استراتيجية «دفاع سيبرانية» أميركية وأخرى بريطانية

لمجابهة النشاطات الصينية والروسية التي تهدد الأمن القومي

جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأمن القومي يحدد الخطوط العريضة للتصدي للهجمات الإلكترونية والسيبرانية التي تهدد الأمن القومي (بلومبرغ)
جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأمن القومي يحدد الخطوط العريضة للتصدي للهجمات الإلكترونية والسيبرانية التي تهدد الأمن القومي (بلومبرغ)
TT

استراتيجية «دفاع سيبرانية» أميركية وأخرى بريطانية

جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأمن القومي يحدد الخطوط العريضة للتصدي للهجمات الإلكترونية والسيبرانية التي تهدد الأمن القومي (بلومبرغ)
جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأمن القومي يحدد الخطوط العريضة للتصدي للهجمات الإلكترونية والسيبرانية التي تهدد الأمن القومي (بلومبرغ)

في أول وثيقة رسمية للدفاع الإلكتروني خلال ثلاثة أعوام، وضعت وزارة الدفاع الأميركية استراتيجية دفاعية للتصدي للهجمات الإلكترونية والسيبرانية التي تهدد الأمن القومي، وذلك ضمن خطط الوزارة التي أعلنت عنها أول من أمس، وتستخدم قدرات الإنترنت في البنتاغون لجمع المعلومات الاستخباراتية بالإضافة إلى الاستعداد للصراعات المستقبلية.
كما ستزيد بريطانيا بشكل كبير قدرتها على شن حرب في الفضاء الإلكتروني بتشكيل قوة هجمات إلكترونية جديدة قوامها 2000 شخص. وقررت واشنطن اتخاذ موقف أكثر شراسة في الحرب السيبرانية التي تتواجه فيها خصوصاً مع الصين وروسيا ومنافسين آخرين، بحسب ما قال مسؤول كبير في البيت الأبيض الخميس.
وأكد جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأمن القومي، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، أن «أول استراتيجية إلكترونية مفصلية بالكامل خلال السنوات الـ15» الماضية دخلت الآن حيّز التنفيذ. ويأتي ذلك في أعقاب قرار ترمب إلغاء قواعد حددها سلفه باراك أوباما للعمليات السيبرانية. وقال بولتون: «أيدينا لم تعد مكبّلة كما كانت أيام إدارة أوباما».
وأضاف أنه يجب «على أي دولة تقوم بنشاط سيبراني ضد الولايات المتحدة، أن تتوقّع أننا سنردّ بطريقة هجومية ودفاعية».
وأوردت صحيفة الدفاع بعضا من الاستراتيجية التي تؤكد على تعزيز القوة المشتركة من خلال إجراء عمليات الفضاء الإلكتروني التي تعزز المزايا العسكرية الأميركية؛ والدفاع عن البنية التحتية الحرجة في الولايات المتحدة من الأنشطة السيبرانية السيئة.
وأشارت إلى أن الصين وروسيا تقومان بحملات مستمرة في الفضاء السيبراني الأميركي، الأمر الذي يشكل مخاطر على المدى الطويل. كما تقول الوثائق إن الصين تعمل على تآكل قدرة الجيش الأميركي في مواجهة أعدائه، وإن روسيا تستخدم عمليات قرصنة المعلومات على شبكة الإنترنت، وذلك للتأثير على سكان الولايات المتحدة والتأثير على الانتخابات والعمليات الديمقراطية.
وشدد بولتون على أن «الرد على الهجمات السيبرانية لن يتمّ بالضرورة في الفضاء السيبراني». وأشار بولتون إلى الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا على أنها مصادر رئيسية للتهديدات، قائلاً إن «الأميركيين وحلفاءنا يتعرضون كل يوم للهجوم في الفضاء السيبراني». ووفقاً لبولتون، فإنّ التدخلات العدائية تستهدف كل شيء، من البنية التحتية الأميركية إلى البيروقراطية الحكومية، فضلا عن الشركات والانتخابات. ومن بين تلك التدخلات، قرصنة حواسيب الحزب الديمقراطي قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 وهي عملية نُسبت إلى عملاء روس. من جهته، قال البنتاغون إن جهود الولايات المتحدة على الجانب الدفاعي ستشمل «تقوية الشبكة» وتحسين الأمن السيبراني.
وأشار وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين إلى أن الوزارة «استخدمت سلطاتها من أجل فرض كلفة على روسيا وكوريا الشمالية وإيران وغيرها بسبب مجموعة واسعة من السلوكيات». بدورها شددت وزيرة الأمن الداخلي الأميركي كيرستين نيلسن على أنها ستدفع باتجاه «تحديث قوانين المراقبة الإلكترونية وجرائم الكومبيوتر، بهدف مواكبة البيئة السريعة التطوّر». وقالت إن «الجماعات الإجرامية العابرة للحدود تستخدم أدوات رقمية وتقنيات معقّدة بشكل متزايد».
أما وزارة الخارجية الأميركية فركّزت على زيادة الجهود لبناء أمن إلكتروني في الدول الحليفة «بسبب الطبيعة المتداخلة للفضاء السيبراني». وقالت الوزارة: «عندما يحسّن شركاؤنا ممارسات الأمن السيبراني، فإن ذلك يجعل دولا أخرى، من بينها الولايات المتحدة، أكثر أمانا ومقاومة للتهديدات السيبرانية».
ولفتت الوثيقة إلى جاهزية وزارة الدفاع في تأمين المعلومات والأنظمة الدفاعية ضد الأنشطة السيبرانية، بما في ذلك معلومات وزارة الدفاع على الشبكات التي لا تملكها، وتوسيع التعاون السيبراني بين الوزارة والوكالات والصناعات والشركاء الدوليين الآخرين. وتشدد الاستراتيجية أيضاً إلى الحاجة لالتزام باستمرار في الدفاع للأمام كوسيلة لتعطيل أو وقف الأنشطة الإلكترونية الخبيثة من مصدرها، بما في ذلك النشاط الذي يقع تحت مستوى النزاع المسلح. وقال الجنرال بول ناكاسوني القائد الثالث لقيادة الإنترنت في الولايات المتحدة، إن وحدة الأمن السيبراني ستتجه في استراتيجيتها إلى الهجوم الدفاعي، والتي تركز على اليقظة المستمرة تحسباً لأي هجوم أو اعتداء، مضيفا: «علينا التحرك إلى الأمام خارج حدودنا، وهو أمر نقوم به بشكل جيد جداً من حيث الدخول إلى شبكات الخصم الخاصة بنا، هذه فكرة المشاركة المستمرة، فكرة أن الخصم لا يهدأ أبداً، فلماذا نرتاح أبداً».
من الناحية العملية، عبّر ناكاسوني عن نهج أكثر عدوانية، وهو نهج ينطوي على الدخول إلى شبكة الخصم لمعرفة ما يفعلونه كوسيلة لتحسين الدفاعات، مؤكداً أن فلسفته هي: «نريد أن تكون قواتنا قادرة على الدفاع والتقدم إلى الأمام، والعمل خارج حدود الولايات المتحدة لفهم ما يفعله خصومنا»، وذلك لحماية شبكات وبيانات وأنظمة أميركا للأسلحة بشكل أفضل، معتبراً أن القرصنة الروسية للشبكات الأميركية في الانتخابات الأميركية الرئاسية لعام 2016 كانت اختراقا إقليميا سياديا.
وعلى الصعيد البريطاني ذكرت شبكة سكاي نيوز أن لندن ستزيد بشكل كبير قدرتها على شن حرب في الفضاء الإلكتروني بتشكيل قوة هجمات إلكترونية جديدة قوامها 2000 شخص. وقالت «سكاي» إن القوة الجديدة المتوقع الإعلان عنها قريبا ستمثل زيادة بواقع أربعة أمثال في مجموعة ينصب تركيزها على عمليات الهجوم الإلكتروني. وأبلغ مصدر شبكة سكاي أنه من المقرر أن تحصل القوة، التي ستضم مسؤولين من هيئة الاتصالات الحكومية وعسكريين ومتعاقدين، على تمويل بأكثر من 250 مليون جنيه إسترليني. ونقلت الشبكة عن مصدر ثان قوله إن الرقم قد يكون أكبر من ذلك. وذكرت سكاي أن خطة وزارة الدفاع وهيئة الاتصالات تأتي في ظل تنامي الخطر الإلكتروني من روسيا وبعد أن استخدمت بريطانيا أسلحة إلكترونية لأول مرة في المعركة ضد تنظيم داعش.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».