الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

تدفع بمبادرة الـ«بمستيك» من أجل تهميش باكستان ووقف تمدد الصين

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
TT

الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)

في ظاهرة جيوسياسية لافتة في شبه القارة الهندية توجه سبعة رؤساء دول، خمسة من جنوب آسيا (بنغلاديش، وبوتان، والهند، ونيبال، وسريلانكا) واثنان من جنوب شرقي آسيا (ميانمار، وتايلاند)، إلى نيبال لحضور القمة الرابعة لـ«مبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك)». ولطالما تم تجاهلها إلى أن نشّطها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، في إطار سياساته القائمة على «التوجه نحو الشرق» و«الجوار أولاً». اللافت أن باكستان ليست من الدول الأعضاء في تلك المبادرة.

ما الذي يربط المجموعة؟
تهدف المبادرة إلى أن تكون دول الخليج جسراً يربط بين جنوب وجنوب شرقي آسيا، إذ يعيش نحو 22 في المائة من سكان العالم في الدول السبع المحيطة بالخليج الذي يقترب إجمالي الناتج المحلي لها مجتمعة 2.7 مليون تريليون دولار. وقد حافظت هذه الدول على متوسط نمو سنوي يتراوح بين 4.3 في المائة و7.5 في المائة ابتداءً من عام 2012. كذلك فإن التجارة في ربع سلع العالم تمر عبر الخليج سنوياً.
حتى هذه اللحظة لم يتم تحقيق الكثير داخل هذا التكتل الآسيوي، لكن تطمح نيودلهي لوضع أسس للتعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الإقليمية المشتركة، في الشحن، والفضاء، والطاقة، والنقل، والسياحة.
رغم الإحصاءات المبهرة، لم تحقق المجموعة الكثير، حيث لم يلتقِ قادة الدول السبع سوى ثلاث مرات في 2004 و2008 و2014. بعدها حظيت بزخم عندما دعت الهند دول المجموعة إلى منتدى عُقد في ولاية غوا عام 2016. منذ ذلك الحين تحاول الهند، التي تعد أكبر دولة اقتصادياً وعسكرياً في المجموعة، دعم المنتدى كبديل لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، الذي يضم ثماني دول منها أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش، والهند، والمالديف، ونيبال، وباكستان، وسريلانكا، الذي تأسس عام 1985.

ما سر اهتمام الهند بهذه المجموعة؟
تمثل مجموعة الـ«بمستيك» جسراً يربط بين جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا. وللدولتين الواقعتين جنوب شرقي آسيا، وهما ميانمار وتايلاند، موقعاً مهماً في خطط التواصل الطموحة الهندية الخاصة بمنطقة الشمال الشرقي. ميانمار هي الدولة الوحيدة في جنوب شرقي آسيا التي تربطها حدود برية مع الهند، ويعد الطريق السريع، الذي يربط بين الهند وميانمار وتايلاند، واحداً من المشروعات الأساسية التي يتم التخطيط لها في إطار سياسة الحكومة الهندية «التوجه نحو الشرق». وفي الوقت الذي يعرقل فيه التخاصم والتعارض بين الهند وباكستان العمل السلس لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، يمكن لمجموعات مثل الـ«بمستيك» تطوير مفهوم التعاون الإقليمي بطريقة مختلفة. هناك أسباب جيوسياسية وراء حرص الهند على تفعيل المجموعة ومنها أن العلاقات الهندية - الباكستانية حجرة عثرة في طريق الهند نحو التحول إلى قوة إقليمية، وباكستان ليست عضواً في تلك المجموعة. كذلك تمثل الصين حجرة عثرة أخرى على حد قول المحللين.

الهند تعمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»
هناك توجه في بعض الدوائر نحو رؤية مصالح الهند في مجموعة الـ«بمستيك» كجزء من استراتيجيتها لعزل باكستان، وجعل تلك المجموعة بديلة للاتحاد. من الأسباب الرئيسية التي تدفع الهند نحو التقرب من دول الجوار المشارِكة في مجموعة الـ«بمستيك»، هو العمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي» الذي يقيّد طموحات وتطلعات الهند الاقتصادية المتنامية، وكذلك الدور الذي يمكن أن تضطلع به في تحسين طريقة الحكم الإقليمي. السبب وراء هذا التحول هو تزايد إدراك نيودلهي لعدم سماح التناحر الهندي الباكستاني بتحقيق تعاون إقليمي ذي معنى داخل إطار الاتحاد، حيث تجب الموافقة بالإجماع على كل القرارات الكبرى في الاتحاد، ولأن الهند وباكستان نادراً ما تقبلان عروض ومقترحات بعضهما البعض، لم يحدث تقدم يذكر على مستوى تحقيق التقارب الاقتصادي بين دول جنوب آسيا. وقد رفضت باكستان بنفسها خلال قمة عام 2014 مشروع القمر الاصطناعي الذي طرحته الهند في الوقت الذي حظي فيه المشروع بموافقة باقي الدول الأعضاء. تبدو الهند حالياً عازمة على دعم مبادرات إقليمية لا تشمل باكستان مثل الـ«بمستيك». ويموت الاتحاد موتاً بطيئاً منذ رفضت الهند المشاركة في القمة، التي كان من المقرر عقدها عام 2016 في باكستان، وذلك عقب هجمات إرهابية كبرى شهدتها الهند. كذلك تمكنت نيودلهي من إقناع كل من أفغانستان، ونيبال، وبنغلاديش، وبوتان برفض المشاركة في تلك القمة مما أدى إلى إلغائها.

مجموعة الـ«بمستيك» ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية
الصين عضو مراقب في «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي». خلال القمة الأخيرة للاتحاد في كاتماندو في عام 2014، اقترحت نيبال، بدعمٍ من باكستان، منح الصين عضوية كاملة في الاتحاد وهو ما لم تتقبله الهند. وكتب المحلل الهندي هارش بانت يقول: «لطالما نظرت الهند إلى جنوب آسيا باعتبارها الباحة الخلفية لها، ولم تكن لتسمح لطرف ثالث بالوجود. ترى نيودلهي أن بكين تتطلع لبسط نفوذها في جنوب آسيا من خلال الاتحاد، وهذا سبب آخر جعل رئيس الوزراء الهندي يعيد إحياء مجموعة الـ(بمستيك)، التي على عكس الاتحاد لديها نزعة مناهضة للصين». إضافة إلى ذلك، أصبح المحيط الهندي المحور الاستراتيجي الذي يشهد تنافساً شديداً بين الصين والهند.
كما كتب المحلل السياسي الآخر أتول تاكور في نيودلهي يقول: «تمر 60 في المائة أو أكثر من واردات الصين من النفط عبر المحيط الهندي، وعليها المرور عبر مضيق ملقا الذي يخضع لسيطرة البحرية الأميركية. لذا تحتاج الصين إلى نقاط عبور بديلة في ميانمار وسريلانكا وباكستان والمالديف وبنغلاديش. لذلك يعد خليج البنغال حيوياً بالنسبة إلى الصين، التي يتنامى نفوذها، لتأمين طريقها نحو المحيط الهندي. لا يُرضي ذلك الهند، التي تعتبر جنوب آسيا مجال نفوذها الحصري. تمثل مجموعة الـ(بمستيك) ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية من أجل الهيمنة، حيث تأمل الهند في دفع الصين من خلال تلك المجموعة نحو الانسحاب من المحيط الهندي. الاستثمار الهندي غير المسبوق في قوتها البحرية دليل على رغبتها تلك. لذا لم تأت فكرة دعم الـ(بمستيك) في دوائر صناعة القرار ووضع السياسات الهندية من فراغ».
على الجانب الآخر اتجهت الصين بقوة نحو تمويل وإنشاء بنية تحتية في جنوب وجنوب شرقي آسيا من خلال مبادرة الحزام والطريق تقريباً في كل دول مجموعة الـ«بمستيك» باستثناء بوتان والهند. وقد استحوذت على ميناء هامبانتوتا في سريلانكا في إطار حق انتفاع مدته 99 عاماً كسداد للديون، وتسعى بحماس نحو تنفيذ مشروع إقامة ميناء في المالديف. كذلك انخرطت الصين في ميناء تشيتاغونغ في بنغلاديش.
وذكر كاتب العمود سوبهاجيت روي لدى صحيفة «إنديان إكسبريس»: «مثّلت تلك الهيمنة الدبلوماسية الصينية دافعاً لدول مجموعة الـ(بمستيك) لتعزيز تجمعها والتصدي للنفوذ الصيني. يعد حلف شمال الأطلسي ميتاً، وكذلك مجموعات أخرى من الدول الأوروبية. وتسود التوترات مجلس التعاون الخليجي واتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وتعاني مجموعة (بي بي آي إن)، التي تضم بنغلاديش وبوتان والهند ونيبال، من مشكلات أيضاً. الاختلاف الوحيد هو الوضع بالنسبة إلى مجموعة (بريكس)».

تحديات
من المتوقع أن تواجه الهند تحديات في الداخل والخارج، وسوف تمثل تلك التحديات معضلات سياسية. تعد الهند حالياً أكبر مساهم في ميزانية مجموعة الـ«بمستيك»، وربما تحتاج الهند إلى النظر في تخصيص المزيد من الموارد لها. وقد أوضح هارش بانت قائلاً: «من الأمور التي سوف يتعين على الهند التعامل معها إثبات خطأ الانطباع بأن الـ(بمستيك) كتلة تخضع لهيمنة الهند، وهي مشكلة واجهها اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي لفترة طويلة من قبل. تثير الهيمنة البنيوية للهند على جنوب آسيا الاستياء، وقد وجدت نيودلهي صعوبة في التغلب على تلك المشكلة. في الواقع كان الشك متبادلاً في الاتحاد، ففي الوقت الذي كانت تشعر فيه الهند بالقلق من تعاضد دول الجوار الأصغر ضدها، كانت تلك الدول الأصغر تشعر بالقلق من احتمال أن يؤدي المزيد من التكامل والتقارب إلى هيمنة الهند».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».