خصم النقاط الرادع الوحيد للأندية عن الدخول في مفاوضات غير شرعية

الغرامات لا تمنع المخالفين... وواتفورد يصعد من شكواه ضد إيفرتون بسبب التفاوض مع مديره الفني ماركو سيلفا

انتقال ماركو سيلفا لتدريب إيفرتون أثار غضب ناديه السابق واتفورد
انتقال ماركو سيلفا لتدريب إيفرتون أثار غضب ناديه السابق واتفورد
TT

خصم النقاط الرادع الوحيد للأندية عن الدخول في مفاوضات غير شرعية

انتقال ماركو سيلفا لتدريب إيفرتون أثار غضب ناديه السابق واتفورد
انتقال ماركو سيلفا لتدريب إيفرتون أثار غضب ناديه السابق واتفورد

قد يكون أكثر مثال صارخ على تفاوض الأندية مع لاعبين أو مديرين فنيين بطريقة غير مشروعة يعود إلى الأيام التي كان فيها من العادي والطبيعي أن يقوم أعضاء اللجنة الدولية التابعة للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم باستغلال مناصبهم في التواصل بطريقة سرية مع اللاعبين أثناء وجودهم مع المنتخب الإنجليزي.
وحدث ذلك بالتحديد في يونيو (حزيران) عام 1977، عندما كان المنتخب الإنجليزي قد لعب للتو أمام منتخب البرازيل في إطار جولته في أميركا الجنوبية، دون المدير الفني لإنجلترا، دون ريفي، بحجة أنه سافر لمشاهدة منتخب إيطاليا، الذي كان يقع مع المنتخب الإنجليزي في المجموعة نفسها في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم. لكن في الحقيقة كان ريفي في الإمارات العربية المتحدة للتفاوض من أجل تولي قيادة المنتخب الخليجي وكجزء من استراتيجيته الخاصة للرحيل عن إنجلترا. كان اللاعبون يسترخون بجوار حمام السباحة في فندقهم على شاطئ كوباكابانا عندما طلب بيتر سوالز، رئيس نادي مانشستر سيتي، من نجم المنتخب الإنجليزي آنذاك مايك شانون أن يتحدث معه على انفراد، وأدرك الجميع حينئذ ما يعنيه هذا الطلب. وعندما عاد شانون من هذا اللقاء سأله جميع اللاعبين: «هل ستنتقل إلى مانشستر سيتي؟»، وبالفعل، انتقل شانون من ساوثهامبتون إلى مانشستر سيتي في الشهر التالي.
ولا ينبغي لأحد أن يندهش من سماع ذلك، لأن هذا الأمر استمر لسنوات وربما لعقود، لكن عليك أن تتعجب حقاً عندما تعرب الأندية التي تتفاوض دائماً بطريقة غير مشروعة عن قلقها وغضبها وتتشدق بالحديث عن انعدام الأخلاق عندما ترتكب الخطأ نفسه وتتفاوض أندية أخرى مع لاعبيها أو أفراد طاقمها الفني!
وعلى سبيل المثال، ألغى نادي ليفربول الإنجليزي مباراته الودية استعداداً للموسم الجديد أمام نادي بوروسيا مونشنغلادباخ بعدما شك في أن النادي الألماني قد دخل في مفاوضات سرية مع لاعبه ريان بروستر من أجل إقناعه بالرحيل عن «أنفيلد». لكن ليفربول نفسه قد نسي أنه قد دخل في مفاوضات غير مشروعة لضم فيرجيل فان دايك من ساوثهامبتون العام الماضي، وانتهى الأمر بما يعرف على نطاق واسع بـ«الاعتذار المهين».
ونسي ليفربول أيضاً أنه تعرض لغرامة قيمتها 100 ألف جنيه إسترليني ومُنع من التعاقد مع اللاعبين الشباب لمدة عام، بعدما ثبت أنه تفاوض بشكل غير قانوني وحاول إغراء لاعب بالغ من العمر 11 عاماً يلعب في ستوك سيتي للانتقال إلى ليفربول على أن يدفع النادي مصاريفه المدرسية ويقدم لعائلته كل أنواع الحوافز الأخرى، بما في ذلك سداد كل تكاليف السفر للخارج للمشاركة في البطولات ومنح اللاعب 50 جنيهاً إسترلينياً في كل مرة يشارك فيها في التدريبات مع الناشئين، فضلاً عن تغيير سيارة والده المتهالكة!
ويمكن لأي شخص يتمتع بذاكرة جيدة بعض الشيء أن يتذكر ما فعله ليفربول للتعاقد مع اللاعب الألماني كريستيان تسيغه من ميدلزبره، وتعرضه لغرامة مالية قدرها 20 ألف جنيه إسترليني من قبل الدوري الإنجليزي الممتاز، أو مطاردة النادي لكلينت ديمبسي، عندما اضطر ليفربول لتقديم اعتذار كتابي لإقناع فولهام بسحب شكواه الرسمية، فضلاً عن كثير وكثير من اللاعبين الآخرين، بما في ذلك - لو صدق المدير الفني السابق لآرسنال أرسين فينغر - اللاعب أليكس أوكسليد تشامبرلين.
لقد أراد فينغر، بالطبع، أن يقنع الجميع بأن آرسنال لن يلجأ أبداً إلى مثل هذه الطرق الملتوية، لكن البعض يعتقد أن جميع الأندية وبلا استثناء تلجأ إلى هذه الطرق، مع وجود بعض الفوارق بين نادٍ وآخر.
وربما كان المدير الفني الأسطوري السابق لنادي مانشستر يونايتد، السير أليكس فيرغسون، هو أكثر المديرين الفنيين اعتماداً على هذه الطرق غير المشروعة للتعاقد مع اللاعبين الذين يريدهم، لدرجة أنه يقال إنه أرسل قميص مانشستر يونايتد إلى جو كول، الذي كان يلعب حينئذ في أكاديمية الناشئين بنادي وستهام يونايتد، وكان القميص يحمل الرقم 10 وعليه عبارة مكتوبة بخط يد فيرغسون تقول: «هذا رقمك عندما تلعب لمانشستر يونايتد».
ولا يقتصر هذا الأمر على الأندية الإنجليزية وحدها، لكنه يمتد للخارج أيضاً. وتوجد أدلة كثيرة على أن قطبي كرة القدم الإسبانية، برشلونة وريال مدريد، هما الأكثر اعتماداً على هذه الطرق السرية والملتوية، وإن اختلفت الطرق والأساليب على مر السنين، ففي السابق كان المدير الفني أو رئيس النادي هو من يدخل في مفاوضات سرية مع اللاعبين، لكن الآن أصبحت العملية أكثر تعقيداً وامتدت لتشمل كثيراً من وكلاء اللاعبين والوسطاء. إنها الرسالة نفسها ولكن يتم تقديمها بطريقة مختلفة، لحماية الأشخاص الذين سيوقعون الصفقة في نهاية المطاف.
وقد أصبحت هذه العملية أيضاً جزءاً روتينياً ومعتاداً من الحياة اليومية في عالم كرة القدم، سواء شئنا أم أبينا، ونحن نتساءل عن عدد الأندية التي تميل حالياً في اتجاه إيفرتون وتعتقد أن ما تقوم به سيمر بكل سهولة ودون عقاب، رغم أن الدوري الإنجليزي الممتاز قد أمر بإجراء تحقيق مستقل في البلاغ الذي تقدم به نادي واتفورد بشأن تفاوض إيفرتون بشكل غير مشروع مع مديره الفني البرتغالي ماركو سيلفا أثناء قيادته الفريق الموسم الماضي.
ومن المفترض أن واتفورد، الذي تقدم بهذه الشكوى ويتابعها بكل قوة، لم يحاول من قبل التفاوض مع أي شخص من أي نادٍ آخر بطريقة غير مشروعة، أو على الأقل لن يقوم بذلك في الوقت الحالي إذا أراد تجنب الحديث عن المعايير المزدوجة في التعامل مع الأندية! ومع ذلك، من السهل أن نتفهم لماذا يشعر واتفورد بالظلم، وربما لم يكن من الغريب أن نرى نادي إيفرتون لا يقوم بأي محاولة لإقناعنا بأنه لم يتصرف بهذه الطريقة الملتوية وغير المشروعة.
ربما فضل إيفرتون عدم نفي ذلك بشكل علني، لأنه يعرف تماماً أنه تعرض لغرامة مالية قدرها 45 ألف جنيه إسترليني من قبل الدوري الإنجليزي الممتاز بعد الدعوة التي قدمها لجمال لاسيليس، الذي كان يلعب حينئذ في نادي نوتنغهام فورست، لإجراء محادثات غير شرعية، بما في ذلك اصطحاب اللاعب في جولة في الملعب وأرض التدريب.
وفيما يتعلق بالتفاوض مع المديرين الفنيين، ما زلنا نتذكر جميعاً أن إيفرتون قد تعرض لغرامة مالية قدرها 75 ألف جنيه إسترليني، بالإضافة إلى تعويض بقيمة 50 ألف جنيه إسترليني، بسبب دخوله في مفاوضات غير مشروعة مع مايك ووكر لإقناعه بالرحيل عن نادي نورويتش سيتي في عام 1994. وهناك مزاعم منفصلة الآن حول دخول النادي في مفاوضات غير قانونية مع أحد اللاعبين بأكاديمية الناشئين لنادي كارديف سيتي عام 2016.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل كرة القدم تعمل بما يكفي لتغيير هذه الثقافة؟ الإجابة بالتأكيد لا، ومع ذلك، يمكن اتخاذ تدابير أخرى للتعامل مع هذه المشكلة. يقول ريتشارد بيفان، الرئيس التنفيذي لرابطة المديرين الفنيين بالدوري الإنجليزي الممتاز، إن أعضاء الرابطة يناقشون ما إذا كان يجب فتح فترة انتقالات محددة، على غرار فترة انتقالات اللاعبين، يسمح فيها للأندية بالتفاوض مع المديرين الفنيين المرتبطين بعقود، أم لا؟
قد تؤدي هذه الفكرة إلى تحديد انتقال المديرين الفنيين في فترتي الانتقالات الشتوية والصيفية، رغم عدم الحماس لهذه الفكرة. ومن المؤكد أن أفضل طريقة تتمثل في فرض القواعد نفسها المطبقة في إيطاليا حالياً التي تمنع أي مدير فني من قيادة ناديين في القسم نفسه في الموسم نفسه.
وفي هذه الأثناء، يبدو أن إيفرتون قدم ادعاء مضاداً يقول إن واتفورد قد تفاوض مع سيلفا بينما كان لا يزال المدير الفني البرتغالي يشغل منصب المدير الفني لنادي هال سيتي، وبالتالي لم يكن يتعين على واتفورد أن يشكو الآن من الشيء نفسه الذي سبق أن فعله في الماضي.
لكن حتى لو حدث ذلك بالفعل، فإن هال سيتي لم يتقدم بأي شكوى رسمية، وهو ما يقوض ادعاءات إيفرتون. لكن واتفورد تقدم بشكوى رسمية، ويمكن للدوري الإنجليزي الممتاز، من الناحية النظرية، أن يخصم نقاطاً من إيفرتون لو ثبت تفاوضه بشكل غير قانوني مع سيلفا. كما أنه من الناحية النظرية، يمكن للاتحاد الأوروبي لكرة القد استبعاد الأندية التي تردد جماهيرها هتافات عنصرية من المنافسات الأوروبية، لكن ذلك لم يحدث أبداً!
وسيكون الاحتمال الأكبر هو فرض عقوبات مالية مرة أخرى. وحتى في حال فرض غرامة مالية كبيرة، فإن ذلك لن يكون بمثابة رادع لنادي إيفرتون بقدراته المالية الكبيرة، التي جعلته يأتي في المرتبة الخامسة في قائمة أكثر الأندية الإنجليزية إنفاقاً على التعاقد مع اللاعبين خلال السنوات الخمس الماضية (جاء في مرتبة أعلى من ليفربول). وهنا تكمن المشكلة، لأن أندية النخبة لديها إمكانات مالية هائلة تجعلها لا تعبأ كثيراً بالعقوبات المالية التي تفرض عليها، وبالتالي فإن العقوبة التي ستؤلمها حقاً هي خصم النقاط.
وفي هذه الحالة، يجب وضع نظام مناسب لردع الأندية، عن طريق فرض غرامة مالية على الأندية في حال ارتكابها هذه المخالفة للمرة الأولى، ثم خصم عدد من النقاط في المخالفة الثانية، مع تزايد عدد النقاط التي يتم خصمها بتزايد المخالفات، وهكذا. ومن الممكن الحديث الآن عن خصم 3 نقاط مع التهديد بحرمان النادي من عقد صفقات جديدة في فترة انتقالات واحدة.
ورغم إثارة هذه القضية أكثر من مرة، فإننا لم نرَ عقوبة تتجاوز الغرامة المالية، وهو ما يعني أن هذه العقوبة لن تردع الأندية عن الاستمرار فيما تقوم به. وبالتالي فإن السؤال الآن هو: هل فرض عقوبات مالية سوف يردع أندية لديها قدرات مالية هائلة مثل مانشستر يونايتد وليفربول وتشيلسي ومانشستر سيتي وتمنعها من الدخول في هذه المخاطرة؟



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.