في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

الهجرة والاقتصاد والأمن تتصدّر اهتمامات الناخبين

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد
TT

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

تخضع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعبية حزبه الجمهوري، بعد 10 أيام، لأهم اختبار سياسي منذ تسلمه الرئاسة.
وستشهد الولايات المتحدة في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) انتخابات نصفية لتجديد مجلس النواب بجميع مقاعده، و35 مقعدا في مجلس الشيوخ، فضلا عن العشرات من حكام الولايات.
وفي حين تعتمد هذه الانتخابات إلى حد كبير على قضايا محلية تشمل الهجرة والتجارة والحقوق المدنية وتختلف من دائرة لأخرى داخل الولاية الواحدة، فإن نتيجتها سترسم المستقبل التشريعي لقرارات البيت الأبيض، كما ستؤثر على أداء الرئيس داخليا وخارجيا قبل موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
أطلق قادة الحزب الديمقراطي الأميركي حملة واسعة قبل شهور لاستعادة الولايات التي انضمّت إلى «الموجة الجمهورية الحمراء» في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، ومحاولة استعادة الهيمنة على الكونغرس، غير أن آمال الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس الشيوخ تراجعت، كما يرى مراقبون، خاصة منذ الانتصار الكبير الذي حققه الجمهوريون بالمصادقة على ترشيح القاضي بريت كافانوه في المحكمة العليا.
في المقابل، كثّف الجمهوريون من فعالياتهم الانتخابية، مدركين أن التاريخ يقف في صف الديمقراطيين... إذ إن الانتخابات النصفية نادرا ما تكون لصالح حزب الرئيس الأميركي. وفي مسعى للخروج عن هذه القاعدة، شارك دونالد ترمب في عدد من التجمعات الانتخابية بهدف دعم المرشحين المحليين على مستوى انتخابات الولايات، والتذكير بإنجازات إدارته الاقتصادية، فضلا عن دفع معدلات شعبيته إلى الأعلى.
وبخلاف كثير من الانتخابات النصفية التي شهدتها الولايات المتحدة في العقود الماضية، عجزت استطلاعات الرأي والمراقبون السياسيون عن توقع نتيجة الاقتراع في عدة دوائر انتخابية صُنّفت «تنافسية للغاية». ذلك أن أعداد المقاعد الجمهورية التي تميل إلى الديمقراطيين وتلك المقاعد الديمقراطية التي تميل إلى الجمهوريين مرتفعة، ما يُعقّد التوقعات.
أحد الأسباب الرئيسية وراء ضبابية المشهد الانتخابي اليوم، هو حدة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة. فقد ساهم فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب المفاجئ في عام 2016، وتمسكه بمعظم وعوده الانتخابية رغم موجة الانتقادات من الداخل والخارج، في تقسيم الرأي العام الأميركي بين داعم لسياساته الاقتصادية والعسكرية، ومعارض للغته السياسية المفتقرة للدبلوماسية والمستفزة أحياناً.

استفتاء ومؤشر
مع أن بطاقات الاقتراع لن تحمل اسم ترمب هذه المرة، فإن نتائج الانتخابات ستكون بمثابة استفتاء على السنتين اللتين أمضاهما في سدة الرئاسة، ومؤشرا على قدرته على الفوز بفترة ثانية. ويتيح الاستقطاب السياسي الحاد فرصة للأحداث الطارئة لتغيير توجه الرأي العام، والتأثير على أصوات الناخبين المترددين. وكانت الولايات المتحدة قد شهدت خلال الأيام القليلة الماضية حدثين لافتين من هذا النوع. الأول يتعلق بقافلة المهاجرين المتجهة نحو الحدود المكسيكية الأميركية، والثاني يتعلق بموجة الطرود البريدية المتفجّرة التي استهدفت عددا من السياسيين الأميركيين المنتقدين للرئيس الأميركي وشبكة «سي إن إن» الإخبارية. ويرى راصدو المعركة الانتخابية أنه من شأن هذين التطوّرين، أو أي حدث مفاجئ آخر خلال الأسبوعين المقبلين، أن يقلب موازين القوى وأن يُفقد أحد الحزبين غالبيته في مجلس النواب بفارق بسيط.

معركة مجلس النواب
يتوجب على الناخبين الأميركيين كل سنتين تجديد كل مقاعد مجلس النواب الـ435. ويسعى الديمقراطيون في هذه الانتخابات إلى الفوز بـ23 مقعدا لاستعادة الغالبية في هذا المجلس، وهو ما يبدو مرجحا وفق بعض استطلاعات الرأي. إذ يتوقّع موقع «فايف ثيرتي إيت» المرجعي في الحسابات الانتخابية، أن فرص الديمقراطيين لاستعادة مجلس النواب تعادل 5 فرص من 6، لكن نحو 30 مقعدا تشهد منافسة شديدة، بحيث لا يمكن توقع الفائز فيها بسهولة.
وكان قد بدا قبل أسابيع أن فرص الجمهوريين في الحفاظ على مجلس النواب ضئيلة، لكون حملاتهم لم ترق لنشاط المرشحين الديمقراطيين، الذين يضمّون عددا قياسيا من النساء. فضلا عن الحملات المكثّفة التي يقودها الرئيس السابق باراك أوباما لرفع مستويات الإقبال على التصويت والإعلانات السياسية التي تجاوزت جهود الجمهوريين بملايين الدولارات. وتتكرّر حماسة الديمقراطيين في معارك مجلس الشيوخ، وهنا لم يستبعد بعض المراقبين أن ينجح المرشح الديمقراطي بيتو أورورك، في الحصول على مقعد السيناتور تيد كروز في تكساس، الولاية الضخمة التي هيمن عليها الجمهوريون منذ 1994. لكن هذا الزخم تباطأ في الأسابيع الأخيرة، ولا سيما منذ عملية تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانوه في المحكمة العليا، وتوجّه آلاف المهاجرين من هندوراس ودول من أميركا اللاتينية الأخرى إلى الحدود الأميركية.

أفضلية جمهورية في مجلس الشيوخ
وفق آخر التقديرات، يتمتع الجمهوريون في مجلس الشيوخ بفرص أفضل للحفاظ على غالبيتهم في الانتخابات النصفية التي سيخضع خلالها 35 مقعدا للتصويت، بل إنهم يسعون لتعزيز هذه الغالبية عبر الهيمنة على بعض المقاعد الديمقراطية الـ26 المتنافس عليها.
ووفق توقعات موقع «فايف ثيرتي إيت»، فإن فرص الديمقراطيين للحفاظ على مقاعدهم والسيطرة على مقعدين جمهوريين من بين الـ9 المطروحة للتصويت متدنية للغاية، وتعادل فرصة واحدة فقط من 5. ويرى ديفيد لوبلين، الأستاذ بالجامعة الأميركية في واشنطن، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب): «يبدو احتمال فوز الديمقراطيين بالغالبية في مجلس الشيوخ أقل ترجيحاً». ويوضح لوبلين أن الناخبين الديمقراطيين «يتركزون بشكل كبير في المدن والمناطق الحضرية... بينما الجمهوريون موزّعون جغرافياً»، والمنافسة المحتدمة على مقاعد مجلس الشيوخ تجري بشكل خاص في الولايات الريفية، وهنا الأرجحية للجمهوريين.

سباق حكام الولايات
يتمتع حكام الولايات الأميركية بسلطات واسعة، إذ إنهم يسيطرون على ميزانيات ضخمة ويساهمون في حشد الدعم لمرشحي الحزبين قبل الانتخابات الرئاسية. الجمهوريون يسيطرون حالياً على 33 من أصل 50 منصب حاكم ولاية، وسيجري التصويت يوم 6 نوفمبر المقبل على 36 منها. وفي هذا السياق، يسعى الديمقراطيون للفوز بنحو 23 منصب حاكم ولاية يسيطر عليها الجمهوريون حالياً، وتمثل ولايات أوهايو وميشيغان وفلوريدا وبنسلفانيا أبرز الولايات التي يركّزون عليها لما تحمله من أهمية في تحديد الرئيس الأميركي المقبل.

انتخابات مصيرية لترمب
في حال تمكّن الديمقراطيون من السيطرة على مجلس النواب، يتوقّع أن يباشروا عرقلة برنامج الرئيس ترمب التشريعي وإجهاض محاولاته إلغاء نظام «أوباما كير» الصحي، إلى جانب تغيير بعض سياسات الهجرة التي أثارت كثيرا من الجدل في الشهور الماضية.
أيضا قد يعرقل الديمقراطيون التصويت على الميزانية التي يربطها ترمب بـ«الجدار الحدودي» مع المكسيك. ولقد استخدم مرشحون جمهوريون أيضا مسألة احتمال تضييق الديمقراطيين على الرئيس وإطلاقهم تحقيقات قضائية ضد إدارته وعلاقته المزعومة بروسيا، في سياق تحفيزهم ناخبيهم للتصويت، والحؤول دون خسارة الأصوات المترددة. وفي المقابل، فإن احتفاظ الجمهوريين بغالبيتهم في مجلس الشيوخ، أو احتمال تعزيزها، يضمن عمليا للرئيس الأميركي المصادقة على مرشحيه لمناصب وزارية.
إلى ذلك كله، ستؤثر نتائج الانتخابات المقبلة على التقسيم القادم للدوائر الانتخابية المقرّر إجراؤه في عام 2021. فطبقا للقانون، يعاد رسم حدود الدوائر الانتخابية لمجلس النواب كل 10 سنوات تبعا لعدد السكان، وذلك لتحديد الوزن الانتخابي لكل مقاطعة داخل المجلس. وفعلاً، شجعت حدة التنافس على العشرات من مقاعد المرشحين من الحزبين على الإلقاء بكل ثقلهم على قضيتين رئيسيتين تشغلان الرأي العام الأميركي خلال الانتخابات النصفية المقبلة، هما الاقتصاد والهجرة، وتأتي بعدهما قضايا الأمن وموقف المرشحين من السياسات الخارجية.

ورقة الاقتصاد
مرشحو الحزب الجمهوري يراهنون خلال الانتخابات المقبلة على ورقة النجاح الاقتصادي، للحفاظ على مقاعدهم والسيطرة على مقاعد ديمقراطية إضافية، مستفيدين من الانتعاش الذي يشهده سوق العمل الأميركي، وما صاحب ذلك من زيادة معدلات النمو، وانخفاض معدلات البطالة، وزيادة حجم الاستثمارات الأجنبية المتوقعة والحالية.
ويرجع الجمهوريون الفضل في ذلك إلى قانون الإصلاح الضريبي الذي تم تمريره في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وهو أحد أهم الوعود الانتخابية للرئيس ترمب. ولقد بلغت نسبة نمو الاقتصاد الأميركي 4.2 في المائة بالوتيرة السنوية في الربع الثاني الماضي، وهي الأعلى منذ 4 سنوات. ويرجع ذلك جزئيا إلى زيادة حجم الإنفاق الحكومي، وخفض الضرائب بقيمة 1.5 تريليون دولار، وهو ما وفر للشركات وموظفيها وأسرهم مبالغ إضافية ساهمت في إنعاش الإنفاق. جاء هذا مدفوعا بالارتفاع الكبير في مستوى الصادرات، واندفاع الشركات إلى التصدير استباقا لفرض الرسوم التجارية الجديدة، فضلا عن الحوافز الضريبية والمالية.
الإصلاح الضريبي الذي كان الأهم في أميركا منذ 30 سنة، واعتبر من أبرز التدابير الاقتصادية التي اتّخذها ترمب وسارع الجمهوريون إلى الترحيب بها، قضى بخفض بعض الضرائب على الدخل وبتخفيض كبير للضرائب على الشركات من 35 إلى 21 في المائة. ولم يتردد سيد البيت الأبيض في التباهي بإنجازاته الاقتصادية، معلناً في إحدى التجمعات الانتخابية الأخيرة: «اقتصادنا يسجل أرقاما قياسية على جميع الجبهات عمليا!... والاقتصاد يشهد ازدهارا لم يعرف مثيلا له من قبل».
كما سلط ترمب الضوء مراراً على تراجع معدّلات البطالة، التي وصلت في سبتمبر (أيلول) إلى 3.7 في المائة، وهو أدنى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 1969. وفي لفتة، القصد منها كسب تأييد أقليات تصوت عادة للديمقراطيين، تشدد إدارة ترمب على أن نسبة البطالة في صفوف المتحدرين من أصول لاتينية (هسبانيكية) والسود يعكس تراجعا كبيرا منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، ولو أنها لا تزال أعلى من النسبة بين البيض.

«هدية» انتخابية ثمينة للجمهوريين
لطالما كانت قضية الهجرة حاضرة في خطابات الرئيس دونالد ترمب الانتخابية وطاغية على سياساته في البيت الأبيض، سواء تعلق الأمر ببناء جدار فصل حدودي مع المكسيك أم تطبيق سياسات فصل الآباء من المهاجرين غير القانونيين عن أطفالهم، حتى حظر دخول مواطنين من عدة دول إلى الولايات المتحدة وخفض أعداد اللاجئين الذين توافق الولايات الأميركية على طلباتهم. وكما هو معلوم، استغل الديمقراطيون هذه القضايا للتحذير من تصاعد اللهجة المعادية للمهاجرين في «بلد الهجرة»، كما نجحوا في استمالة ناخبين مؤيدين للرئيس رفضوا لهجته «المشجعة على الكراهية»، وفق استطلاعات الرأي،
إلا أن حزب الرئيس تلقى «هدية ثمينة» قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية، تمثّلت في انضمام حوالي 3 آلاف مهاجر من هندوراس إلى قافلة مهاجرين آملين في الوصول إلى الحدود الأميركية.
وقلبت هذه القضية موازين القوى، كما أتاحت لترمب فرصة إعادة طرح موضوع الهجرة في صلب حملة الانتخابات التشريعية وتحفيز قاعدته، موجهاً في الوقت ذاته أصابع الاتهام إلى الديمقراطيين ومواقفهم المتساهلة في موضوع الهجرة.
فلقد استغل الرئيس الأميركي هذه الظاهرة لإدانة الديمقراطيين، وردد ترمب أمام مؤيديه في ولاية تكساس قبل أيام: «إنه هجوم على بلادنا، هجوم»، مستعيداً وسط تأييد الحشود العارم موضوع الهجرة الذي ركزت عليه حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016.
ثم تابع: «في الوقت الذي نتكلم بأن الحزب الديمقراطي يشجع ملايين الأجانب غير القانونيين على مخالفة قوانيننا وانتهاك حدودنا واجتياح بلادنا...»، ملمحا إلى أن المهاجرين غير القانونيين سيتمكنون من التصويت بصورة غير قانونية.
ولم يكتف ترمب بذلك، بل لوّح بالخطر الإرهابي، مؤكدا أن «شرق أوسطيين» اندسوا داخل «القافلة»، إضافة إلى عناصر من عصابة «إم إس 13» السلفادورية الإجرامية العنيفة. وأضاف في مناسبة أخرى أن رئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز قال له إن قافلة المهاجرين هذه «تنظمها مجموعات يسارية في هندوراس وتموّلها فنزويلا، أرسلت إلى الشمال لتحدي سيادتنا».
وبالفعل، في ولايات كثيرة، في مقدمتها تكساس وأريزونا، هيمنت مشاهد قافلة المهاجرين وهم يعبرون بالآلاف أميركا الوسطى سيراً على الأقدام، على النشرات الإخبارية والخطابات السياسية. وتغلّب القلق والخوف المرتبطان بهذه القافلة على موجة الاستنكار الشديد، حتى في صفوف الجمهوريين المعتدلين، جراء عمليات فصل عائلات المهاجرين التي أمرت بها إدارة ترمب هذا الصيف. وأصبحت أكثر سياسات ترمب إثارة للجدل، في نظر كثيرين، مبرّرة بل مطلوبة... بما يشمل دعواته لبناء جدار تموّله المكسيك على الحدود. في المقابل، فإن رد الديمقراطيين على هذه الأزمة بدأ متردداً؛ لأنهم وفق «أ.ف.ب»، إن اعتمدوا موقفاً متشدداً حيال المهاجرين فقد يثيرون استياء قاعدتهم، وإن لم يتخذوا أي موقف فسيتعرضون لانتقادات الجمهوريين.

وأخيراً... موجة الطرود المتفجرة
على صعيد آخر، في الوقت الذي استغل ترمب قضية قافلة المهاجرين لاستثارة قاعدته الجمهورية وتحشيدها، ومهاجمة ما يعتبره «تقاعس» الديمقراطيين في معالجة أزمة الهجرة غير القانونية، فإنه وجد نفسه أمام تحدٍ سياسي بالغ الأهمية يختبر قدرته على توحيد بلاده مع تحوّل الاستقطاب السياسي إلى تهديد أمني خطير. فخلال الأيام الماضية تلقى عدد من الشخصيات السياسية البارزة المعروفة بانتقادها الرئيس ترمب طرودا مفخخة، أُرسلت إلى مقار إقامتهم أو عملهم.
الشرطة الفيدرالية تقول إن هذه الطرود مشابهة للطرود التي تحوي قنابل يدوية الصنع، وأرسلت الثلاثاء والأربعاء إلى الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي هزمت في الانتخابات الرئاسية أمام ترمب في 2016، ووزير العدل في عهد الرئيس السابق أيريك هولدر، والنائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا ماكسين ووترز، وشبكة «سي إن إن» الإخبارية في نيويورك، ونائب الرئيس السابق جو بايدن في ولايته ديلاوير، فضلا عن الممثل الشهير روبرت دي نيرو في منطقة مانهاتن بوسط نيويورك.
وفي غياب أي مؤشرات إلى مرتكبي هذه الأفعال، يتبادل مؤيدو ترمب ومعارضوه الاتهامات بتأجيج الأجواء المسمومة في البلاد مع اقتراب الانتخابات النصفية. وبعدما دعا الأميركيين إلى الاتحاد إثر تأكيد وجود قنابل يدوية الصنع، استأنف ترمب هجماته على وسائل الإعلام.
وكتب على «تويتر» أن «جزءاً كبيراً جداً من الغضب الذي نراه اليوم في مجتمعنا ناجم عن التقارير الكاذبة وغير الدقيقة في وسائل الإعلام السائدة التي أشيرُ إليها بأنها أخبار كاذبة». وأضاف أن «الأمر بات سيئا للغاية وبغيضا لدرجة لا يمكن وصفها». وتابع الرئيس الأميركي: «ينبغي على وسائل الإعلام أن تصلح وضعها، وبسرعة».
في المقابل، اتهمه عدد من المسؤولين الديمقراطيين «بالتغاضي عن العنف» و«تأجيج الانقسام». وستكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التطوّرات قد تُفقد الجمهوريين أصواتاً ثمينة في معركة مجلس النواب.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.