مخيم الركبان السوري على أبواب «المصالحات» والتسوية

مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
TT

مخيم الركبان السوري على أبواب «المصالحات» والتسوية

مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)

عقد وجهاء من العشائر وممثلون مدنيون عن مخيم الركبان الواقع أقصى جنوب شرقي سوريا على الحدود السورية - الأردنية، اجتماعا مع ممثلين عن النظام السوري، بينهم ضابط في منطقة الجليغم الحدودية مع المنطقة الـ55، المحمية من قاعدة التنف التي يديرها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
وبحسب وثيقة أولية، عرضت بنود الاتفاق بين الأطراف الممثلة لمخيم الركبان والنظام الذي توصلت إليه الأطراف، يوم السبت الماضي 29 سبتمبر (أيلول) 2018، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، فإن الاجتماع بين الأطراف عقد في تمام الساعة الثانية ظهراً بعد موافقة رئيس شعبة المخابرات التابع للنظام المسؤول عن منطقة البادية، والتنسيق مع الفرع 221 الذي تنتشر عناصره وحواجز تابعه له في المنطقة المتاخمة للمنطقة المحمية الـ55 التي يوجد بها مخيم الركبان؛ حيث تم الاجتماع في منطقة محايدة قريبة من حاجز يعرف باسم حاجز الجليغم.
وأوردت الوثيقة عدة مطالب لممثلي مخيم الركبان، أولها علاج الحالات الصحية الحرجة التي حدد عددها بـ150 حالة، وطالبوا بتلقي هذه الحالات العلاج في مشافي الحكومة السورية في دمشق أو غيرها، وتسوية أوضاع الأشخاص المرضى الذين سيتم أخذهم إلى مشافي النظام، سواء كانت تسوية أمنية أو التخلف عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية.
ولم تذكر اللجنة المدة المخصصة للتسوية بستة أشهر، على غرار مناطق التسويات والمصالحات التي جرت في سوريا، كما طالب وفد مخيم الركبان بإنشاء نقطة طبية مؤقتة قريبة من مواقع النظام المتاخمة للمنطقة التي يوجد بها المخيم. في المقابل، أبلغهم وفد النظام السوري بوجود نقطة طبية قرب حاجز الجليغم.
كما يتعهد، بحسب الوثيقة الأولية، كلّ شخص قائم على مجموعته في مخيم الركبان بوضع جداول اسميّة لكلّ الأشخاص، للبدء في إجراء تسوية شاملة لهم، إضافة إلى تقديم وثائق ولوائح للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية وفق جداول مستقلّة، وقائمة مستقلة ثانية تشمل أسماء الموظفين الراغبين في العودة إلى وظائفهم في مناطق النظام.
كما طالب عدد من عرب الزرقاء بأن تسمح لهم الفرقة الأولى في جيش النظام بـ«نقل المياه من سد كذبة إلى مواشيهم في منطقة جليغم وفق شروط يتم الاتفاق عليها»، وطالب وجهاء مدينة القريتين ووجهاء من مدينة تدمر، بالسماح لهم بنقل المجموعات المدنية التي يقومون عليها في مخيم الركبان بسياراتهم الخاصة، بعد تسوية أوضاعهم، وتزويد الطرف الثاني بكافة المعلومات عن الشاحنات الناقلة وأصحابها وركابها.
فيما تعهد ضابط أمن المنطقة الـ55 التي يوجد بها مخيم الركبان «أبو الأثير الخابوري» أحد القادة العسكريين في «جيش مغاوير الثورة» الذي يشرف عليه التحالف الدولي في منطقة التنف والمنطقة الـ55 المحيطة بها، بحماية وضمان أي قوافل إنسانية وإغاثية، والكوادر المشرفة على التوزيع بالكامل، على أن تكون غير مصحوبة بأي جهة أمنية أو عسكرية تابعة للنظام السوري. كما طالب أحد الوجهاء الممثلين عن مخيم الركبان بانتقال الرافضين للتسوية وعدد من الأهالي إلى الشمال السوري، عبر طريق محددة من البادية إلى الشمال السوري، دون أي سلاح، وفي حال وجد أي سلاح يتم تسليمه أصولاً.
في المقابل، تعهد وفد النظام السوري بنقل مطالب الممثلين عن مخيم الركبان إلى دمشق على وجه السرعة، وأنه سيكون هناك لقاء آخر لنقل ما تمت الموافقة عليه من قبل النظام، ومن المتوقع دخول الحالات الإنسانية غداً أو بعد غد لأي منطقة في سوريا تحت سيطرة النظام لتلقي العلاج. وتعتبر الوثيقة بمطالب وجهاء الركبان مقدمة للنظام السوري، للبدء في عمليات التسوية والمصالحات مع النظام السوري.
وبحسب مصادر ميدانية من داخل مخيم الركبان، فإن اللجنة الممثلة لسكان المخيم تمثلت بوجهاء عشائر العمور وبني خالد، وممثلين عن سكان مدن تدمر ومهين والقريتين (شرق حمص) القانطين في المخيم. واجتمعت مع وجهاء عشائر من مناطق النظام السوري وضابط من جيش النظام، بهدف الوصول إلى صيغة تفاهم لتسوية أوضاع الراغبين في مخيم الركبان، والعودة إلى مناطقهم وبلداتهم التي يسيطر عليها النظام السوري وفقاً للاتفاق، بعد تسوية أوضاع المطلوبين أمنياً والمتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية، ومعالجة المرضى الموجودين في المخيم.
وأكد المصدر أن مخيم الركبان فيه مجلس إدارة مدنية مشكلة من قبل الأردن، ومجلس محلي آخر تم تشكيله من قبل التنف، وأن الممثلين لمخيم الركبان القائمين على الاتفاق الأخير هم من المجلس المشكل من قبل التنف، بإشراف «جيش مغاوير الثورة». وحضر الاجتماع الأخير كل من «أبو الأثير الخابوري» المسؤول عن أمن المنطقة الـ55 في «جيش مغاوير الثورة»، واثنان من الإعلاميين التابعين لـ«المغاوير»: «أبو عبد الله»، و«أبو جراح»، كما حضر ضباط من النظام السوري في البادية السورية.
وأشار إلى أن «فصيل (جيش مغاوير الثورة) كان حاضراً للاجتماع، كون المنطقة خاضعة لسيطرتهم؛ لكن ليس لهم دور في الاتفاق، وبالمقابل لن يعرقلوه، وسيدعم الفصيل أي قرار يتم التوصل إليه من قبل المفاوضين». وأكد المصدر أن فصائل المعارضة في المنطقة المحمية من التحالف (الـ55 كم)، وقاعدة التنف، لم تقف ضد الاتفاق، واعتبرته أمراً خاصاً بالمدنيين، مع التأكيد على الاستمرار في حماية المدنيين والمنطقة ضد أي هجمات.
وقال الشيخ فيصل الحدار، مسؤول الإدارة المدنية في مخيم الركبان لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحالة المأساوية والمعاناة مستمرة في المخيم منذ سنوات دون تدخل لحل مشكلاته، سواء من الأمم المتحدة أو (اليونيسيف)؛ حيث اقتصرت المساعدات المقدمة لسكان المخيم على أمور صحية وغذائية بسيطة، وسط انتشار للجوع والفقر والبطالة والأمراض، وتفاقم هذه الظواهر لعدم توفر أي مقومات للمخيم منذ سنوات».
وأشار إلى أن ما يريده سكان المخيم ضامن حقيقي للخلاص من مأساتهم في المخيم، وأن المساعي الأخيرة للتسوية وعودة الأهالي من المخيم إلى مناطقهم التي يسيطر عليها النظام، بحاجة إلى ضمانات حقيقة، لتضمن سلامتهم من الملاحقات الأمنية أو التجنيد الفوري في جيش النظام السوري أو الاعتقالات، وأن هذه الضمانات لا تزال معدومة حتى الآن، وهناك مخاوف من خروقات النظام السوري للاتفاق في المناطق المذكورة في الوثيقة، وأن معظم الأهالي الذين قبلوا بهذا الاتفاق من سكان مخيم الركبان هم من الذين لهم أقارب في مناطق النظام بريف حمص، أو من المناطق التي أجرت فصائلها تسويات مع النظام السوري مؤخراً، مثل فصيل «لواء شهداء القريتين» من مدينة القريتين شرق حمص.
سعيد سيف، مصور الفيلم الوثائقي «سكان الأرض المحرمة» الذي يحاكي معاناة سكان مخيم الركبان على الحدود السورية – الأردنية، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مخيم الركبان يعيشون مأساة حقيقية وسط صمت دولي عن معاناتهم، وإنه من خلال زيارته للمخيم يؤكد افتقار سكان مخيم الركبان لأبسط مقومات الحياة، وحتى المياه الصالحة للشرب، إضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض بين سكانه، خاصة الأطفال منهم، نتيجة طبيعة المنطقة الصحراوية القاحلة، وبعدها عن المناطق المأهولة، وانعدام المقومات الصحية في المخيم.
وأشار إلى أن العالقين في منطقة مخيم الركبان تلقوا وعوداً أممية كثيرة لتحسين أحوال المخيم، سواء التعليمية أو الصحية أو المعيشية، في حين كانت الوعود الدولية تختلف عن التطبيق على أرض الواقع؛ حيث كانت مساعدات جزئية لم تكبح ظاهرة التسرب الطلابي في المخيم، ولم تساعد العالقين فيه على تجاوز المحن الصحية التي يمرون بها، كما أن المساعدات الإغاثية التي كانت تقدم لسكان المخيم لم تكن ذات جودة عالية؛ لكنها تساعد على الاستمرار في الحياة، ولم تكن تكفي العائلة الواحدة لأيام قليلة.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».