يوم دام آخر في غزة بعد مقتل 70 فلسطينيا.. وإسرائيل تقصف مستشفى وسط القطاع

ارتفاع عدد الضحايا إلى 570.. والقسام تنفذ عملية تسلل خلف الخطوط.. ومقتل سبعة جنود إسرائيليين

عائلة فلسطينية تراقب عملية إنقاذ ناجين وإخراج جثث ضحايا من تحت الأنقاض بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة أمس (أ.ب)
عائلة فلسطينية تراقب عملية إنقاذ ناجين وإخراج جثث ضحايا من تحت الأنقاض بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة أمس (أ.ب)
TT

يوم دام آخر في غزة بعد مقتل 70 فلسطينيا.. وإسرائيل تقصف مستشفى وسط القطاع

عائلة فلسطينية تراقب عملية إنقاذ ناجين وإخراج جثث ضحايا من تحت الأنقاض بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة أمس (أ.ب)
عائلة فلسطينية تراقب عملية إنقاذ ناجين وإخراج جثث ضحايا من تحت الأنقاض بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة أمس (أ.ب)

في يوم دام آخر في قطاع غزة، قتل نحو 70 فلسطينيا في قصف أودى بحياة عائلات كاملة في مدينتي خان يونس ورفح، كما طال مستشفى وسط القطاع، مما يرفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ انطلاق العدوان الإسرائيلي الذي دخل أمس يومه الـ14 إلى أكثر من 570 قتيلا و3500 جريح.
وفي وقت لاحق أمس أقر الجيش الإسرائيلي بأن سبعة من جنوده قتلوا في اشتباكات مع حركة حماس مما رفع عدد قتلى الجيش إلى 25 جنديا خلال يومين.
وجاءت هذه التطورات غداة مذبحة إسرائيلية في حي الشجاعية في غزة أسفرت عن مقتل أكثر من مائة فلسطيني.
واستمرت الاشتباكات العنيفة، أمس، بين مقاتلين فلسطينيين والجيش الإسرائيلي على تخوم قطاع غزة، فيما نفذت كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس عملية تسلل خلف خطوط الجيش الإسرائيلي في منطقة بيت حانون، وهي العملية الرابعة من نوعها منذ بدء العدوان على غزة. وأدت العملية إلى مقتل عشرة من عناصر كتائب القسام، وجنود إسرائيليين، حسب بيان أصدرته الأخيرة.
وقالت «القسام» في بيان إن «مقاتليها، الذين تسللوا إلى موقع 16 العسكري شرق بيت حانون، حاصروا سيارتين عسكريتين، وفجروا واحدة وأجهزوا على من فيها، قبل أن يخوضوا اشتباكا عنيفا مع قوة احتلالية خاصة خرجت من موقع 16 العسكري وانتهى بمقتل عشرة من القسام فيما عاد اثنان إلى غزة».
في المقابل، أعلن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، عن إحباط عملية القسام، دون أن يشير إلى أي إصابات، غير أن مصادر إسرائيلية أشارت إلى «مقتل خمسة جنود في العملية» التي أغلق خلالها الجيش جميع الشوارع الواقعة جنوب مدينة أشكلان، وطلب من سكان البلدات في مناطق نفوذ المجالس الإقليمية «حوف أشكلون» و«شاعر هنيغف» و«أشكول» البقاء في منازلهم بسبب «حادث أمني».
بينما ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن نقاط المراقبة العسكرية «رصدت خليتين تخريبيتين تحاولان التسلل إلى إسرائيل عبر نفق بشمال القطاع فقصفت طائرة من سلاح الجو إحدى الخليتين وتمكنت من إصابتها بينما هرعت إلى المكان قوات عسكرية واشتبكت مع أفراد الخلية الثانية وتمكنت من قتل عشرة مخربين». واعترفت بأنه خلال الاشتباك أطلق الفلسطينيون صاروخا مضادا للدروع باتجاه إحدى الآليات العسكرية.
وفي هذا الوقت واصل الطيران الحربي الإسرائيلي قصف منازل الفلسطينيين في غزة في ما بدا انتقاما لمقتل الكثير من جنوده على مدار يومين في اشتباكات غزة. وقتلت إسرائيل، أمس، نحو 70 فلسطينيا بينهم 11 من عائلة صيام في قصف على منطقة الشوكة شمال غربي مدينة رفح، و26 من عائلة أبو جامع في أقصى شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
واستهدفت المدفعية الإسرائيلية كذلك مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة 20 بينهم مسعفون وأطباء. وذكرت مصادر فلسطينية أن أكثر من 12 قذيفة أصابت مقر المستشفى وأنها استهدفت مبنى العناية المكثفة وأقسام الجراحة والحضانة والباطنة والولادة إضافة إلى مبنى الإدارة والمبيت مما ألحق أضرارا بالغة بالمستشفى.
وفي غضون ذلك، أعلن وزير الأشغال الفلسطيني مفيد الحساينة أن القصف المتواصل على قطاع غزة أدى إلى تدمير 1100 وحدة سكنية بشكل كامل، و18.300 وحدة أخرى بشكل جزئي بينها 995 وحدة غير صالحة للسكن.
وأدى استهداف المنازل إلى تزايد نزوح الفلسطينيين إلى مدارس ومراكز فتحتها وكالة الغوث الدولية (الأونروا).
وقالت الأونروا أمس إن «عدد النازحين الذين لجأوا إلى مراكزها بلغ 81000 شخص، يقيمون حاليا في 61 مدرسة».
وجاءت هذه التطورات بينما واصلت حركتا حماس والجهاد وفصائل أخرى ضرب صواريخ على المدن الإسرائيلية، واستهدفت أمس أشكلون وسدود وبار توفيا وأشكول وريشون ليتسيون، جنوب تل أبيب، والجديرة ويبنى وكريات ملاخي ورحفوت ومحيط القدس بعدد كبير من الصواريخ.
من جهته، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن «العملية العسكرية الحالية على قطاع غزة والتي تطلق عليها إسرائيل (الجرف الصامد)، ستوسع تدريجيا حتى تسلم حركة حماس بوقف إطلاق نار طويل الأمد».
وأضاف نتنياهو في مستهل اجتماع أمني في وزارة الدفاع في تل أبيب أن «إسرائيل لم تقرر طوعا خوض المعركة، لكنها فرضت علينا وبالتالي سننفذ ما يجب تنفيذه إلى حين تحقيق الهدف المتمثل باستعادة الهدوء للمواطنين الإسرائيليين لفترة طويلة مع إلحاق ضرر ملحوظ بالبنى التحتية لحماس وباقي التنظيمات الإرهابية في غزة. لا رادع يردعنا بل سنمضي في العملية كلما تطلب الأمر».
وفاخر باكتشاف المزيد من الأنفاق التي تنضم إلى أنفاق أخرى لكنه أقر بأن العملية ضد الأنفاق «قد لا تنجح بشكل كامل». ولمح إلى أن المعركة قد تطول، قائلا: «عندما انطلقنا في هذا الطريق كنا نعي احتمال أن تكون المعركة طويلة، لكننا أصبحنا نعلم من تأريخ شعبنا حقيقة بسيطة ألا وهي أن الشعب الأزلي لا يخاف الطريق الطويل».
ويبدو أن المستوى السياسي والأمني في إسرائيل ناقش مسألة عملية طويلة في القطاع. إذ قال وزير حماية الجبهة الداخلية غلعاد أردان إن «جعل قطاع غزة خاليا من الصواريخ البعيد المدى والأنفاق لن يتحقق إلا من خلال بقاء الجيش في شمال القطاع حتى التوصل إلى اتفاق».
بدوره، أكد وزير الاستخبارات يوفال شتاينتز أن أهداف إسرائيل لم تتحقق بعد في غزة وأن ذلك يحتاج إلى مزيد من العمل، مضيفا أن «إسرائيل ستستولي على القطاع إذا ما اقتضت الضرورة ذلك لضمان إعادة الهدوء».
وأشارت مصادر أمنية إسرائيلية إلى احتمال أن تضطر إسرائيل للسيطرة على أراض داخل قطاع غزة لفترة زمنية طويلة وإقامة شريط أمني حول القطاع. وعقب وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون على مثل هذا الاحتمال بقوله إن جيشه جاهز لمواصلة العملية العسكرية في قطاع غزة مضيفا أنه «سيستدعي المزيد من جنود الاحتياط حسب الحاجة».
لكن الواقع على الأرض في غزة يشي بصعوبة تنفيذ مثل هذه المهمة، إذ انتهت أول محاولة لاقتحام الأحياء الفلسطينية في حي الشجاعية شرق غزة بمقتل 13 جنديا إسرائيليا وجرح آخرين وإعلان القسام خطف أحدهم، وردت إسرائيل بمذبحة في الحي.
من جهة أخرى، تشهد الضفة الغربية المحتلة والبلدات والقرى العربية في إسرائيل إضرابا عاما تضامنا مع قطاع غزة. ودعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إضراب «عام ووطني» «للتنديد بالمجزرة البشعة المستمرة التي ارتكبتها حكومة الاحتلال والاستيطان في حي الشجاعية، وأعمال القتل الإرهابي ضد المواطنين في مختلف مدن ومحافظات القطاع الباسل».
وأغلقت كل المحال التجارية والأسواق أبوابها في كل الضفة الغربية أول من أمس تضامنا مع قطاع. كما عم إضراب شامل أمس مدينة الناصرة والبلدات والقرى العربية في إسرائيل بدعوة من لجنة المتابعة العربية حدادا على ضحايا القصف الإسرائيلي لغزة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.