الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

تدفع بمبادرة الـ«بمستيك» من أجل تهميش باكستان ووقف تمدد الصين

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
TT

الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)

في ظاهرة جيوسياسية لافتة في شبه القارة الهندية توجه سبعة رؤساء دول، خمسة من جنوب آسيا (بنغلاديش، وبوتان، والهند، ونيبال، وسريلانكا) واثنان من جنوب شرقي آسيا (ميانمار، وتايلاند)، إلى نيبال لحضور القمة الرابعة لـ«مبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك)». ولطالما تم تجاهلها إلى أن نشّطها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، في إطار سياساته القائمة على «التوجه نحو الشرق» و«الجوار أولاً». اللافت أن باكستان ليست من الدول الأعضاء في تلك المبادرة.

ما الذي يربط المجموعة؟
تهدف المبادرة إلى أن تكون دول الخليج جسراً يربط بين جنوب وجنوب شرقي آسيا، إذ يعيش نحو 22 في المائة من سكان العالم في الدول السبع المحيطة بالخليج الذي يقترب إجمالي الناتج المحلي لها مجتمعة 2.7 مليون تريليون دولار. وقد حافظت هذه الدول على متوسط نمو سنوي يتراوح بين 4.3 في المائة و7.5 في المائة ابتداءً من عام 2012. كذلك فإن التجارة في ربع سلع العالم تمر عبر الخليج سنوياً.
حتى هذه اللحظة لم يتم تحقيق الكثير داخل هذا التكتل الآسيوي، لكن تطمح نيودلهي لوضع أسس للتعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الإقليمية المشتركة، في الشحن، والفضاء، والطاقة، والنقل، والسياحة.
رغم الإحصاءات المبهرة، لم تحقق المجموعة الكثير، حيث لم يلتقِ قادة الدول السبع سوى ثلاث مرات في 2004 و2008 و2014. بعدها حظيت بزخم عندما دعت الهند دول المجموعة إلى منتدى عُقد في ولاية غوا عام 2016. منذ ذلك الحين تحاول الهند، التي تعد أكبر دولة اقتصادياً وعسكرياً في المجموعة، دعم المنتدى كبديل لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، الذي يضم ثماني دول منها أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش، والهند، والمالديف، ونيبال، وباكستان، وسريلانكا، الذي تأسس عام 1985.

ما سر اهتمام الهند بهذه المجموعة؟
تمثل مجموعة الـ«بمستيك» جسراً يربط بين جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا. وللدولتين الواقعتين جنوب شرقي آسيا، وهما ميانمار وتايلاند، موقعاً مهماً في خطط التواصل الطموحة الهندية الخاصة بمنطقة الشمال الشرقي. ميانمار هي الدولة الوحيدة في جنوب شرقي آسيا التي تربطها حدود برية مع الهند، ويعد الطريق السريع، الذي يربط بين الهند وميانمار وتايلاند، واحداً من المشروعات الأساسية التي يتم التخطيط لها في إطار سياسة الحكومة الهندية «التوجه نحو الشرق». وفي الوقت الذي يعرقل فيه التخاصم والتعارض بين الهند وباكستان العمل السلس لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، يمكن لمجموعات مثل الـ«بمستيك» تطوير مفهوم التعاون الإقليمي بطريقة مختلفة. هناك أسباب جيوسياسية وراء حرص الهند على تفعيل المجموعة ومنها أن العلاقات الهندية - الباكستانية حجرة عثرة في طريق الهند نحو التحول إلى قوة إقليمية، وباكستان ليست عضواً في تلك المجموعة. كذلك تمثل الصين حجرة عثرة أخرى على حد قول المحللين.

الهند تعمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»
هناك توجه في بعض الدوائر نحو رؤية مصالح الهند في مجموعة الـ«بمستيك» كجزء من استراتيجيتها لعزل باكستان، وجعل تلك المجموعة بديلة للاتحاد. من الأسباب الرئيسية التي تدفع الهند نحو التقرب من دول الجوار المشارِكة في مجموعة الـ«بمستيك»، هو العمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي» الذي يقيّد طموحات وتطلعات الهند الاقتصادية المتنامية، وكذلك الدور الذي يمكن أن تضطلع به في تحسين طريقة الحكم الإقليمي. السبب وراء هذا التحول هو تزايد إدراك نيودلهي لعدم سماح التناحر الهندي الباكستاني بتحقيق تعاون إقليمي ذي معنى داخل إطار الاتحاد، حيث تجب الموافقة بالإجماع على كل القرارات الكبرى في الاتحاد، ولأن الهند وباكستان نادراً ما تقبلان عروض ومقترحات بعضهما البعض، لم يحدث تقدم يذكر على مستوى تحقيق التقارب الاقتصادي بين دول جنوب آسيا. وقد رفضت باكستان بنفسها خلال قمة عام 2014 مشروع القمر الاصطناعي الذي طرحته الهند في الوقت الذي حظي فيه المشروع بموافقة باقي الدول الأعضاء. تبدو الهند حالياً عازمة على دعم مبادرات إقليمية لا تشمل باكستان مثل الـ«بمستيك». ويموت الاتحاد موتاً بطيئاً منذ رفضت الهند المشاركة في القمة، التي كان من المقرر عقدها عام 2016 في باكستان، وذلك عقب هجمات إرهابية كبرى شهدتها الهند. كذلك تمكنت نيودلهي من إقناع كل من أفغانستان، ونيبال، وبنغلاديش، وبوتان برفض المشاركة في تلك القمة مما أدى إلى إلغائها.

مجموعة الـ«بمستيك» ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية
الصين عضو مراقب في «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي». خلال القمة الأخيرة للاتحاد في كاتماندو في عام 2014، اقترحت نيبال، بدعمٍ من باكستان، منح الصين عضوية كاملة في الاتحاد وهو ما لم تتقبله الهند. وكتب المحلل الهندي هارش بانت يقول: «لطالما نظرت الهند إلى جنوب آسيا باعتبارها الباحة الخلفية لها، ولم تكن لتسمح لطرف ثالث بالوجود. ترى نيودلهي أن بكين تتطلع لبسط نفوذها في جنوب آسيا من خلال الاتحاد، وهذا سبب آخر جعل رئيس الوزراء الهندي يعيد إحياء مجموعة الـ(بمستيك)، التي على عكس الاتحاد لديها نزعة مناهضة للصين». إضافة إلى ذلك، أصبح المحيط الهندي المحور الاستراتيجي الذي يشهد تنافساً شديداً بين الصين والهند.
كما كتب المحلل السياسي الآخر أتول تاكور في نيودلهي يقول: «تمر 60 في المائة أو أكثر من واردات الصين من النفط عبر المحيط الهندي، وعليها المرور عبر مضيق ملقا الذي يخضع لسيطرة البحرية الأميركية. لذا تحتاج الصين إلى نقاط عبور بديلة في ميانمار وسريلانكا وباكستان والمالديف وبنغلاديش. لذلك يعد خليج البنغال حيوياً بالنسبة إلى الصين، التي يتنامى نفوذها، لتأمين طريقها نحو المحيط الهندي. لا يُرضي ذلك الهند، التي تعتبر جنوب آسيا مجال نفوذها الحصري. تمثل مجموعة الـ(بمستيك) ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية من أجل الهيمنة، حيث تأمل الهند في دفع الصين من خلال تلك المجموعة نحو الانسحاب من المحيط الهندي. الاستثمار الهندي غير المسبوق في قوتها البحرية دليل على رغبتها تلك. لذا لم تأت فكرة دعم الـ(بمستيك) في دوائر صناعة القرار ووضع السياسات الهندية من فراغ».
على الجانب الآخر اتجهت الصين بقوة نحو تمويل وإنشاء بنية تحتية في جنوب وجنوب شرقي آسيا من خلال مبادرة الحزام والطريق تقريباً في كل دول مجموعة الـ«بمستيك» باستثناء بوتان والهند. وقد استحوذت على ميناء هامبانتوتا في سريلانكا في إطار حق انتفاع مدته 99 عاماً كسداد للديون، وتسعى بحماس نحو تنفيذ مشروع إقامة ميناء في المالديف. كذلك انخرطت الصين في ميناء تشيتاغونغ في بنغلاديش.
وذكر كاتب العمود سوبهاجيت روي لدى صحيفة «إنديان إكسبريس»: «مثّلت تلك الهيمنة الدبلوماسية الصينية دافعاً لدول مجموعة الـ(بمستيك) لتعزيز تجمعها والتصدي للنفوذ الصيني. يعد حلف شمال الأطلسي ميتاً، وكذلك مجموعات أخرى من الدول الأوروبية. وتسود التوترات مجلس التعاون الخليجي واتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وتعاني مجموعة (بي بي آي إن)، التي تضم بنغلاديش وبوتان والهند ونيبال، من مشكلات أيضاً. الاختلاف الوحيد هو الوضع بالنسبة إلى مجموعة (بريكس)».

تحديات
من المتوقع أن تواجه الهند تحديات في الداخل والخارج، وسوف تمثل تلك التحديات معضلات سياسية. تعد الهند حالياً أكبر مساهم في ميزانية مجموعة الـ«بمستيك»، وربما تحتاج الهند إلى النظر في تخصيص المزيد من الموارد لها. وقد أوضح هارش بانت قائلاً: «من الأمور التي سوف يتعين على الهند التعامل معها إثبات خطأ الانطباع بأن الـ(بمستيك) كتلة تخضع لهيمنة الهند، وهي مشكلة واجهها اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي لفترة طويلة من قبل. تثير الهيمنة البنيوية للهند على جنوب آسيا الاستياء، وقد وجدت نيودلهي صعوبة في التغلب على تلك المشكلة. في الواقع كان الشك متبادلاً في الاتحاد، ففي الوقت الذي كانت تشعر فيه الهند بالقلق من تعاضد دول الجوار الأصغر ضدها، كانت تلك الدول الأصغر تشعر بالقلق من احتمال أن يؤدي المزيد من التكامل والتقارب إلى هيمنة الهند».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...