رائد المسرح اللبناني منير أبو دبس يعود ليعرّف بنفسه

يروي في فيلم ريتا باسيل أنه تلميذ عاصي الرحباني

{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
TT

رائد المسرح اللبناني منير أبو دبس يعود ليعرّف بنفسه

{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل

في فيلمها الوثائقي «منير أبو دبس في ظلّ المسرح»، الذي يعرض بعد أيام ضمن تظاهرة «مهرجان الفيلم اللبناني» في بيروت، تلقي الشاعرة الصحافية ريتا باسيل الضوء على شخصية أحد المؤسسين للمسرح اللبناني الحديث، إن لم يكن هو المؤسس والأب الذي وضع اللبنات الأولى، حيث أعجب البعض به، وتمرد عليه البعض الآخر. إنما يبقى الرجل رائداً سباقاً، والأرشيف - كما العادة في ما يتعلق بالفنون العربية - فقير، والتأريخ للمسرح شحيح، والمعلومات ضئيلة. وبالقليل المتوفر، ومن خلال تتبع الرجل لسنتين، واستجواب ذاكرته، صنعت باسيل فيلمها، والتقطت لحظات من الذاكرة كادت تضيع، وإلى الأبد.
سيرة أبو دبس أكبر من حياة فنان عادي، لأنها تتمفصل مع نهضة الستينات، والصعود الحداثي اللبناني، وتلك العلاقة مع الغرب التي لا تعطى تفاصيلها ما يكفي من أهمية، إن لجهة الدراسة أو التأثر، ومن ثم العمل المشترك بين الفنانين يوم كان لبنان جسراً فعلياً بين المنطقة العربية وأوروبا. أما المحور الثاني، وربما الأهم في مسار أبو دبس، فهو عشقه المبكر جداً للفن، قبل أن يعرف ما هو المسرح، وما هي الموسيقى، من خلال علاقته بالكنيسة، وهو أمر لا يقل أهمية عن الأول، فالطقوس الدينية على اختلافها كانت مبعث وحي لكثير من مسرحي المنطقة، وكان أبو دبس أبرزهم.
تابعت ريتا باسيل الرجل بمهارة وحب، قبل أن يرحل عن دنيانا عام 2016، رصدته في قريته الجميلة «الفريكة»، وهي أيضاً قرية الأديب أمين الريحاني، حيث أقام سنواته الأخيرة في خان للحرير، وجعله محترفاً ومزاراً لمحبي المسرح، وأقام فيها مهرجاناً مسرحياً حمل اسمها. ومن لم تكتب له زيارة هذا المكان الحجري القديم، وما يحيط به من طبيعة خلابة يوم كان أبو دبس حياً، يمكنه أن يراه في الفيلم، ويتأمل كيف كانت تصطف الكراسي في الداخل لاستقبال المتفرجين، وتعمل الجرافة في الخارج لإبقاء المحيط الأخضر عفياً. ذهبت باسيل لاحقة بأبو دبس إلى باريس، لتستعيد معه زمن الدراسة والأعمال المسرحية الأولى التي ساهم فيها، ومن ثم عودته إلى لبنان في الستينات للعمل مع لجنة «مهرجانات بعلبك» لعشر سنوات، مسؤولاً عن سينوغرافيا الأعمال اللبنانية، ليرجع هارباً إلى فرنسا من الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أن اندلعت عام 1975. لكن، وبعد أن حطت الحرب أوزارها، وجد أبو دبس نفسه مدفوعاً مرة أخرى للإقامة في الفريكة، قريته الوادعة، التي لم يمت فيها وإنما في باريس. هذه الرحلات المكوكية بين البلدين، جعلت هذا الفرنكوفوني يتحرك بين ثقافتين، كما تجول بين الفنون. وليس غريباً بعد ذلك أن نراه في الفيلم الوثائقي يتكلم الفرنسية، لا العربية، ويضطر الجمهور اللبناني لأن يقرأ الترجمة كي يتابعه.
يطل أبو دبس بعينيه الزرقاوين اللامعتين، ووجهه الهادئ، ونظرته الهائمة، ولحيته البيضاء، يروي كيف قضى طفولته في أنطلياس (شمال بيروت)، التي كانت لا تزال بساتين من شجر الليمون، تتوزع البيوت القليلة بين أشجارها، وأولادها يهربون من أهلهم ليلعبوا على الشاطئ، ويغطسوا في ماء البحر، وينالون عقابهم في كل مرة. هو ابن لوالدين لم يعرفا الاستقرار، سافرا إلى بلدان كثيرة، قبل أن يقرر الوالد ترك زوجته والأولاد في لبنان ليتابع سفره وحيداً، ويغيب طويلاً. يروي كيف وجد نفسه ذاهباً إلى المطار ذات مرة وحيداً، ليستقبل والده الذي يعرفه من صور قديمة، لكنه لم يتمكن من التعرف عليه حين وصل إلى بيروت بين المسافرين، لولا أن الوالد وضع يده على كتفه، وناداه باسمه.
تلك الطفولة التي يحكي منها شذرات كالكلمات المتقاطعة تشي بعلاقات عائلية صعبة، وكثير من البحث عن روحانيات ربما كان يفتقدها. من هنا، بدأ يتلمس طقوسيات الكنائس، حين يرتادها للصلاة أو في الأعياد، وهو ما سيطبع مسرحه طوال حياته. في عيد الفصح، كانت دهشته الأولى وهو يكتشف ستارة سوداء كبيرة جداً ومهابة تغطي جدار الكنيسة، يقف أمامها ويتأمل. ذاك كان أول عهده بالستائر الكبيرة. مرة أخرى، خلال صلاة مسائية باللغة السريانية، وجد نفسه يبكي بكاءً شديداً، ويستغرب لماذا كل هذا التأثر، ليكتشف بعد ذلك عبر أبحاث جاك لاكاريير أنه كان في العصور الوسطى في أوروبا ثمة رهبان بكاؤون، يجتمعون فقط بهدف البكاء معاً لتطهير الروح. القصة المثيرة حقاً في تلك المرحلة المبكرة هي أنه كان لمنير أبو دبس أستاذ في المدرسة، يحرص في عيد البربارة على أن يجعلهم يلعبون ويمثلون وهم يتقمصون شخصيات، ويتنقلون في الغرف لتأدية الأدوار المطلوبة منهم، ولم يكن هذا الأستاذ سوى عاصي الرحباني، الذي سيعود ويعمل أبو دبس معه في بعلبك، ويكتشف وجهاً آخر له، وهو حرصه الشديد على الدقة.
تأثيرات الطفولة والسنوات الأولى ستتطعم بمرور الوقت بمزيد من المذاقات الفنية الأوروبية في أثناء دراسته وعمله في باريس. فإضافة إلى محترف روجيه غايار الذي التحق به، تعرف على ألان كوني في الستينات، وعمل كمساعد لجاك فيلار، الذي سيأتي إلى الفريكة بعد ذلك، ومثله الرسام والنحات ألفونس فيليب الذي انخرط معه في محترفه اللبناني لعشر سنوات، ورسم له الأقنعة التي كانت من عناصر التمثيل المحببة لديه. ومن الذين عمل معهم أيضاً، لكن هذه المرة في بعلبك، مصمم الرقص الأميركي ألوين نيكولاس، حيث يشرح أي تأثير كبير تركه عليه. نيكولاس كانت له فلسفته في حركة الراقص، كان يمكن للانتقال من نقطة إلى أخرى أن تشكل رقصاً، فليس الهدف شدة الحركة بقدر ما تشي به من إيحاءات وتأثيرات في المتفرج، وهو ما سيستفيد منه أبو دبس بعد ذلك للاستغناء عن حركة الأطراف عند الممثل.
الإقامات المكوكية بين لبنان وفرنسا سمحت لأبو دبس بتعميق العمل على مسرحه الطقوسي الميثولوجي، وتطعيمه بأدوات عدة، لكنه بقي سوداوياً معتماً تراجيدياً، وهو ما جعل جيل الستينات المتطلع إلى مسرح من نوع آخر لا يجد معه ما يصبو إليه. روجيه عساف، من ذاك الجيل المؤسس هو الآخر في الستينات، في شهادته في الفيلم يقول دون مواربة: «كثر رفضوا تجربة أبو دبس، وكنت منهم؛ لقد وجدوه غريباً عنهم. المسرح بالنسبة لنا كان مكاناً للتحرير والتحريض، وقول ما نراه في المجتمع، وكان كل هذا غائباً عن مسرحه».
كان أبو دبس يشق دربه على طريقته، من الشعر إلى الرسم فالمسرح فالتلفزيون الفرنسي عام 1959: «لقد كنت فضولياً حقاً. كان التلفزيون شيئاً جديداً جداً. ومع هذا، وجدتني أذهب مع أصدقاء من جامعة السوربون لأعمل هناك»، حيث كان مسؤولاً عن قسم الدراما، ويعمل مساعد مخرج وممثلاً في وقت واحد. ويوم ذهب مؤسس تلفزيون لبنان، رينيه أوري، طالباً العون والمشورة من مكتب الإذاعة والتلفزيون في باريس، أعلموه بوجود موظف لبناني يعمل في قسم الدراما. بعدها بمدة، طلبت سلوى السعيد من أبو دبس، لو بمقدوره، العودة إلى لبنان، والعمل مع مهرجانات بعلبك، وعرضت عليه إعطاءه مقراً في رأس بيروت، وميزانية صغيرة. هكذا، ولد «معهد التمثيل الحديث»، ومنه تخرج كثر صاروا كباراً ومؤسسين هم أنفسهم، من أنطوان كرباج إلى ريمون جبارة، ورضا خوري، وميشال نبعة، وميراي معلوف، هذه الممثلة التي تتحدث في مطلع الفيلم عن علاقتها بأبو دبس، لتقول إنه علمها الصمت الذي سيبقى عالقاً في ذهنها كلما صعدت إلى الخشبة. أما أنطوان كرباج، فيصفه بأنه أستاذه، معه اكتشف كيف عليه أن يحرك عضلاته، ويتحكم بها واحدة واحدة، وكيف يكتشف دواخله وعواطفه. ومعلوم أن أبو دبس عمل أيضاً على إخراج أعمال لشكسبير، والكثير من الأعمال اليونانية القديمة، وكان هذا ولعه. وحين نسأل المخرجة باسيل ما الذي دفعها إلى إخراج هذا الفيلم بهذه الحساسية والفنية، وهو الأول لها، تقول: «ما ربطني بأبو دبس هو الشعر، وتحديداً سوفوكل. والشاعرية جزء مهم من الفيلم الذي صور وأنتج بإتقان، من بدايته إلى منتهاه، حيث يختتم بشعر وموسيقى، ويبقي المتفرج مشدوداً إلى الشاشة حتى اللحظة الأخيرة».



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».