المثقف العضوي بين متعة الفن وتأملاته الفكرية

قصص السعودية منيرة الإزيمع

TT

المثقف العضوي بين متعة الفن وتأملاته الفكرية

صدر للقاصة السعودية منيرة الإزيمع ثلاث مجموعات قصصية، حملت العناوين الآتية: «هم، الطيور لا تلتفت خلفها، ما ينقصك»، وقد اختلفت القصص التي اشتملت عليها هذه المجموعات ما بين الطول والقصر، فتجاوز عدد كلمات بعضها 3600 كلمة في نحو 18 صفحة من القطع المتوسط، كقصة «اللعبة القذرة» التي تنتهي بها مجموعة «هم»، بينما جاءت قصة «ما يستحق أن يكتب» في 13 كلمة فقط.
كما تنوعت قصص الإزيمع من حيث الموضوعات التي تناولتها، ففي مجموعة «هم» نجد الذات وهمومها، كما نجد الاغتراب في قصة «أنت» التي تحدثت عن اغتراب الإنسان في المدن، وفي مجموعة «الطيور لا تلتفت خلفها» نجد حضوراً واضحاً للطيور، بوصفها معادلاً موضوعياً لذات الكاتبة الباحثة عن الحرية، كما في قصة «نسيان» التي ترصد امتلاء الغرفة بالطيور، وقصة «بالأمس» التي تؤكد فيها على أن الأقفاص ليست للطيور.
وتشغل مجموعة «ما ينقصك» في عمومها بموضوعات فكرية مثل: الحرية والوجودية والاغتراب والعلاقات البشرية، وذلك بدءاً من القصة الأولى فيها «قراءة في كتاب الحديقة» وصولاً إلى «قصة شعر»، ويكشف هذا التنوع في عالم منيرة الإزيمع القصصي، عن مدى اهتمامها بالعالم المحيط بها وتماسها الروحي معه، وكأنها تتمثل فكرة «أنطونيو جرامشي» عن المثقف العضوي، باحثة عن دور حقيقي بوصفها أحد أبناء «الإنتلجنيسيا» في المجتمع، مقدمة تأملاتها الفكرية والاجتماعية، ويتساءل في سردها (المثقف العضوي) عن بؤس العالم، وهوان الإنسان فيه، مثلما يتساءل عن التحولات التي طالت المدن، وبدّلت القيم الإنسانية، ودفعت بالإنسان إلى الشعور بالاغتراب، وتربط القاصة هذه الأسئلة والانشغالات بعوالم الطير ووجوده في حياتنا، وتتوحد معه في تعبيرها عن الحرية والقضايا الوجودية، والرغبة في التحليق نحو آفاق بعيدة أكثر رحابة.
تبدأ الإزيمع قصصها بالحديث عن حدث شديد الواقعية، بأسلوب الإخبار المحايد، وكأن ما تسرده لا علاقة لها به، ثم فجأة ينقلب السرد في نهاية القصة لنجد حضور الذات واضحاً في النص، وكأن القصة ليست أكثر من تقديم لمجيء الذات وسؤالها الفلسفي، أو ملاحظتها الدقيقة عن الواقع والحياة، كما في قصة «بعض القطط» في مجموعة «ما ينقصك»، حيث تقول: «تأثر كثيراً، وحزن على وفاة قطه، أكثر من تأثره على خروج والده من حياته، وحتى الآن بعد مضي 3 سنوات على وفاة قطه، لا يزال يسترجع بحنين، تفاصيل كثيرة من الذكريات، أفكر: كيف يمكن لقط أن يكون عظيماً، لهذه الدرجة التي يعجز أن يصل إليها الإنسان».
وتتجلى براعة الكاتبة في تلك المهارات السردية التي ينقل بها الحدث من الوضوح والمباشرة إلى الترميز والفنية، وهي مهارات يدركها القارئ المتمرس حين يعاود قراءة النص برؤية عميقة، ويعيد تفكيكه في أفق ثقافي، وهذا ما فعلته منيرة الإزيمع في هذه القصة وغيرها، مستخدمة تكنيك وضوح التمثيل، بسرد يقتنص الهامشي واليومي ليعيد تشكيله أمام القارئ، الذي يقرأه في المرة الأولى بنصف اهتمام، ولكنه ما أن يعاود قراءته من زوايا مختلفة حتى تتعمق الدلالة أمامه بهذا الشكل الذي يكشف عن سرد يقف أمام قضايا تمس قيم الإنسان الكبرى.
وتقوم المفارقة على افتراض وجود نقيضين، مما يجعل الذهن يسعى للبحث عن نقطة التقاء بينهما، متأملاً الكثير من التساؤلات والإجابات في تلك المسافة الفارقة بين النقيضين، وهو الأمر الذي استفاد منه الشعراء، خاصة كتّاب «قصيدة النثر»، حيث المزج بين القصيد والنثر في مصطلح واحد يعبر عن رؤاهم وهويتهم الجديدة، وقد استفادت القصة القصيرة منه أيضا، لا سيما حين اختفت الحكاية، والشخصية الدرامية، والأحداث بمفهومها التقليدي؛ مما دفع كتاب القصة إلى البحث عن بدائل جديدة في كتاباتهم، وكانت المفارقة واحدة من أبرز الإضافات التي تبناها كُتّاب القصة القصيرة، لتمثيل القيم الفنية، وقد اشتملت قصص مجموعات الإزيمع على ما يقترب من 60 في المائة على وجود مفارقة، فقصة «على النافذة» التي كُتبت على هيئة الشعر، تأتي بهذا الشكل:
على حافة نافذتي يقف عصفور مستعيراً عينيك
لينظر إلى داخل غرفتي
نظر حائراً ومتردداً
همّ بالدخول
لكنه طار
بعد أن فكر بجناحيه
فالسرد الذي قامت عليه القصة يمزج ما بين العصفور الافتراضي الحاضر، والحبيب الواقعي الغائب، حتى أننا من فرط التماهي بينهما ننسى وجود العصفور في المشهد، ونذهب بخيالنا تجاه الحبيب الذي ينظر إلى داخل غرفة الحبيبة، لكنه يتردد في الدخول، لا لشيء سوى أنه فكر بجناحيه، وهو ما لم نكن نتوقع حدوثه، فالحبيب يفكر بقلبه أو عقله أو مخاوفه، لكن أن يفكر بجناحيه، فهذا ما لا يحدث إلا لعصفور واقعي وليس افتراضيا، مما يجعلنا نعيد قراءة القصة من جديد؛ لنكتشف جماليات الحيلة الفنية التي نسجتها الكاتبة بتكنيك المفارقة، وقد تجلى فيها أيضاً الترميز في مفرد «جناحيه» لينفتح أفق التأويل، وهو الأمر الذي أعطى للقصة قيمة عميقة، إضافة إلى سردها الكثيف.
تحركت منيرة الإزيمع قصصياً في مساحات متنوعة من السرد، فتعددت عوالمها التخيلية وتقنياتها الفنية، فقدمت مجموع من الأفكار والموضوعات المتباينة؛ مما يشعر القارئ أحيانا أنه أمام متوالية قصصية مرابطة، وليس مجموعة قصصية، فتظهر له شخصيات خفية متعددة تسجل حضورها المؤثر، في مواقفها الإنسانية، وتجاربها المتنوعة، تارة مع الكائنات الحية التي تشاركه فضاء الحياة كالطيور والحيوانات، وتارة أخرى مع هموم الذات وتأملات (المثقف العضوي) الفكرية في بحثه الدائم عن معنى خاص لأحداث الحياة الإنسانية، فكلما اقتربت من الكمال تكشفت له جوانب نقصها الإنساني، وقد أتى حضور هذه الشخصيات الخفية بالاعتماد على تعدد الضمائر وتنوعها في القصص، مما مكّنها من تجسيد الكثير من الأفكار، وتقديم رؤى متباينة، تمنح المتلقي فرصة التماهي مع هذه الشخصيات وتمثُّل أزماتها ومواقفها، وقد حاولت الكاتبة التنقل والتجريب بين السرد القصصي والشعري، باحثة عن جوهر الفن في صورته الأسمى، من أجل المتعة الفنية، ومن ثم تحفيز المتلقي للتفكر والتأمل فيما ينطوي عليه العالم من أسئلة ومفارقات كثيرة، وقد حقق البحث عن جوهر الفن للكاتبة سمة التميز والإضافة.

* ملخص محاضرة
ألقاها الكاتب في «بيت السرد» بجمعية الثقافة والفنون
بالدمام مؤخراً.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.