هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

قراءة في تعاطي «واشنطن ترمب» مع واقع التحدّي التجاري العالمي الكبير

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟
TT

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

منذ تولى دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وضع الصين نصب عينيه، كيف لا وهو الذي لم تخلُ حملة من حملاته الانتخابية من إثارته موضوع التبادل التجاري بين دولته والصين، الذي يرى فيه ظلماً جائراً للولايات المتحدة.
إلا أنه بعيد دخول ترمب المكتب البيضاوي، لاح للبعض وكأن حماسة الرئيس الجديد للتصدّي للشأن التجاري مع الصين قد فترت. ذلك أنه إبان زيارة الرئيس الصيني بعد ذلك بثلاثة أشهر بدا اللقاء ودياً، خاصة عند ظهور الرئيسين وقد علت شفتيهما ابتسامتان عريضتان، وتبودلت التصريحات الودية، وكانت المحصلة النهائية للقاء الرئاسي إعادة تقييم العلاقات الأميركية الصينية في مدة تزيد على ثلاثة أشهر بقليل.
في حينه ازداد الظن أن ترمب استغل قضية العجز التجاري مع الصين للترويج لحملته الانتخابية، دون نية فعلية للعمل على موازنة هذا العجز بما يتناسب مع مصلحة الاقتصاد الأميركي. ولكن لم تمض سنة واحدة على ذلك اللقاء حتى انفجر ترمب على القوى الاقتصادية العالمية بما اتضح أنه بوادر حرب اقتصادية، فزاد الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية من الحديد والألومنيوم والألواح الشمسية ومنتجات كثيرة أخرى، استهدف من خلالها الصين تحديداً، وإن لم يستثن دول الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية.
ومن ثم، يوماً تلو الآخر، أخذ الناس يشعرون أن العالم مقبل فعلاً على «حرب اقتصادية» يقودها الرئيس الأميركي... حرب اختفى فيها صوت التعقل ليعلو عليه صوت المصلحة. وكلما فرض الرئيس الأميركي رسوماً على منتجات يستهدف فيها قوة اقتصادية منافسة، ردّت هذه القوة برسوم انتقامية، ليردّ هو الآخر بزيادة هذه الرسوم، وتكرّر هذا الموقف بين الولايات المتحدة من جهة، والصين والاتحاد الأوروبي ودول أميركا الشمالية من جهة أخرى.
ومنذ بداية مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، لم تزدد هذه الحرب إلا اشتعالاً، على الرغم من انعقاد «قمة الدول السبع» في يونيو (حزيران) الماضي. ذلك أن «القمة» لم تكن مثمرة لجهة إيجاد حلول فعلية للأزمة، ورغم توالي الاجتماعات الثنائية بين الدول للتفاوض، فإن الوفود عادت كل مرة من هذه الاجتماعات خالية الوفاض من الحلول لأزمة قد تغيّر الخريطة الاقتصادية في العالم.

يبدو العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين وكأنه السبب الأساسي في اندلاع الحرب الاقتصادية بين البلدين، وهذا السبب يبدو واضحا في جلّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كثيراً ما كرّر أن دولة مثل دولته لا تقبل بوجود هذا العجز الذي تعدّى 370 مليار دولار أميركي في العام الماضي. غير أن الأسباب لا تقف عند نقطة عجز الميزان التجاري وحدها. ذلك أن الحرب الاقتصادية، من وجهة نظر أميركية، تتمحور حول نقطتين رئيسيتين:
النقطة الأولى، هي الدعم الحكومي الصيني للمصانع الصينية. إذ إن الكثير من المصانع الصينية تعود إلى ملكية حكومية، وبناءً عليه، فهي تتمتّع بدعم حكومي يقلّل تكلفة الإنتاج الإجمالية... وهو واقع يمنح التفوّق لمنتجات هذه المصانع مقابل مثيلاتها في الدول الأخرى. وقد تكون مصانع الحديد الصينية أكثر الأمثلة دقة على هذه الحالة، فالرئيس الأميركي طالما تذمّر من دعم الحكومة الصينية لهذه المصانع، ما جعل الحديد الصيني الأدنى ثمناً على المستوى العالمي. وفي ضوء غزارة الإنتاج الصيني ورخص ثمنه، بات من الصعب على بقية دول العالم منافسة الصين. وبالتالي، اضطرت بعض المناجم والمصانع في الولايات المتحدة للإغلاق لعجزها عن المنافسة. وحقاً، سبق للرئيس ترمب أن اتهم الصين أكثر من مرة بإغراق السوق بالحديد الرخيص الثمن بهدف السيطرة على الحصص السوقية العالمية، ويقاس على الحديد منتجات صينية أخرى.

منطق واشنطن للرسوم

في المقابل، ترى الولايات المتحدة بفرضها الرسوم الجمركية وغيرها، أنها تدعم منتجاتها الوطنية برفع أسعار المنتجات المستوردة. وهذا المنطق يبدو معقولاً إذا تعلق الأمر ببعض المنتجات، فالمستهلك قد يُحجِم عن شراء المنتج المستورد إذا ما كان المنتج المحلي أقل سعراً، وبالأخص، إذا تقارب مستوى الجودة. إلا أن بعض المنتجات لا تخضع لهذا المنطق، لا سيما المواد الخام والأساسية المستوردة من الصين، مثل الحديد والمكوّنات الداخلية للأجهزة الإلكترونية. هنا زيادة أسعار المواد تؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية التي يصدّر بعضها إلى الخارج ويباع بعضها الآخر في الولايات المتحدة.
ومن ثم، فإن في زيادة أسعار هذه المنتجات إلحاق ضرر أكيد بالمصانع الأميركية التي قد تنخفض مبيعاتها، وبالنتيجة ستلجأ إلى تسريح الموظفين لتقليل التكلفة التشغيلية. وعليه، سيصبح القرار الذي استهدف خلق وظائف جديدة في قطاع التعدين الأميركي من خلال زيادة الرسوم على الحديد الصيني قد أدى إلى عكس الغرض منه، إذ تسبب في فقدان وظائف في قطاعات صناعية أخرى، مثل صناعة السيارات.

نقل التقنية

المحور الثاني لهذه الحرب - بحسب وجهة النظر الأميركية - هو النقل القسري للتقنية. ذلك أن الولايات المتحدة تتهم الصين بـ«سرقة» التقنية و«توطينها» في الصين بشكل غير مشروع، وذلك من خلال الاستحواذ على الشركات التقنية الأميركية، وتسريب هذه التقنية بعد ذلك إلى الصين.
ويرى الأميركيون أن الصين استغلت الأزمة المالية العالمية خلال العقد الماضي لتشتري شركات أميركية، حتى إنه بين عامي 2005 و2016 وصل عدد الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة وحدها إلى 202 استثمار. ومع أن عدد الاستثمارات التقنية منها لم يتعدّ 16 استثماراً، فإن قيمتها زادت على 21 مليار دولار. بل، وحتى مع كون هذه الاستثمارات قليلة نسبياً، سواءً من ناحية العدد أو القيمة، فإن الأميركيين يدركون أن المستقبل لمَن يملك التقنية. وبالتالي، فهم يتخوفون من أن تتفوق الصين على بلدهم بمجهودات الشركات والعقول الأميركية. ولذا أصدر البيت الأبيض قرارا منع فيه الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات تقنية أميركية في السنوات السبع المقبلة.
وهنا، لا بد من القول، أن ما لا تعترف به الإدارة الأميركية، هو الدور الصيني في تعافي الولايات المتحدة من الأزمة المالية العالمية المشار إليها. إذ أسهمت الاستثمارات الصينية في القطاع العقاري خلال العقد المنصرم إسهاماً كبيراً في استقرار أسعار العقارات الأميركية، كما كان لضخّ الأموال الصينية في قطاع التقنية الأميركي دور هو الآخر في تحفيز قطاع تشتد فيه المنافسة على مصادر التمويل. مع هذا، الولايات المتحدة ليست وحدها مَن يتهم الصين بـ«سرقة حقوق الملكية الفكرية»، ذلك أن اليابان وبعض دول الاتحاد الأوروبي أيضا توجه إلى الصين التهمة ذاتها، مما قد يبرّر القرارات الأميركية إلى حد ما.

وجهة النظر الصينية

حتى الآن، تعاملت الصين مع ما يمكن وصف بـ«الحرب الاقتصادية» بشكل حذر، ولم تبادر بأي إجراء فيها، بل اكتفت بردات فعل مماثلة لتلكم الأميركية. والسبب أن الصين لم تحسن النية في غاية الولايات المتحدة من الحرب الاقتصادية منذ أن تولى ترمب الحكم. إذ الصين ترى أن الولايات المتحدة تطمح لتحجيمها اقتصاديا، تماماً، كما فعلت في الماضي مع اليابان ومع الاتحاد السوفياتي السابق. ومن ثم، تخشى الصين أن تنجح أميركا كما نجحت من قبل، وعلى الرغم من أن الصين متمرسة في المفاوضات والمواجهات الاقتصادية، فهي الآن تواجه خصماً عنيفاً ذا مطالب مستحيلة التنفيذ.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي يركز إعلامياً على مقدار العجز الاقتصادي ومعادلة الميزان التجاري، فإن مطالبه تحمل في طياتها تغييرات جذرية للصين. فالصين دولة شيوعية، والتغييرات التي يطالب بها ترمب تعني أن تتخلى الدولة عن مصانعها الحكومية، وأن تغير سياساتها الصناعية، بل وأن تغير سياساتها المالية برفع عملتها «اليوان» التي طالما تذمّر منها رؤساء الولايات المتحدة السابقون.
هذه التغيرات، بطبيعة الحال، شبه مستحيلة على الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لأنها تمسّ قناعات الحزب ومعتقداته الجوهرية. وحتى بعض الأوروبيين واليابانيين المختلفين مع سياسات الصين التجارية، يعتبرون أن مطالب الرئيس ترمب الحالية تفتقر إلى الواقعية.
الحكومة الصينية تبدو مقتنعة أن الرئيس ترمب لا يهدف في الحقيقة إلى الوصول إلى اتفاق تجاري أو إلى موازنة العجز التجاري، بل يسعى إلى فرض دائم للرسوم الجمركية على السلع الصينية بهدف تغيير خريطة سلسلة التوريد في العالم. وحقاً، يندر أن يُصنع جهاز إلكتروني في الوقت الحالي من دون اللجوء إلى مكوّنات داخلية صينية مهما كان بلد منشأ هذا الجهاز، وقد لا تخلو أي مركبة من قطع صينية فيها، وكذلك الحال، في غالبية الصناعات الأخرى، من الملابس وحتى مصانع الأغذية. ولذلك فإن الصين تحمل أهمية استراتيجية عالمية في سلاسل التوريد لغالبية الصناعات في العالم. وهذا ما لا ترضاه الولايات المتحدة التي ترى أنها «ملكة العالم الجديد» وصانعة القرار الأولى. وعليه فإن المسؤولين الصينيين يكادون يجزمون أن ما يرمي إليه ترمب هو تغيير موازين القوى الاقتصادية في العالم، وبالذات، سحب البساط من تحت الصينيين، من منطلق أن بلاده لا تريد أن يكون لها أي غريم أو منافس اقتصادي في العالم. وكما لم ترض واشنطن في الماضي أن يكون الاتحاد السوفياتي غريماً عسكرياً منافساً لها، فهي تسعى حاليا إلى احتواء الصين بشكل استراتيجي من خلال الحرب الاقتصادية. وهذا، خاصة، بعد ظهور طموحات بكين المستمرة من خلال تمدّد علاقات الصين التجارية مع دول العالم، وسعيها الحثيث لإكمال «طريق الحرير الجديد» الذي يسهل على السلع الصينية الوصول لأوروبا بأكملها على طريق البر. ولعل ما يزيد الصينيين اقتناعاً بهذه النظرية، هو الثمن الذي سيدفعه الاقتصاد الأميركي جرّاء هذه الحرب، والذي على الرغم من فداحته لا يظهر أنه يمنع الولايات المتحدة من المضي قدماً في خوض هذه الحرب، وكأنها لا تمانع في دفع هذا الثمن في العصر الحالي، كي لا تغدو الصين منافساً اقتصادياً يستحيل التصدي له في المستقبل.

القوى الاقتصادية والمخاوف الصينية

اتفاق القوى الاقتصادية العالمية الثلاث على الصين هو هاجس سلطات بكين الأول في الوقت الراهن. فالولايات المتحدة تقود هذه الحرب الاقتصادية، والاتحاد الأوروبي - وإن عانى من تبعات هذه الحرب على المستوى الأوروبي - يرى بدوره أن على الصين تغيير سياساتها التجارية التي تلحِق الضرر بباقي دول العالم، ولا سيما، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي مسبقاً رسوما إضافية على الحديد الصيني. أما اليابان، «ثالث» القوى الاقتصادية الثلاث، فقد عانت كثيرا من الصين على المستويين الثقافي والاقتصادي، وقد تجد الآن في هذا التحالف فرصة لفرض مطالبها الاقتصادية على «جارتها الآسيوية العملاقة.
لقد شعرت الصين بالارتياح سابقاً، بعد أن هاجم ترمب قوى اقتصادية عدة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان ودول أميركا الشمالية الأخرى (كندا والمكسيك)، إلا أن واشنطن بدأت مفاوضاتها مع هذه الأطراف، سواءً مع الاتحاد الأوروبي، أو من خلال اتفاقية «نافتا» لدول أميركا الشمالية مع المكسيكيين والكنديين. وهذا ما جعل الصين تتودّد لـ«جارتها» الآسيوية اليابان، ما دفع مسؤولاً يابانياً للقول إن الصين «اكتسبت بعض الدبلوماسية بعد موقف الولايات المتحدة معها».
هذا الالتفاف الاقتصادي حول أميركا قد يقض مضاجع المسؤولين الصينيين في الوقت الحالي، ولكنه أقرب إلى ألا يحدث منه إلى الحدوث. فبالنسبة لأميركا الشمالية، لم تتوصل سوى المكسيك إلى حل في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بينما تعثرت حتى اللحظة المفاوضات مع كندا. والاتحاد الأوروبي ما زال في الدوامة نفسها، بل إن دول الاتحاد الأوروبي تبدو جاهزة هي الأخرى للرد على خطوات واشنطن برد انتقامي اقتصادي مماثل على الرسوم الأميركية. والواقع، أنه لم يستغرق الاتحاد الأوروبي أكثر من يوم واحد لإصدار قائمة تشتمل على 100 منتج أميركي معرّض لرسوم جمركية إضافية في رد عنيف على فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على واردات الحديد والألمنيوم من دول الاتحاد. وحين صرح الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة قد تزيد التعرفة الجمركية على السيارات الأوروبية، جاء الرد الأوروبي حازماً وسريعاً مؤداه أن الاتحاد الأوروبي سيرد على هذه الرسوم - إن فُرضت - بالمثل.
ولكن الرئيس الأميركي - إن وصف بشيء فيه - فهو رجل لا يمكن التنبؤ بأفعاله. ولو قيل لشخص ما قبل سنوات قليلة إن رئيس أقوى دولة في العالم سيلقي هذه التصريحات النارية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لعد ذلك ضرباً من الخيال. فعديد المواقف من الرئيس الأميركي تدل على أن مواقفه المستقبلية غير مضمونة بأي حال، فكيف إذا كان الحال لدولة وضعها هدفاً من أهداف فترته الرئاسية... مثل الصين.

تبِعات الحرب الاقتصادية

الحرب الاقتصادية ليست محض خيال غير مرئي. ونتائج هذه الحرب ملموسة للمستهلك، تماماً، كما هي مؤثرة على اقتصادات الدول. ثم إن دائرة المتأثرين منها لا ولن تقتصر على الصينيين والأميركيين وحدهم، بل تتسع لتشمل غالبية دول العالم، ولعل أقرب مثال على ذلك تغريدة الرئيس ترمب قبيل مؤتمر شركة آبل الأميركية التي جاء فيها قوله إن أسعار هواتف «الآيفون» قد ترتفع هذه السنة بعد فرض الضرائب على المنتجات الصينية. وعلى الرغم من أن ترمب أراد بهذه التغريدة الإعلان عن سياسته بإعفاء بعض المصانع الأميركية من الضرائب لتعويضها عن الرسوم المرتفعة، فإن تغريدته لا تخلو من صحة في مجملها. والحقيقة، أن غالبية مستهلكي المنتجات الأميركية سيتضرّرون حول العالم، حيث حجم الصادرات الأميركية للعالم يزيد على 2.3 تريليون دولار، وتشكل الواردات الصينية مواد أساسية لنسبة لا بأس فيها. وبالتالي، فزيادة أسعار هذه الصادرات نتيجة حتمية، وهي زيادة سيتحملها المستهلك النهائي، تماماً كما هو الحال مع «الآيفون». لذا، من المتوقع أن يتأثر المستهلكان الأميركي والصيني بشكل مباشر، ولكن التأثير غير المباشر على بقية المستهلكين حول العالم سيكون ملحوظاً أيضاً وغير مستغرب.
على المستوى الدولي، هذه الحرب قد تغير خريطة العالم الاقتصادية، إذ إن وضع اقتصاد الصين مؤثر على غالبية دول العالم، سواءً كانت الدول التي تربطها علاقات تبادل تجاري، أو الأخرى التي تربطها بالصين استثمارات طويلة المدى. واستهداف الولايات المتحدة للاقتصاد الصيني قد لا ينتهي بكساد اقتصادي صيني فحسب، بل قد يمتد إلى دول كثيرة مجاورة بتأثير أشبه ما يوصف بـ«تأثير الدومينو». فدول مثل كوريا الجنوبية والهند وفيتنام تعتمد بشكل مكثف على الحركة التجارية مع الصين. وعليه، فتأثر الاقتصاد الصيني يعني تأثر هذه الدول معها في حرب قد تمس بشكل مباشر ربع سكان العالم، وتمس البقية الباقية بشكل غير مباشر.
كلمة أخيرة. لعل الأمل مُعلق الآن على «قمة العشرين» المقرّر انعقادها في الأرجنتين، عند نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للعمل على حل هذه الحرب قبل أن تخرج عن السيطرة.

* باحث سعودي متخصص
في الإدارة المالية والاقتصاد

 



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».