حماس تسعى لرعاية قطرية وتركية للمبادرة المصرية

كيري يمنح القاهرة مزيدا من الوقت و«يتريث» في زيارتها

طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
TT

حماس تسعى لرعاية قطرية وتركية للمبادرة المصرية

طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)

في الوقت الذي رحب فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) فورا بالمبادرة المصرية، تباينت ردود الفعل داخل حركة حماس الفلسطينية بين رافض ومتردد، ومن يطلب وقتا إضافيا لبحثها. وفي غضون ذلك، كشفت مصادر مقربة من حركة حماس، لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك مسعى داخل الحركة باتجاه «وساطة أكبر» برعاية قطر وتركيا إلى جانب مصر.

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أمس، إنه يرحب المبادرة المصرية للتهدئة ويثمن الجهود التي بذلتها مصر لحماية الشعب الفلسطيني. ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بهذه المبادرة «حفاظا على دماء شعبنا والمصالح الوطنية العليا». كما طالب بأن تمهد هذه المبادرة لجهد سياسي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ويصل عباس اليوم إلى مصر من أجل لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بهدف التشاور والتنسيق لإنجاح المبادرة المصرية، لتحقيق وقف إطلاق النار فورا، فيما يزور تركيا بعد يومين لنفس السبب. وكان من المفترض أن يتوجه عباس أمس إلى مصر، لكن طرح المبادرة المصرية إلى الواجهة وطبيعة رد الفصائل عليها وترتيب بعض المواعيد، إضافة إلى وصول وزيري خارجية ألمانيا وإيطاليا إلى رام الله للقائه، أجل الزيارة يوما واحدا. وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية إن عباس يجري اتصالات عربية ودولية في هذه الأثناء من أجل تثبيت وقف إطلاق النار.

وكانت مصر طرحت مبادرة على إسرائيل وحماس من أجل وقف الأعمال العدائية من الجانبين، على أن يجري لاحقا فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية. ووافقت إسرائيل على المبادرة التي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنها «فرصة لتجريد القطاع من الصواريخ». وأعلن نتنياهو للصحافيين «وافقنا على المبادرة المصرية من أجل إعطاء فرصة لنزع سلاح القطاع (غزة) من الصواريخ والأنفاق عبر السبل الدبلوماسية». وأضاف «لكن إذا لم تقبل حماس مبادرة وقف إطلاق النار كما يبدو الوضع الآن فإن إسرائيل ستكون لديها كل الشرعية الدولية لتوسيع العملية العسكرية لتحقيق الهدوء المنشود».

وظهرت تباينات واضحة، أمس، بين حماس الخارج والداخل بشأن المبادرة المصرية، وسط خلاف مع حركة الجهاد الإسلامي، بحسب ما قالت مصادر فلسطينية مطلعة في غزة لـ«الشرق الأوسط». وأكدت المصادر أن حركة حماس «غاضبة» من عدم التشاور معها بشأن الورقة المصرية. وأوضحت أن «مصر تشاورت مع السلطة وإسرائيل وأطراف أخرى لكنها لم تتشاور مع حماس». وكشفت عن أن هناك «تيارا في حماس يسعى الآن لوساطة أكبر ودخول أطراف أخرى مثل قطر وتركيا على الخط، وأن تكون التهدئة برعايتهم كذلك إلى جانب مصر».

وجاء ذلك بالتزامن مع ما أورده موقع «واللا» الإسرائيلي عن مصادر لم يسمها بأن «قطر تقف وراء رفض حماس للمبادرة المصرية». لكن فوزي برهوم، الناطق باسم حماس، نفى الأمر، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حركته «لا تختار الوسطاء ولا تدعوهم للتوسط وإنما عليهم المبادرة بالتضامن مع قطاع غزة والشعب الفلسطيني ومساعدتنا في رفع الظلم». وأضاف «مصر موجودة في قلب المعادلات السابقة ولسنا ضد أن تكون حاضرة اليوم، لكن هناك ثلاث اتفاقيات حصلت سابقا، وهناك بنود طويلة وعريضة، فلماذا لم تلزم مصر إسرائيل بالالتزام بهذه البنود؟». وتابع قائلا «وعلى الرغم من ذلك ما زلنا نطمح إلى دور مصري يلبي طموحات الشعب الفلسطيني، لكن من أراد أن يساعد مصر فلن نمانع. نريد من الكل العربي والمسلم أن يتدخل حتى لو كان تدخلا دوليا، المهم في من يتدخل أن يرى الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني».

وتحدث برهوم عن «حالة من عدم رضا» في أوساط حماس من الطريقة التي عرضت بها مصر المبادرة. وقال «ليست هكذا تكون المبادرات، تلقى في الإعلام ثم يطلب منا أن نلتزم بها. هناك بروتوكول تواصل رسمي يحكم الدول والكيانات. كان من باب أولى أن يتواصلوا معنا بشكل رسمي ويتلقوا ردا رسميا وليس عبر وسائل الإعلام»، مؤكدا أنهم لم يتسلموا نسخة من المبادرة.

وردا على سؤال حول طلبات حماس، قال برهوم «حركة حماس ليست عدمية ولا تريد أن يبقى قطاع غزة تحت القصف الدم. الحرب فرضت علينا ولم نكن نختارها ولا نرغب بها، لكن قدرنا أن نخوض هذه الحرب لندافع عن شعبنا، وبالتالي وقف هذه الحرب أمر مهم جدا ورفع الظلم عن قطاع غزة».

وكان تضاربا ساد موقف حماس من المبادرة، فبعد ساعات من إعلان ناطقين في الحركة في غزة بينهم سامي أبو زهري أنها لم تعرض عليهم وأنهم غير ملزمين بها، خرج عضو المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق ليعلن أن حركته ما زالت تجري مشاورات مكثفة بشأن المبادرة المصرية لتثبيت وقف إطلاق النار. وأوضح أبو مرزوق في تصريح مقتضب على صفحته على «فيسبوك» قائلا «ما زلنا نتشاور ولم يصدر موقف الحركة الرسمي بشأن المبادرة المصرية».

ثم خرج مشير المصري، وهو ناطق آخر للحركة، بعد ذلك ليعلن أن المبادرة المصرية ولدت ميتة. وأضاف المصري أن شروط حماس لوقف إطلاق النار هي رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح معبر رفح وتقديم ضمانات دولية لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق التهدئة.

وتخالف هذه المعلومات تصريحات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي، التي أكدت فيها أن «الأشقاء المصريين تشاوروا في المبادرة التي طرحوها لوقف عدوان الاحتلال على قطاع غزة مع كل الأطراف». وعدت عشراوي المبادرة نابعة من الوعي والإدراك بخطورة الوضع في القطاع. وأقرت عشراوي بوجود عدة آراء داخل المقاومة الفلسطينية «تتناقض» في رأيها حول المبادرة المصرية. وعقبت عشراوي على ذلك قائلة إنه يجب النظر إلى المضمون وليس اللغة، وإنها تدرك أن الأمور تحتاج إلى بحث أكبر ووقت أكثر.

من جهتها، رفضت حركة الجهاد الإسلامي المبادرة المصرية صراحة، وأعلنت في تصريح مقتضب «أبلغنا الجانب المصري موقفنا بعدم قبول هذه المبادرة التي لا تلبي حاجات شعبنا وشروط المقاومة التي لم تستشر فيها». وأضافت «هذه المبادرة غير ملزمة لنا، وسرايا القدس ستواصل عملياتها، جنبا إلى جنب مع كل الفصائل والأجنحة العسكرية، دفاعا عن شعبنا في مواجهة العدوان الإسرائيلي». وجاء إعلان الجهاد على الرغم من أن الحركة قالت سابقا إنها ستصدر موقفا موحدا مع حماس من التهدئة في مؤشر آخر على وجود تباينات واسعة حول قبول ورفض التهدئة بين فصائل المقاومة.

وفي سياق الجهود لوقف إطلاق النار، التقى عباس أمس بوزير الخارجية الألماني، ويفترض أنه التقى كذلك في وقت متأخر بوزيرة الخارجية الإيطالية فيديريكا موغيريني. وأكد عباس للوزير الألماني فرانك فالتر شتاينماير ضرورة التزام كل الأطراف بالمبادرة المصرية الساعية لتثبيت وقف إطلاق النار حفاظا على حياة أبناء شعبنا، ووقف إراقة الدماء، وتجنيب المنطقة مزيدا من التدهور وعدم الاستقرار.

وفي القاهرة، أكدت الخارجية المصرية، أمس، أنها لا تزال في انتظار «ردود رسمية» من جهة الفصائل الفلسطينية على المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار في غزة، وأن الموقف الرسمي المصري «لن يستبق الأحداث». وقال السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم تصلنا أي ردود رسمية من جهة الفصائل الفلسطينية حتى الآن (عصر أمس)، وعندما تصل الردود سنقوم بتقييم الموقف».

وحول ما نقلته تصريحات إعلامية لقيادات حركة حماس أمس من أنهم لم تصلهم «رسميا» أي مبادرة مصرية، أوضح عبد العاطي أن المبادرة المصرية أعلنت بشكل موسع منذ الثامنة من مساء الاثنين بتوقيت القاهرة، وعرضت على اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولاقت تأييدا عربيا ودوليا موسعا.

وعن الاستعداد للخطوات اللاحقة، التي تتضمن استقبال وفود رفيعة المستوى من الحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية في القاهرة خلال 48 ساعة منذ بدء تنفيذ المبادرة، أوضح عبد العاطي أن ذلك أمر لاحق بعد قبول الطرفين للمبادرة ودخول الاتفاق حيز النفاذ.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.