جايير بولسونارو اقترب من رئاسة البرازيل... تحت رايات الشعبوية اليمينية

رصيده الأقوى تحالف الإنجيليين والجيش وفضائح الساسة اليساريين

جايير بولسونارو اقترب من رئاسة البرازيل... تحت رايات الشعبوية اليمينية
TT

جايير بولسونارو اقترب من رئاسة البرازيل... تحت رايات الشعبوية اليمينية

جايير بولسونارو اقترب من رئاسة البرازيل... تحت رايات الشعبوية اليمينية

عندما بدأت الحملة الانتخابية لرئاسة البرازيل منتصف أغسطس (آب) الماضي، لم يكن أحد يراهن على وصول المرشح اليميني المتطرف جايير بولسونارو إلى الجولة الثانية المقررة في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، حاصداً أصوات 46 في المائة من الناخبين الذين يبلغ عددهم 147 مليوناً كبرى دول أميركا اللاتينية والخامسة على مستوى العالم.
مسافة ضئيلة تفصل هذا المرشح اليميني اليوم عن النصر النهائي بعد أسبوعين، غير أن اجتيازها لن يكون سهلاً بقدر ما سيكون من الصعب على منافسه مرشّح حزب العمّال اليساري فرناندو حدّاد أن يحقق الفوز بعدما حصل على 29.2 في المائة من التأييد في الجولة الأولى.

قد يبدو جايير بولسونارو مستجدّاً على المشهد السياسي البرازيلي الذي لم يألف مثل خطابه المتطرف والعنصري المشحون بالانتقادات اللاذعة والحقد المكشوف على الأقليات العرقية والجنسية والمهاجرين، والسخط على الطبقة السياسية الحاكمة، وفي طليعتها حزب العمّال. ذلك الحزب اليساري الذي يمرّ في أحرج المراحل بعد فضائح الفساد التي عصفت به ودفعت بزعيمه التاريخي لويس «لولا» دا سيلفا – رئيس الجمهورية الأسبق – إلى السجن وحرمته من الترشّح للانتخابات.
إلا أن هذا المرشح الشعبوي واليميني والمتطرف، الذي بات قاب قوسين من الرئاسة البرازيلية، مضى على دخوله البرلمان أكثر من ثلاثين سنة. وتنقّل خلال هذه الفترة بين تسعة أحزاب مختلفة لكنه ظلّ مغموراً، إلى أن بدأ يتصدّر عناوين الصحف والنشرات الإخبارية منذ سنتين بفعل مواقفه الراديكالية وتصريحاته الاستفزازية المثيرة للجدل والهواجس.

من هو بولسونارو؟
وُلد جايير بولسونارو في ساو باولو، «العاصمة الاقتصادية» للبرازيل. وفيها تلقّى علومه الابتدائية والثانوية، قبل أن يلتحق بالمدرسة الحربية التي تخرّج منها برتبة ضابط في العام 1977. إلا أنه أُحيل إلى الاحتياط القسري بسبب سلوكه عام 1985 عندما كان لا يزال برتبة نقيب. وبعدها، دخل المعترك السياسي متنقلا بين مجلسي الشيوخ والنواب عن مقاطعة ريو دي جانيرو.
إبان وجود بولسونارو في البرلمان شارك في عضويّة لجان الدفاع والخارجية والشؤون الاجتماعية، ولم يعرف له أي نشاط بارز في أي منها. وفي مطلع العام الماضي، بعدما تراكمت فضائح الفساد المالي في مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية التقليدية، واتسعت دائرة النقمة الشعبية على وقع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وموجة العنف المستشري، قرّر فجأة أن الساعة قد أزفت لإطلاق مشروعه السياسي نحو رئاسة الجمهورية. وجاء هذا القرار المفصلي بينما كانت شعبية حزب العمّال، الذي سيطر على المشهد السياسي البرازيلي طوال عشرين سنة، تتراجع إلى مستويات غير مسبوقة وتتفكك أوصال قواعده ويرتفع منسوب النقمة على زعمائه.
الخطوة الأولى في هذا السبيل التي أقدم عليها بولسونارو، الذي يفتقد إلى قاعدة حزبية وبرلمانية، كانت استعادة خطاب الحنين إلى الحكم العسكري الديكتاتوري الذي سبق أن استقطب تأييداً شعبياً ملحوظاً في مطالع الستينات... ومهّد للانقلاب العسكري الذي جاء مدعوماً بارتياح ظاهر في الأوساط المدنية عام 1965. أما خطوته الثانية، التي يجمع المراقبون والمحللون البرازيليون على أنها كانت حاسمة في صعوده السريع والمفاجئ، فكانت الاقتراب من الكنيسة الانجيلية المتنامية النفوذ في الأوساط الشعبية والفقيرة، والتي تملك شبكة تنظيمية واسعة وموارد مالية وإعلامية ضخمة.

دونالد ترمب... البرازيلي
قصة نجاح بولسونارو وصعوده السياسي السريع لا تختلف كثيراً عن قصة نجاح دونالد ترمب في الولايات المتحدة، والتيّار الشعبوي المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو فوز حركة النجوم الخمس وماتّيو سالفيني في إيطاليا، ونمو التيارات الراديكالية والعنصرية والمناوئة للهجرة والمهاجرين في أوروبا.
إنها باختصار، قصة العزف على وتر الغرائز والمشاعر القوية، كالخوف والحقد، التي تحرّك الجماهير وتجذبها أكثر من أي برنامج أو مشروع سياسي. قصة السخط غير المسبوق على الطبقة الحاكمة التي - في أوروبا مثلاً - يكاد يكون هناك إجماع حول مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور مستوى حياة شرائح واسعة في المجتمع، أو في أميركا اللاتينية حيث توجّه إليها أصابع الاتهام بإفساد المؤسسات واستغلالها لمصلحتها الخاصة.
يكفي لهذه الأوساط الواسعة أن تسمع خطاباً صريحاً ومباشرا يدعو إلى محاربة هذه الطبقة ومحاسبتها، حتى تتهافت على تأييده غير مكترثة بما إذا كان هذا الخطاب الشعبوي متطرفاً أو متحاملاً أو مؤيداً للديكتاتورية.
ثم إن الأساليب والأدوات التي سخّرها بولسونارو لحملته أيضا متشابهة مع تلك التي استخدمتها الأحزاب والحركات الشعبوية لتحقيق انتصاراتها غير المنتظرة. وهي تتجسّد بانتقادات لاذعة متكررة وهجوم عنيف لا يتوقف على وسائل الإعلام التقليدية، وبراعة في استخدام منصّات التواصل الاجتماعي، ومواظبة على استقطاب عناوين الأخبار أيّاً كانت المناسبة أو الوسيلة.

تصريحات ومواقف
كل التصريحات الصاعقة التي صدرت عن بولسونارو خلال الفترة الأخيرة، التي يفترض أن يكفي واحد منها لهبوط شعبية أي مرشح أو خروجه من السباق، لم تقف حائلا دون صعود شعبيته. إذ أن يقول مثلا إن المرأة لا يجب أن تتقاضى أجراً مساوياً لأجر الرجل... أو أنه يفضّل أن يموت ابنه في حادث سير إذا كان مثليّاً... أو أن ابنته أنجبها في لحظة ضعف... وأن الشرطي الذي لا يقتل ليس شرطيّاً.
كل هذه التصريحات لم تمنع بولسونارو من أن يصبح «نجم السياسة البرازيلية» بلا منازع. وعندما كان يدافع عن الديكتاتورية العسكرية التي حكمت البرازيل من 1065 إلى 1985. وعن التعذيب الذي كانت تمارسه ضد المعارضين السياسيين، كان يدرك أن ما سيحضر في أذهان جمهوره هي أعمال العنف وتجارة المخدرات والاغتيالات التي أوقعت أكثر من 63 ألف قتيل في العام الماضي. وأنه عندما يستهزئ بالنساء فيقول لزميلة له في البرلمان إنه لن يغتصبها لأنها لا تستحق ذلك (!)... فلأنه كان يعرف في قراراته أن المجتمع البرازيلي «ذكوري» بامتياز، وأن مثل هذه التصريحات المستفزّة لا يمكن إلا أن تعزّز صورته عند قطاع من الجمهور كقائد حازم.

استغلال واقع مأزوم
كان بولسونارو يعرف أيضاً أن البرازيليين، الذين يقاسون أصعب أزمة اقتصادية في تاريخهم، ويعانون من أعلى معدلات العنف الاجتماعي في العالم، ناقمون بشدة على الطبقة الحاكمة التي فقدوا كل ثقتهم فيها... ومن ثم، فهم يريدون حلولا سريعة لمشاكلهم خارج الأطر التقليدية للبرامج السياسية. لكنه كان يدرك أيضا أن صعوده ما كان ناشئاً عن السخط الشعبي الذي كان يعبّر عنه فحسب، بل لأنه بتصريحاته الناريّة كان أيضا يدغدغ العنصرية الكامنة في نفوس كثيرين من البرازيليين البيض الذين لا يتجاوز عددهم نصف السكان.
لقد كان ينظر حوله ويرى كيف أن البلد الذي كان مرشّحاً - بفضل ثرواته الطبيعية الهائلة وموارده البشرية - لتصدّر معدلات النمو في العالم، ينهار اقتصاده وتتفشّى فيه آفات الفقر والعنف والبطالة، وتغرق مؤسساته في الفساد... بدءا بمجلسي الشيوخ والنواب... وصولاً إلى أجهزة القضاء والمراقبة والمحكمة الاتحادية (الفيدرالية) العليا. وكان يراقب كيف تتسع دائرة الخيبة من السياسة والسياسيين الذين يدخلون السجون بتهم الفساد أو يُعزلون من مناصبهم مثل الرئيسة السابقة ديلما روسّيف... أو كيف أن الرئيس الأسبق «لولا» الذي بلغت شعبيته في نهاية ولايته الثانية 90 في المائة بين مواطنيه، يقبع في زنزانة لن يخرج منها قبل 12 سنة.
بالمختصر المفيد، أدرك بولسونارو أن البرازيل بحاجة ماسّة إلى «منقذ»، ورأى أنه الرجل المناسب ليتقمّص هذا الدور الراسخ بعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية في أميركا اللاتينية. وبما أن «المنقذ» في هذه المنطقة من العالم لا يأتي إلا من طينة العسكر والمؤسسة الدينية، جهّز خطابه بهذه العدّة وفتح أبواب مشروعه على الكنيسة الإنجيلية التي سخّرت قدراتها التنظيمية والمالية والإعلامية لدعمه، وعلى المؤسسة العسكرية التي ترشّح نحو 200 من القدامى في صفوفها للانتخابات البرلمانية. وبالفعل، اختار بولسونارو معه مرشحاً لمنصب نائب الرئيس الجنرال المتقاعد هاملتون موراو، الذي افتتح حملته بتصريح أكّد فيه أن «الدستور قابل للتعديل من غير الرجوع إلى الشعب»، وأنه «بإمكان الحكومة أن تنقلب على ذاتها وتسلّم الأمن للقوات المسلحة».

تحالف الجيش والإنجيليين

التفاف المؤسسة العسكرية حول ترشيح بولسونارو، وإن بشكل غير معلن، لم يكن إنجازاً له صعب المنال وذلك نظراً لتاريخه ومواقفه الإيجابية المعلنة من الديكتاتورية بيد أن هويّته «الكاثوليكية» كانت تقف حاجزاً لإشكال في وجه حصوله على دعم تأييد الكنيسة الإنجيلية (البروتستانتية المتشددة) التي تركّز معظم جهودها لاستمالة المسيحيين من أتباع الفاتيكان. لكنه في العام 2016 توجّه مع أولاده إلى الأردن برفقة كاهن إنجيلي قام بتعميدهم في مياه النهر، ومن ثم، تحوّل من كاثوليكي يميني متطرف إلى إنجيلي متعصّب يضمن تأييد 28 في المائة من مواطنيه الذين يتبعون المذهب البروتستانتي الإنجيلي.
هذا ما يفسّر حصول بولسونارو على 46 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة بعد أن كانت آخر الاستطلاعات تتوقع حصوله على 35 في المائة. في أفضل الأحوال. ويرجّح المراقبون أن تكون الكنيسة الإنجيلية البرازيلية، مدعومة بامتداداتها العالمية (الأميركية، بالذات)، قد لعبت دوراً في دفع المؤسسات المالية المحلية والأجنبية إلى سحب اعتراضاتها على ترشحه، لا بل إلى الترحيب به، خاصة بعدما صمدت شعبيته وارتفعت في أعقاب المظاهرات النسائية الحاشدة التي خرجت في أوّل الشهر احتجاجا على تصريحاته المهينة للمرأة.

أسواق المال مرتاحة
وحقاً، ما أن ظهرت نتائج الجولة الأولى التي كادت تحسم لمصلحته المعركة باكراً، حتى سارعت أسواق المال إلى الاحتفاء به والتنويه ببرنامجه المالي. كيف لا وهو الذي عهد به إلى مستشار متخرّج من «مدرسة شيكاغو الاقتصادية» – أي التوجهات الفكرية الاقتصادية الليبرالية اليمينية التي ارتبطت ببعض كبار المنظرين والأكاديميين في جامعة شيكاغو، منهم البروفسور ميلتون فريدمان – يروّج منذ أسابيع لخصخصة المؤسسات العامة، واستغلال الأراضي الزراعية التي كان «لولا» قد خصّصها للسكان الأصليين ولإقامة محميات طبيعية حفاظاً على البيئة في البلد... الذي ينتج 10 في المائة من الأكسجين في العالم.
وبينما كان سعر صرف الدولار الأميركي يتراجع لأول مرة منذ أربع سنوات، وبورصة ريّو دي جانيرو تسجّل ارتفاعاً لم تعرفه منذ العام 2016. كانت الجبهة الزراعية في البرلمان التي تضمّ الأحزاب الريفية القوية تعلن تأييدها لبولسونارو، وعقبتها الكتلة الإنجيلية الواسعة النفوذ في المدن الكبرى.
وفي هذه الأثناء كان بولسونارو، الذي امتنع عن إجراء مقابلات صحافية خلال الحملة الانتخابية، يُكثر من الأحاديث والتصريحات الهادئة والمطمئنة لتبديد الصورة التي ارتسمت عنه بعد مواقفه العنصرية والمتطرفة. حتى أنه لم يتردد في انتقاد مرشحه لمنصب نائب الرئيس على ما قاله بشأن تعديل الدستور والانقلاب الذاتي، مدعياً أنه يلتزم أحكام الدستور ويحترم المرأة والأقليات... وما شابه ذلك.
أيام حاسمة
أخيراً، قبل أسبوعين من الجولة الأولى للانتخابات قال جايير بولسونارو إنه لن يقبل بالنتيجة ما لم يكن هو الفائز. يومها لم يكن يتوقع أنه في الجولة الأولى سيلامس النصر لأول مرة في تاريخ انتخابات الرئاسة البرازيلية منذ العام 1998 عندما فاز بالرئاسة فرناندو كاردوزو.
لم يكن في حساب بولسونارو هذا العدد الهائل من البرازيليين المستعدّين لإضرام النار في الهشيم السياسي على أمل أن يقوم نظام جديد من الرماد. إلا أن المسافة التي تفصله الآن عن الفوز في الجولة الثانية بنهاية هذا الشهر تبدو قصيرة جداً. نعم، قصيرة جداً بالمقارنة مع تلك التي على منافسه اليساري حداد أن يجتازها للوصول إلى الرئاسة.
مع هذا، ينتظر حلم بولسونارو عقبات عدة، ليس أقلها ضمانه كل الأصوات التي أيدته في الجولة الأولى.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».