بالمعلم الثاني، بعد أرسطو الذي كان يدعى بالمعلم الأول. ومؤلفات الفارابي في الفلسفة السياسية والأخلاقية لا تزال تدرس في كثير من جامعات العالم.
ثم تلاه الشيخ الرئيس ابن سينا (980 - 1037) الذي تجاوزت شهرته حدود العالم العربي الإسلامي لكي تصل إلى الغرب اللاتيني المسيحي عن طريق الترجمة. ويقال إنه كان عبقري العباقرة. وكان مولعاً أيضاً بالحب والعشق والجمال. ولا داعي لأن نذكر اسم ابن رشد (1126 - 1198) الذي أصبح أستاذاً للغرب طيلة قرون عدة، عندما تحول إلى تيار فكري طويل عريض يدرسونه في جامعات السوربون، وبولونيا بإيطاليا، وكذلك جامعة بادوا، هذا بالإضافة إلى جامعة أوكسفورد، وجامعات ألمانيا، وسواها من البلدان الأوروبية. ومعلوم أن فكره ساهم في تدشين النهضة الأوروبية الأولى. وكانت قرطبة في ذلك الزمان منارة الحضارة العالمية بأسرها. وهذا يعني أن علماءنا وفلاسفتنا هم الذين دشنوا عصر التنوير، قبل أن يظهر في أوروبا بزمن طويل:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.