موسكو ترفض اتهامات غربية بتنفيذ هجمات إلكترونية ضد منظمة حظر «الكيماوي»

اتهمت واشنطن بتطوير أسلحة بيولوجية في جورجيا

صورة لعملاء روس لدى وصولهم إلى مطار أمستردام في 10 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
صورة لعملاء روس لدى وصولهم إلى مطار أمستردام في 10 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

موسكو ترفض اتهامات غربية بتنفيذ هجمات إلكترونية ضد منظمة حظر «الكيماوي»

صورة لعملاء روس لدى وصولهم إلى مطار أمستردام في 10 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
صورة لعملاء روس لدى وصولهم إلى مطار أمستردام في 10 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة الروسية - الغربية مرحلة أكثر تعقيدا، مع توالي الاتهامات الغربية أمس لروسيا بشن هجمات إلكترونية على مواقع حساسة. وعقب اتهام هولندي لموسكو بالهجوم على منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وجهت كندا اتهامات مماثلة إلى الروس، وقالت إن مواقع لديها تعرضت أيضا لهجوم. فيما رفضت موسكو الاتهامات ورأت الخارجية الروسية أنها «مصطنعة»، لأن «روسيا لديها الحق في الوصول إلى معطيات منظمة حظر (الأسلحة) الكيماوية».
وأعلن القضاء الأميركي أمس أنّه وجه اتهاما إلى سبعة عناصر في الاستخبارات العسكرية الروسية في الهجمات الإلكترونية التي نُسبت إلى الكرملين، ونددت بها هولندا وبريطانيا وكندا وأستراليا. وقال جون ديمرز، مساعد وزير العدل للأمن القومي، إن هذه الاتهامات تشمل خصوصا أربعة عملاء روس طردتهم هولندا بعدما اتهمتهم بمحاولة قرصنة مقر منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي.
ويلاحق العناصر السبعة في الولايات المتحدة بتهمة قرصنة هيئات رياضية دولية، بينها وكالة مكافحة المنشطات العالمية، ومجموعة «وستنغهاوس» الأميركية التي تزود المفاعلات الأوكرانية وقودا نوويا. وهم ملاحقون أيضا بتهمة تبييض الأموال، واستخدام نقود وهمية، والاحتيال المصرفي، وسرقة هويات. وأوضح ديمرز أن العمليات «شملت اختراقا مستمرا وغير مسموح به للشبكات المعلوماتية التابعة للمستهدفين بهدف سرقة معلومات خاصة أو حساسة».
وثلاثة من الروس السبعة الملاحقين، هم ضمن 12 مسؤولا اتهمهم المحقق الخاص روبرت مولر في يوليو (تموز) الماضي بالتدخل في الانتخابات الأميركية في 2016، وأكّد ديمرز أن الملفين منفصلان، لكنهما يتقاطعان. وجاء ذلك فيما اتهمت هولندا وأستراليا وبريطانيا والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي موسكو بالقيام بعمليات قرصنة.
وقبل ساعات من الإعلان الأميركي، قالت وزيرة الدفاع الهولندية، أنك بايليفيلد، إن 4 مواطنين روس حاولوا تنفيذ هجوم إلكتروني على منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. وأفادت الوزيرة بأن محاولة الهجوم نفّذت في الـ13 من أبريل (نيسان) الماضي، مضيفة أن «الموظفين الـ4 في المخابرات الروسية» المشتبه بهم بالتورط في هذا الهجوم طردوا من البلاد في اليوم نفسه. كما أشارت إلى أن المتهمين الأربعة دخلوا هولندا بجوازات سفر دبلوماسية. وشددت الوزيرة على أن المتورطين الأربعة وهم: ألكسي مورينيتس، ويفغيني سيريبرياكوف، وأوليغ سوتنيكوف، وأليكسي مينين، كانوا يعملون لصالح دائرة الاستكشاف الرئيسية. وأكدت أن المخابرات الهولندية تمكنت من الوصول إلى الأجهزة الإلكترونية التي استخدمها المشتبه بهم.
وأفادت الوزيرة باستدعاء السفير الروسي في هولندا، ألكسندر شولغين، إلى وزارة الخارجية الهولندية لتوضيح الوضع حول هذا الهجوم الإلكتروني. وقال الجانب الهولندي إن المشتبه بهم بالتورط في الهجوم حاولوا الحصول على المعلومات الخاصة بالتحقيق في إسقاط طائرة «بوينغ» الماليزية عام 2014.
وحسب معلومات السلطات الهولندية، فإن «العملاء الروس» استخدموا سيارة مجهزة بمعدات إلكترونية خاصة تم ركنها في موقف تابع لفندق يقع قرب مبنى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بهدف تدمير أنظمة الأجهزة التابعة لها.
وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن الهجوم الإلكتروني تزامن مع تحقيق المنظمة في استخدام غاز أعصاب لتسميم الجاسوس السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في سالزبري في بريطانيا. وقال مسؤولون هولنديون إنه لم يتضح ما إذا كانت عملية القرصنة مرتبطة بذلك. ولكن الاستخبارات الهولندية والبريطانية كانت تتعقب الروس الذين تركوا عدة أدلة من بينها جهاز كومبيوتر محمول (لابتوب) وفاتورة سيارة أجرة من مقر الاستخبارات العسكرية الروسية إلى مطار موسكو، بحسب السلطات الهولندية.
وفي مؤشر على توسع نشاط الشبكة، فإن جهاز كومبيوتر محمول يعود لأحد الروس الأربعة الذي كان مرتبطا بالبرازيل وسويسرا وماليزيا، مع أنشطة في ماليزيا لها علاقة بالتحقيق في إسقاط الطائرة التي كانت تقوم بالرحلة «إم إتش17» فوق أوكرانيا عام 2014، وفي بيان مشترك، اتّهم رئيس وزراء هولندا مارك روته ونظيرته البريطانية تيريزا ماي روسيا بالاستخفاف بالقيم العالمية. وقال البيان إن «هذه المحاولة لدخول نظام آمن في مؤسسة دولية تعمل على تخليص العالم من الأسلحة الكيميائية يبيّن أن الاستخبارات العسكرية الروسية تستخف بالقيم العالمية والأنظمة التي تصون سلامتنا جميعا».
في المقابل، نقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية عن مصدر دبلوماسي في الخارجية أن اتهامات هولندا لروسيا بشن هجوم إلكتروني على منظمة حظر الأسلحة الكيماوية «لا أساس لها». ومن دون أن ينفي المسؤول الروسي أو يؤكد صحة ما نسب إلى أربعة مواطنين روس يُشتبه في أنهم حاولوا شنّ هجوم إلكتروني على نظم المعلومات التابعة للمنظمة الدولية، اكتفى بالقول إن «موسكو لديها الحق في الوصول إلى معلومات منظمة حظر الكيماوي».
ووصف المصدر الاتهامات بأنها «مثال على سياسة تمارسها دول غربية وصلت إلى مستوى الظلامية» ضد موسكو. وقال إن الممثلين الروس شاركوا في التحقيق في الأسباب التقنية لتحطم الطائرة الماليزية، التي وقعت في شرق أوكرانيا عام 2014، و«لا توجد مصلحة لروسيا في الوصول لمعلومات التحقيق بشكل غير شرعي».
بدورها، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، في إشارة إلى التصريحات البريطانية والأسترالية إن المزاعم تم خلطها معا «بشكل عشوائي». وصرّحت للصحافيين: «يا له من خليط عَطر»، في إشارة ساخرة إلى مزاعم بأن غاز نوفيتشوك الذي أدى إلى تسمم سكريبال وابنته كان موضوعاً في زجاجة عطر، كما نقلت عنها الوكالة الفرنسية. كما قال مندوب وزارة الخارجية الروسية للوكالة نفسها إن «هوس التجسس لدى الغربيين يزداد قوة».
ولم تكد ضجة الاتهامات تهدأ، حتى أعلنت كندا أن مواقع لديها تعرضت لهجمات مماثلة، واتهمت عملاء روسا بالتورط فيها. وذكرت أوتاوا أن المركز الكندي لأخلاقيات الرياضة، ووكالة مكافحة المنشطات العالمية التي مقرها في مونتريال، كانا بين المواقع التي تعرضت لهجوم إلكتروني. وقالت وزارة الخارجية في بيان إن حكومة كندا ترجّح أن ذراع الاستخبارات العسكرية الروسية «مسؤولة عن هذه الهجمات المعلوماتية». وأضافت: «اليوم كندا تضم صوتها إلى أصوات حلفائها، للتنديد بسلسلة عمليات معلوماتية مسيئة نفذها الجيش الروسي»، بعدما كانت هولندا وأستراليا وبريطانيا وحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي اتهمت أيضا موسكو بالوقوف وراء هذه الهجمات.
وفي 2016، قالت وكالة مكافحة المنشطات، وهي هيئة مستقلة إن «مجموعة قراصنة معلوماتية (فانسي بير اي بي تي 28) كشفت معلومات سرية عن رياضيين على موقعها الإلكتروني»، كما أضافت الحكومة مشيرة إلى أن «المجموعة حصلت بشكل غير شرعي على هذه المعلومات عبر قرصنة نظام إدارة وكالة مكافحة المنشطات».
وفي السنة نفسها، أفاد المركز الكندي لأخلاقيات الرياضة (المكلف مكافحة المنشطات في كندا) عن «نظام برمجة مسيء أتاح الوصول بدون إذن إلى شبكة المركز»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الوزارة. وفي هاتين الحالتين «تعتبر حكومة كندا أن جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي هو على الأرجح مسؤول عن هذه الأعمال».
من جانبه، أكد الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، أن هولندا أبلغت وزراء الدفاع للدول الأعضاء في الحلف بتفاصيل الهجوم الإلكتروني على منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي، مشيرا إلى نية الناتو تعزيز إجراءات مكافحة التهديدات الهجينة، بما فيها الإلكترونية. كما دعا روسيا لوقف ما سماه «تصرفاتها غير المسؤولة» التي تقوّض النظام الدولي.
ودخلت لندن بدورها على الخط أمس، وأفاد المكتب الصحافي لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بأن بريطانيا وهولندا تعتبران أعمال الدائرة الرئيسية لأركان القوات المسلحة الروسية (دائرة الاستكشاف الرئيسية الروسية السابقة) في المجال الإلكتروني غير مقبولة.
بينما هدد وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، بفرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب هذا الهجوم.
بينما أعرب رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ومفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، في بيان مشترك في وقت لاحق من يوم أمس، عن قلقهم الشديد إزاء ادعاءات الهجوم الروسي الإلكتروني على موقع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.
وأعلن الأمين العام للناتو، ستولتنبيرغ، أن الحلف يرى ضرورة في زيادة حجم الاستثمارات في المجال الدفاعي بصورة عاجلة «ردا على هجمات إلكترونية من قبل روسيا».
على صعيد آخر، برز عنصر جديد يشير إلى اتساع المواجهة الروسية - الغربية أمس، بعد توجيه وزارة الدفاع الروسية اتهامات مباشرة إلى واشنطن بإقامة مختبرات بيولوجية في جمهورية جورجيا السوفياتية السابقة. وقال قائد قوات الحماية من الإشعاعات والأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الجيش الروسي، إيغور كيريلوف، في مؤتمر صحافي تمت الدعوة إليه بشكل عاجل، إن بيانات الولايات المتحدة حول تطوير وسائل نقل واستخدام الأسلحة البيولوجية، تتعارض مع الاتفاقيات المتعلقة بحظر الأسلحة البيولوجية. ولفت إلى أن استمرار التجارب على المتطوعين، رغم حصول حالات وفاة ينتهك القانون الدولي. وأوضح كيريلوف أن «هذا يتوافق مع مفهوم الولايات المتحدة للحرب عن بعد، وتظهر إمكانية تزويد الكبسولات بالمواد السامة والمشعة والمخدّرة، فضلا عن العوامل المسببة للأمراض المعدية. ولا تنتمي هذه الذخائر إلى قائمة الأسلحة التقليدية وقائمة أسلحة الحرب الإنسانية، كما أن نشر هذه المعلومات يتعارض مع الاتفاقات الدولية المتعلقة بحظر الأسلحة البيولوجية».
وأكد كيريلوف أن المركز الأميركي اختبر جرثومة الطاعون الأفريقي، وبعدها انتشرت هذه الجرثومة في روسيا وجورجيا والصين، مضيفا أن أبحاث المركز تتركز على المناطق المتاخمة للحدود الروسية.
وفي وقت سابق، اتّهمت وزارة الدفاع الروسية البنتاغون بنشر مختبرات بيولوجية محظورة في دول قريبة من الحدود الروسية والصينية، مشيرة إلى أن المختبرات غير شرعية، وتعمل تحت غطاء مؤسسات طبية مدنية وتقوم بإجراء تجاربها على المدنيين.
وقالت الوزارة إن البنتاغون طلب عبر مؤسسات تتعامل معه أخذ عينات خلايا جذعية لمواطنين روس، مضيفة أن «روسيا تنظر ببالغ الخطورة لهذه الأعمال غير المسؤولة من قبل البنتاغون، والتي تُعدّ خرقا للمواثيق والاتفاقيات الدولية». وأكدت أنه يوجد في العالم أكثر من 30 مختبرا تابعا للولايات المتحدة ويجري تحديثها دائما، وتتميز بمستوى عال من الحماية البيولوجية. وقالت إن «الخبراء الجورجيين مقيدون في الحركة في المركز الأميركي في جورجيا، ولا يستطيعون الوصول للوثائق، ولا معلومات لديهم عن التجارب التي تجري هناك».



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.