لبنان: الرافعة النقدية والمصرفية تحدّ من سرعة تدهور الاقتصاد

عجز ميزان المدفوعات يزيد رغم إضافة السندات الدولارية

TT

لبنان: الرافعة النقدية والمصرفية تحدّ من سرعة تدهور الاقتصاد

زادت حدة العجز في ميزان المدفوعات اللبناني ليصل مجموع العجز التراكمي إلى 757 مليون دولار حتى نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، وذلك رغم البدء اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، باحتساب اكتتابات مصرف لبنان في سندات الدين الدولية المصدّرة لصالح الحكومة اللبنانية، والتي تكفلت بزيادة إيجابية قياسية في الصافي الشهري للأصول الأجنبية لدى البنك المركزي بقيمة ناهزت 2.158 مليار دولار، وبالتالي بتحقيق فائض بمقدار 1.203 مليار دولار خلال شهر مايو (أيار) الماضي.
ويؤشر تنامي العجز إلى حدة وتداعيات تباطؤ النمو الاقتصادي للسنة الثامنة على التوالي ومحدودية الرساميل والاستثمارات الوافدة، باستثناء ما يعود منها لتحويلات اللبنانيين العاملين والمغتربين في الخارج، والتي تزيد على 7.5 مليار دولار سنوياً، أي ما يوازي نحو 14% من الناتج المحلي، كما يبين الانحدار القاسي للعائدات السياحية، والتي كانت تمثل نحو 15% من الناتج. بينما يتحمل الاقتصاد، في السنوات عينها، أعباء تدفق نحو 1.5 مليون نازح سوري.
ويعاني لبنان أزمة مديونية تزيد نسبتها على 150% إلى الناتج المحلي، وهي أزمة متدحرجة بنمو سنوي بين 5 و7%، مقابل نمو ضعيف للاقتصاد بين 1.5 و2% توالياً منذ عام 2011. ونسبة المديونية اللبنانية من بين الأعلى عالمياً، فهي تبلغ نحو 180% في اليونان، والتي تسبق لبنان مباشرة في الترتيب العالمي للمؤشر السلبي، مسبوقةً باليابان فقط، المطمئنة إلى قاعدة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية من بين الأفضل عالمياً.
وتسود مخاوف اقتصادية جدية من تدهور إضافي بفعل انكماش التسليفات، وارتفاع التضخم، وتنامي عجز الموازنة العامة، فيما تشكل عمليات ومبادرات السياسة النقدية، مصحوبة بفعالية وحصانة القطاعين المصرفي والمالي، رافعةً مالية ونقدية واقتصادية باتجاه استمرارية الثقة بالاقتصاد اللبناني والليرة.
وعموماً فإن أغلب القطاعات تحاكي الصعوبات يوماً بيوم في انتظار فرج «حكومي» يزداد تعثراً. فإلى جانب ضمور الاستثمارات الوافدة تتراجع التوظيفات الوطنية الجديدة في أغلب القطاعات، ويتفاقم العزوف الصريح عن توسعة أعمال قائمة بعدما اتجهت الإنتاجية ومعها المردود إلى الحد الأدنى بالمعيار الاستثماري؛ وربما تجتازه هبوطاً مع الارتفاعات المتوقعة لمعدلات الفوائد الدائنة والمدينة.
كذلك فإن القطاع العقاري أو كامل قطاع البناء والمقاولات ومستلزماته، زاد ترنحاً، وترجمته حالات الإفلاس والتعثر التي شملت أسماء كبيرة لأفراد ومؤسسات، وثمة إشارات إلى تمدد واسع النطاق يطال أسماء جديدة ما زالت تتستر بقدرات ضعيفة على سداد أقساط ديون مستحقة، عبر اتفاقات مع المصارف الدائنة تتوخى إعادة الجدولة أو استعمال جزء من أرصدة وسمعة إيجابية سابقة أو «حرق» أسعار تحفيزاً لطلب لا يستجيب إلا بقدر ضئيل، مترقباً تخفيضات أكبر قادمة حكماً مع تقدم الأزمة، وبعدما تعذر التمويل المدعوم ويتعثر التمويل التجاري بحذر المصارف وبتكلفته العالية.
وتتوسع مخاوف الاقتصاديين إلى التحذير من خفض التصنيف السيادي، بعدما سبق لوكالات تصنيف دولية أن ربطت أي تحسينٍ بقدرة التدابير الإصلاحيّة الماليّة على عكس مسار الدين العامّ في البلاد أو بتسجيل تقدّمٍ ملموسٍ في الميزان التجاري. ونبهت الوكالات إلى أن أي تخفيضٍ قد يطال التصنيف يمكن أن يأتي نتيجة تفاقم حدّة الضغوط على الاحتياطات بالعملة الأجنبيّة، وما قد يتضمّن من انكماشٍ في تدفُّق الودائع، الأمر الذي -ولو أنّه مستبعَدٌ- تبقى لحصوله تداعيات سلبيّة على ميزان المدفوعات وعلى قدرة المصارف على تمويل احتياجات الدولة. مع الإشارة إيجاباً إلى حصول لبنان على نتيجة «مرتفع» في معيار القدرة على مواجهة مخاطر الأحداث نظراً إلى الأثر المحدود للصعوبات والتحدّيات السياسيّة والجيوسياسيّة المُختلفة التي يواجهها على النموّ الاقتصادي، والقطاع المصرفي، واستقرار سعر صرف الليرة. فودائع الزبائن لدى المصارف تدعمها تدفّقات الرساميل من قِبَل المغتربين اللبنانيين، وكذلك لعبت الهندسات الماليّة التي أجراها مصرف لبنان دوراً في تمتين هذه الودائع.
كما تتصاعد الهواجس من إمكانية تضييع الفرصة الإنقاذية التي توفرت للبنان في مؤتمر «سيدر1»، حيث تعهدت دول عربية وأجنبية وصناديق ومؤسسات إقليمية ودولية بتقديم مساعدات وقروض ميسرة بقيمة إجمالية تصل إلى 11.6 مليار دولار. وتمّ اعتبار العديد من مشاريع برنامج الاستثمارات العامّة الذي قدمته الحكومة اللبنانية ملائِمة وجوهريّة لتحسين البنى التحتيّة المتردّية. واستخلصت مجموعة البنك الدولي أنّ غالبيّة المشاريع المخطَّط لها من شأنها أن تُخفِّض الهيكليّة التكليفيّة للقطاعات المعنيّة، وتُشجِّع الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، وتُعزِّز النموّ المستدام، وتخلق عدداً متوسّطاً إلى كبير من فرص العمل الجديدة.
ووفق التوصيف الدولي، فإنّ لبنان يقع في المرتبة 130 من أصل 137 دولة حول العالم في معيار جودة البنى التحتيّة في ظلّ تراكم الدين العامّ وغياب قانون موازنة خلال فترة طويلة، ما أعاق إنفاق الحكومة بشكلٍ كافٍ على البنى التحتيّة. كذلك صُنِّف لبنان في المركز 134 في العالم لجهة جودة التغذية بالكهرباء، وفي المركز 120 لجهة جودة الطرقات، وفي المركز 104 في جودة الاشتراكات بخدمات الهاتف الخليوي.
ويعتبر البنك الدولي أنّ هذه التصنيفات المتدنيّة تعرقل بشكلٍ كبيرٍ إمكانات البلاد لناحية النموّ الاقتصادي والظروف المعيشيّة. في هذا الإطار، توصّل التقييم إلى أنّ 100% من الاستثمارات في المشاريع المقترَحة في خانات المياه ومياه الصرف الصحّي، والنفايات الصلبة، والاتّصالات، والثقافة، والصناعة، و92% من المشاريع في قطاع النقل، و83% من المشاريع في قطاع الكهرباء تُعَدّ أولويّاتٍ استراتيجيّة في القطاعات المعنيّة.
وبالاستناد إلى تقديرات مصرف لبنان، فإن كل ارتفاع في مستوى الاستثمار بمليار دولار (أي ما يُعادل نحو 2% من الناتج المحلّي الإجمالي)، تُقابله زيادة بنسبة 1% في نسبة النموّ الاقتصادي في البلاد. وحسب التوقُّعات، سيبلغ متوسّط النموّ الاقتصادي 3% خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2018 و2021 (مقابل معدَّل 1.6% خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2013 و2016)، وهو مُعدَّل قابل للتعديل في حال جرى التحقق من تأثيرات جذريّة لبرنامج الإنفاق الاستثماري خلال هذه الفترة. وهذا ما سيوجب إعادة النظر صعوداً بترقبات النمو. كما أنَّ إقرار قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاصّ سيُسهم في تحسين فعاليّة المشاريع والشفافيّة والمُساءلة بالإجمال، عبر تشجيع القطاع الخاصّ على الانخراط في المشاريع المُقترحة.



ماذا ينتظر الفائدة الأوروبية بعد الكشف عن موعد استقالة دي غالهو؟

فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
TT

ماذا ينتظر الفائدة الأوروبية بعد الكشف عن موعد استقالة دي غالهو؟

فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)

أعلن البنك المركزي الفرنسي، يوم الاثنين، أن محافظه فرانسوا فيليروي دي غالهو سيستقيل في يونيو (حزيران) المقبل، أي قبل أكثر من عام على انتهاء ولايته، ما يعني أن البنك المركزي الأوروبي سيفقد أحد أبرز الأصوات الداعية إلى خفض أسعار الفائدة.

وأعلن فيليروي، البالغ من العمر 66 عاماً، استقالته في رسالة وجّهها إلى موظفي البنك المركزي، موضحاً أنه سيغادر لتولي قيادة مؤسسة كاثوليكية تُعنى بدعم الشباب والأسر الأكثر هشاشة، وفق «رويترز».

وكان من المقرر أن تنتهي ولاية فيليروي في أكتوبر (تشرين الأول) 2027. وتمنح استقالته المبكرة الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة تعيين بديل له قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027، التي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوز مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف المشككة في الاتحاد الأوروبي، أو تلميذها غوردان بارديلا.

وسيتعين أن يحظى خليفته بموافقة لجنتي المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ. وقال فيليروي في رسالته للموظفين: «اتخذت هذا القرار المهم بشكل طبيعي ومستقل، والوقت المتبقي حتى بداية يونيو كافٍ لتنظيم انتقال السلطة بسلاسة».

المركزي الأوروبي يفقد أحد أبرز دعاة التيسير النقدي

برحيل فيليروي، سيفقد البنك المركزي الأوروبي أحد أبرز الداعمين لسياسة التيسير النقدي، إذ حذّر مراراً خلال الأشهر الماضية من مخاطر التضخم المنخفض.

وقال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، إن تصرفات فيليروي «اتسمت دائماً بالدقة والاستقلالية والحرص على المصلحة العامة».

وعادةً ما يكون محافظو «بنك فرنسا» قد شغلوا سابقاً مناصب في وزارة الخزانة التي تتولى إدارة العديد من القضايا الأكثر حساسية داخل وزارة المالية الفرنسية.

وأفاد مصدران بأن مدير الخزانة الحالي، برتراند دومون، أو رئيسها السابق إيمانويل مولان، يعدّان من أبرز المرشحين للمنصب، إلى جانب نائبة محافظ «بنك فرنسا» أغنيس بيناسي-كوير، أو صانع السياسات السابق في البنك المركزي الأوروبي بينوا كوير، وكلاهما شغل مناصب في وزارة الخزانة.

وأضاف المصدران أن لورانس بون، كبير الاقتصاديين السابق في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي يعمل حالياً في بنك سانتاندير الإسباني، يُنظر إليه أيضاً بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة فيليروي.


«الأكاديمية المالية» توسّع برامجها لرفع كفاءة الإعلام الاقتصادي

جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
TT

«الأكاديمية المالية» توسّع برامجها لرفع كفاءة الإعلام الاقتصادي

جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)

تواصل «الأكاديمية المالية»، بالتعاون مع أكاديمية «SRMG»، تنفيذ برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي»، الهادف إلى تطوير الإعلام المالي، ورفع كفاءة الصحافيين وصنّاع المحتوى في تناول القضايا الاقتصادية والمالية، بما يعزّز جودة التغطية الإعلامية المتخصصة ويدعم الوعي الاقتصادي.

ويُعد برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» الأول من نوعه في المملكة في مجال الإعلام المالي المتخصص؛ إذ يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى إعلام قادر على فهم البيانات والمؤشرات الاقتصادية، وتحليلها، وتقديمها في سياق مهني يوازن بين الدقة والوضوح، ويُسهم في تعزيز الشفافية وكفاءة الأسواق.

ويركّز البرنامج على تزويد المشاركين بالمعارف والمهارات اللازمة لتناول القضايا الاقتصادية والمالية باحترافية، من خلال محاور تشمل أساسيات التغطية الإعلامية المالية، والاقتصاد الكلي والمؤشرات، والأسواق والأوراق المالية، والميزانيات والنتائج المالية، بالإضافة إلى قطاعات مؤثرة؛ مثل: الطاقة الخضراء، والبترول، والتحول الطاقي، بوصفها من أبرز الملفات الاقتصادية محلياً وعالمياً.

كما تضمن البرنامج تدريباً متخصصاً على التغطيات المرئية، وصحافة الموبايل، وإنتاج المحتوى الرقمي، وفهم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب توظيف الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي، بما يمكّن المشاركين من مواكبة التحولات في أنماط النشر الإعلامي، وتعزيز الوصول والتأثير.

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«الأكاديمية المالية»، مانع آل خمسان، أن برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» يأتي منسجماً مع توجهات «الأكاديمية» في دعم منظومة القطاع المالي، مؤكداً أن الإعلام المالي يُعدّ عنصراً مكملاً لكفاءة الأسواق، ويُسهم في تعزيز الشفافية ورفع جودة الخطاب الاقتصادي.

وأضاف أن البرنامج يندرج ضمن مبادرات «الأكاديمية المالية» لتمكين الإعلاميين من بناء محتوى مالي مهني مؤثر، ويركّز على تعميق الفهم، ونقل الخبرة، والاطلاع على أفضل الممارسات العالمية عبر زيارات ميدانية لمؤسسات مالية دولية، بما يُسهم في صناعة أثر إعلامي واعٍ ومستدام يخدم القطاع على المدى الطويل.

وأشار إلى أن الشراكات مع مؤسسات مالية رائدة تعكس تكامل الأدوار بين التدريب والقطاع، وتُسهم في نقل المعرفة التطبيقية للإعلاميين وربط المحتوى الإعلامي بواقع الأسواق، مقدّماً شكره إلى شركاء البرنامج الأهلي على إيمانهم بأهمية تطوير الإعلام المالي، ودورهم في دعم بناء كوادر إعلامية قادرة على مواكبة تحولات القطاع المالي وتعزيز الوعي الاقتصادي.

من جهة أخرى، واصل البرنامج رحلته إلى مرحلة التطبيق عبر أنشطة مهنية تتيح للمشاركين فهم بيئات العمل الإعلامي، والاطلاع على نماذج واقعية في تغطية الأحداث الاقتصادية، وصناعة المحتوى المالي القائم على التحليل والمعرفة.

ويستهدف برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» الصحافيين والإعلاميين، والمختصين في الأسواق المالية، وصنّاع المحتوى المالي، ضمن رحلة تدريبية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، والاطلاع على أفضل الممارسات في الإعلام المالي، بما يُسهم في تعزيز حضور الإعلام السعودي في المشهدَين الإقليمي والدولي، تماشياً مع مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي لـ«رؤية السعودية 2030».

يُذكر أن «الأكاديمية المالية» جهة ذات كيان اعتباري وإداري مستقل، وترتبط تنظيمياً برئيس مجلس هيئة السوق المالية، بهدف تأهيل الكوادر البشرية في القطاع المالي وتنميتها وتطويرها، من خلال تنمية معارف العاملين فيه وقدراتهم ومهاراتهم وثقافتهم، بما في ذلك القيادات الإدارية وأعضاء مجلس الإدارة في منشآت القطاع، والإسهام في تطوير وتنمية أفضل الممارسات المهنية ذات الصلة بالقطاع، وتستهدف جميع الجهات في القطاع المالي؛ البنوك، والتمويل، والتأمين، والسوق المالية.


«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، ليؤكد النقلة النوعية التي تشهدها هذه الاقتصادات في الساحة العالمية. فمع انتهاء فعاليات هذا المؤتمر المتميز، بات واضحاً أن الاقتصادات الناشئة لم تعد تسعى فقط للحاق بركب الاقتصادات المتقدمة، بل أصبحت تضع معاييرها الخاصة وتبتكر في مجالات تنافسية متعددة.

وبرز خلال الجلسات النقاشية كيف أن هذه الاقتصادات اكتسبت ثقة متزايدة وقوة دفع جديدة، لتتخلى عن دورها التقليدي وتصبح لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي. وكان لافتاً دعوة القطاع الخاص ليكون شريكاً في عملية النمو بل أصبح محركاً لها.

ومن هنا، أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، ضرورة المبادرة في اتخاذ القرارات الإصلاحية مهما كانت صعوبتها، وأنه لا يوجد ما يُسمّى الوقت المثالي لبدء مسارات التغيير، موجهاً الدعوة إلى الأسواق الناشئة من أجل الاعتماد على نفسها في تشخيص مشكلاتها، وأنه من الضروري أن تتعامل مع قضاياها بنفسها.

وفي الحوار الختامي لـ«مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، يوم الاثنين، أرسى الجدعان قاعدة اقتصادية حازمة بقوله: «لا يوجد وقت مثالي لفعل الشيء الصحيح، لذا عليك القيام به الآن، والتأجيل لن يساعد».

وأوضح أن نجاح أي تحول هيكلي مرتبط بالقدرة على اتخاذ الخطوات الجريئة، وأنه لا يمكن إجراء إصلاح هيكلي واقتصادي بقرارات سهلة؛ وإنما «سيكون عليك اتخاذ قرارات صعبة للغاية».

وحسب الوزير الجدعان، فإن الشفافية هي أساس خطة التحول في «رؤية 2030»، قائلاً: «سيكون عليك إيصال ذلك بوضوح شديد لشعبك، ولبيئة الأعمال، وللمجتمع الدولي، ثم الثبات على المسار، لأنك بحاجة إلى بناء تلك الثقة. ووضوح توجهات سياستك لكسب تلك الثقة من مجتمع الاستثمار».

وزير المالية متحدثاً للحضور في الحوار الختامي من المؤتمر (الشرق الأوسط)

«رؤية 2030»

وكشف الجدعان عن دقة التنفيذ في «رؤية 2030» مع اكتمال أكثر من 87 في المائة من المبادرات أو على المسار الصحيح، و93 في المائة من مؤشرات الأداء الرئيسية إما تحققت وإما على المسار الصحيح.

وضرب مثالاً بالذكاء الاصطناعي، قائلاً: «عندما بدأنا، لم تكن هذه التقنية حديث الساعة في الشوارع، لكن الأمور تغيرت، لذا احتجنا إلى تغيير خططنا للتأكد من أننا نقتنص جزءاً من تلك القيمة».

ودعا الجدعان الأسواق الناشئة إلى الاعتماد على الذات في تشخيص مشكلاتها، وأنه من الضروري أن تتعامل مع قضاياها بنفسها، بدلاً من الاعتماد على مجموعة أوسع من الدول التي تهيمن عليها الاقتصادات الكبرى لتملي عليها ما يجب فعله.

الذكاء الاصطناعي

وفي الحوار الختامي ذاته، شددت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، على ضرورة تحول الحكومات من «مشغّل» للاقتصاد إلى «مُمكن» له، مؤكدة أن فك الارتباط بين الدولة والإدارة المباشرة للشركات هو السبيل الوحيد لإطلاق العنان للابتكار وازدهار القطاع الخاص.

وأوضحت كريستالينا غورغييفا أن «الحكومات ليست هنا لإدارة الاقتصاد بشكل مباشر، بل لتوفير الإطار الذي يزيل العقبات أمام الاستثمار»، مشيرة إلى أن الابتكار، لا سيما في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بات المفتاح الحقيقي للتقدم خطوة للأمام في المشهد العالمي المعقّد.

ورسمت خريطة للتحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة، لافتة إلى أن العالم يمر بتغيرات عميقة مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية، والتحولات الديموغرافية، وتغير المناخ، وهي عوامل ترفع من مستويات «عدم اليقين» الاقتصادي، مما يجعل التعاون الدولي ضرورة حتمية لا ترفاً.

وأضافت أن هذه الاقتصادات، رغم تنوع قدراتها وظروفها الخاصة، تشترك في طموح واحد نحو بناء مؤسسات قوية واعتماد سياسات نقدية ومالية سليمة، لتعزيز مرونتها في وجه الصدمات العالمية.

منصة لتبادل الخبرات

وفي سياق دور المؤسسات المالية الدولية، ذكرت كريستالينا غورغييفا أن صندوق النقد والبنك الدولي يضطلعان بمسؤولية حيوية بصفتهما منصتين لنقل أفضل التجارب العالمية، وضمان عمل الاقتصاد الدولي بوصفه وحدة مترابطة تجمع بين الدول المتقدمة والناشئة لتبادل المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة.

واختتمت كريستالينا غورغييفا حديثها برسالة رمزية، وهي: «يد واحدة لا تُصفّق»، للتأكيد على أن الشراكات القوية بين الدول والمنظمات هي المحرك الوحيد لضمان الرخاء المشترك وتحسين حياة الشعوب بشكل ملموس، داعية إلى تقدير ما تحقق من إنجازات اقتصادية رغم التحديات القائمة.

وانطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الذي تحتضنه محافظة العلا بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظل مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وتزايد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

Your Premium trial has ended