كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
TT

كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد

ما أكثر الطرق فعالية لتعطيل النمو الاقتصادي؟ وفقاً لآخر التحليلات التي تغطي فترة زمنية تقارب خمسين عاماً من البيانات والتاريخ الاقتصادي، فإن الأمر في مثل سهولة فرض الرسوم الجمركية والتلاعب بالأفضليات بين مختلف الصناعات والشركات. ويساعد الفساد في ذلك أيضاً.
ونضرب مثالاً بالبرازيل. في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، تحرك أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية بوتيرة نمو سريعة. ولكنّ تركيز الدولة على السياسة التجارية التي وفّرت الحماية للمنتجات المحلية، مثل إنتاج الصلب وتصنيع السيارات، أثر كثيراً على النمو الاقتصادي المنشود. وتآمر الفساد مع التضخم مع الصدمات النفطية في سبعينات القرن الماضي في ارتداد مسار النمو الاقتصادي في البلاد، ولم تتمكن البرازيل من التعافي التام وتعويض خسارتها بالكامل من هذه الفترة وحتى الآن.
وكانت لدى كوريا الجنوبية سياسة حمائية مماثلة أيضاً، ولكنها سرعان ما حولت التركيز على الصادرات والتجارة. وليست كوريا الجنوبية خالية من الفساد بشكل كامل، ولكنها تحتل مرتبة أفضل بكثير من البرازيل فيما يتعلق بالفساد الحكومي المتصور.
كما نفذت كوريا الجنوبية أيضا سياسة صناعية أكثر كفاءة وفعالية. فلقد قفزت إلى المراتب النخبوية من الدول ذات الدخل المرتفع من خلال الاستثمار في القطاعات التنافسية العالمية مثل التكنولوجيا الفائقة.
وفي ستينات القرن الماضي، كان اقتصاد كوريا الجنوبية يساوي ثلث اقتصاد البرازيل، حتى بعد تعديل الكتلة السكانية في البلاد. واليوم، يبلغ نصيب الفرد في كوريا الجنوبية من الناتج الاقتصادي ضعف عملاق قارة أميركا الجنوبية.
ولم يكن ارتداد المسار الاقتصادي قدراً محتماً؛ فلقد بدأت البرازيل رحلتها مع اقتصاد قوي وموارد أكثر مما تملك كوريا الجنوبية. كما أنها لم تكن تعيد بناء الذات خروجاً من حربين كبيرتين مدمرتين. ومع ذلك فلقد تراجعت كثيراً.
ويتكرر الأمر نفسه في مختلف أرجاء العالم. فبلدان ذات موارد وتنوع هائل مثل ماليزيا وموريشيوس -الجزيرة الصغيرة الواقعة في المحيط الهندي على مسافة 500 ميل شرق مدغشقر- واصلت الارتفاع حتى بلغت مستويات المنافسين الأفضل حالاً مثل الفلبين وغانا.
ويساعد تحليلٌ لعشر دول تمثيلية عالية النمو وعشر دول أخرى مخيبة للآمال، نُشر في استعراض بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس بالولايات المتحدة الأميركية، في توضيح الأسباب وراء ذلك. فالمؤسسات تفسر لماذا بدّد بعض البلدان المزايا المبكرة التي نجحت في تحقيقها، بدلاً من رصد الاعتبارات الاقتصادية التقليدية مثل المكاسب المحققة في التكنولوجيا أو الكفاءة، أو المكاسب الناجمة عن المعدات والتعليم.
تتحدى المؤسسات القياس بطبيعتها. كان ينبغي على خبراء الاقتصاد (بينغ وانغ) من جامعة واشنطن وبنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس، و(تسز نغا وونغ) من بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع ريتشموند، و(تشونغ كيه. ييب) من الجامعة الصينية في هونغ كونغ، أن يخرجوا باستنتاج منمق بناء على 51 عاماً من البيانات ومنهجية بحث شائعة الاستخدام في المحاسبة التنموية. غير أن هذا الأسلوب يشير فقط إلى أن المؤسسات هي التي تحدد الرابحين والخاسرين في الاقتصاد. ولم يشر إلى أيّ هذه المؤسسات لعبت الدور الحاسم في الأمر. وبالنسبة إلى ذلك، واصل الخبراء الاقتصاديون الثلاثة البحث والتمحيص في التاريخ الاقتصادي لكل دولة، بحثاً عن مجموعة من العوامل المحتملة. وفي ما يلي إيجاز للاتجاهات التي خلصوا إليها.
يقول الخبير الاقتصادي دارون اسيموغلو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك في كتاب بعنوان «أسباب انهيار الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر»، في حين أنه يعتقد أن الخبير وانغ قد توصل إلى النتيجة الصحيحة، فمن شأن الأبحاث المستقبلية أن تستبعد التفسيرات التنافسية، فضلاً عن محاولات عزل تأثير ميزات المؤسسات المحددة.

- الديمقراطية كمدخل للنمو الاقتصادي
وفي ورقة عمل ترجع إلى عام 2016 نشرها المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية، قال اسيموغلو وزملاؤه المشاركون إن إحدى السمات المشتركة بين العديد من الدول ذات معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة -وهي الحكومة الديمقراطية- تزيد فعلياً من الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل من خلال تشجيع الاستثمار، وزيادة التعليم، وتحفيز الإصلاح الاقتصادي، وتحسين تدابير المنافع العامة، والحد من التوترات الاجتماعية.
ويشير تحليلهم لـ175 دولة في الفترة بين عام 1960 و2010 إلى أن اعتماد النمط الديمقراطي من الحكم تواكَب مع زيادة بنسبة 20 إلى 25 في المائة من الناتج لكل فرد عبر ربع قرن.
وحذر أوليفييه بلانشارد كبير الاقتصاديين سابقاً في صندوق النقد الدولي والزميل الحالي لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، من أنه «نظراً إلى أن الحكومات السيئة ليست جيدة في كثير من المناحي»، فإنه من المستحيل استنباط عوامل محددة من بياناتها. وتترافق الحمائية في غالب الأمر مع الأخطاء السياسية الأخرى، على سبيل المثال. لم يدرس خبراء الاقتصاد الثلاثة فقط دولاً مثل كينيا وجزر القمر التي لطالما وقعت فريسة الفقر المدقع. وإنما بحثوا في أمر بلدان أخرى مثل الأرجنتين وتشيلي والفلبين، والتي كانت من أعظم دول العالم النامي في أوائل ستينات القرن الماضي، ولكنها سرعان ما تدهورت وتراجعت كثيراً عن وتيرة النمو المحققة.
وعمل اتجاهان على توحيد المجموعتين، بما يتجاوز التكنولوجيا والموارد والعوامل البيئية، فلقد زادت كل دولة ذات نمو بطيء تقريباً من الحواجز أمام التجارة الدولية وأسواق رأس المال وفضلت بعض الصناعات والشركات على أخرى، حتى عندما لم يكن هناك من سبب استراتيجي يسوّغ اتخاذ هذه الخطوات أو ارتكاب هذه الأخطاء. وقال الخبير الاقتصادي وانغ: «لدينا الكثير من المشكلات نفسها في الولايات المتحدة الآن. وتحاول الحكومة إقامة الكثير من الحواجز في وجه التجارة. وتسعى كذلك لمساعدة صناعات دون أخرى -مثل الصلب والألمنيوم على سبيل المثال». وأضاف قائلاً: «ينبغي على الحكومات اعتماد السياسة الصناعية التي تعزز النمو الاقتصادي والابتكار، وليست السياسات التي تهدف في الأساس إلى تحقيق الأهداف الانتخابية».

- أميركا تسير إلى الوراء
ومساعدة بعض الصناعات دون غيرها في مقابل الحصول على مساهمات سياسية معينة يحدث غالباً على مرأى ومسمع الجميع، ولذلك فهي لا تتناسب مع الأفكار التقليدية المعنية بالفساد الحكومي. ولكنها، ووفقاً للسيد وانغ، تخلق نوعاً من المشكلات الاقتصادية المماثلة. ويستطرد السيد وانغ قائلاً: «إننا نسير إلى الوراء. ومن شأن ذلك أن يخلق الركود الكبير مرة أخرى. لقد شهدنا الركود الكبير في عام 1929، ثم شهدناه مرة أخرى في عام 2008، ولا أريد أن أشهد ركوداً كبيراً سيئاً آخر. فقد تنفد المصطلحات في توصيفه». وليس السيد بلانشارد على يقين تام بحتمية وقوع الركود، إذ قال: «دعُونا ننحِّ جانباً الآثار النفسية الهائلة للغاية، فمن الأرجح للآثار السلبية أن تقع ببطء شديد مع مرور الوقت. لقد استغرق الأمر من الزمن عقوداً طويلة حتى انهارت الأرجنتين».
ولم تنهر البلدان الناجحة في العينة المطروحة، ولا سيما النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة)، من المنافسة الدولية الشديدة. بدلاً من ذلك، قامت ببناء المؤسسات الضرورية للفوز في معترك الاقتصاد العولمي. وركزت تلك الدول على التصدير بشكل كبير، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع الشركات التنافسية دولياً. كما قامت تلك الدول ببناء البنية التحتية التعليمية، وعززت من العمالة ذات المهارات العالية. وخنقت الأسواق السوداء. وبطبيعة الحال، حافظت على الرسوم الجمركية عند أقل مستوياتها الممكنة نسبياً. وعندما تدخلت هذه الدول في الاقتصاد، كان الهدف هو بناء الميزات الطبيعية بدلاً من استجداء الأصوات الانتخابية أو دفع الرشى للمقربين. وركزت كوريا الجنوبية على تجارة التكنولوجيا الفائقة مع البلدان المجاورة، مثل الصين واليابان. وانطلقت دولة بُتسوانا القارية على مسار تصدير الألماس. واستثمرت موريشيوس كثيراً في قطاع السياحة. ومن المؤكد أن تلك الجزيرة الصغيرة لم يكن أمامها الكثير من الخيارات: فإن أفضل مواردها الطبيعية ذات الشهرة الدولية، طائر الدودو، قد انقرض بكل أسف قبل 350 عاماً.
إن النمو في البلدان الأكثر نجاحاً لم يكن سهلاً ولا سلساً بأي حال من الأحوال، ولكن كان هذا هو السبيل الوحيد للابتعاد عن قطيع الخاسرين. وعندما انتشر النمو العالمي في كل مكان، اعتمدت البلدان الناجحة على القوة الأساسية الذاتية المتمثلة في المؤسسات القوية.

- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

الاقتصاد غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

انخفض سعر الذهب، يوم الثلاثاء، لكنه ظل فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة، قبيل صدور بيانات هامة عن الوظائف والتضخم في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)

مضيق هرمز تحت المجهر الأميركي وأسواق النفط تترقب

تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الثلاثاء، مع ترقب المتداولين لاحتمالية حدوث اضطرابات في الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
بيئة منظر عام للحقول المزهرة حول قرية كاستيلوتشيو دي نورسيا في منطقة أومبريا بإيطاليا - 17 يونيو 2024 (إ.ب.أ)

تقرير: الشركات مدعوّة لحماية الطبيعة الآن أو مواجهة خطر الانقراض

ذكر تقرير صدر اليوم (الاثنين) أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل خطراً على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي، وحض الشركات على التحرك فوراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، ليؤكد النقلة النوعية التي تشهدها هذه الاقتصادات في الساحة العالمية.

هلا صغبيني (العلا)
الاقتصاد مضخة نفط خلف منزل سكني، حيث تتدلى بطانية بنقشة جلد النمر على سياج على ضفاف بحيرة ماراكايبو، فنزويلا (رويترز)

تراجع أسعار النفط مع تعهد الولايات المتحدة وإيران بمواصلة المحادثات

تراجعت أسعار النفط، يوم الاثنين، بعد أن تعهدت الولايات المتحدة وإيران بمواصلة المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«المركزي الصيني» يتعهد بحماية الاستقرار المالي واستقرار اليوان

مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

«المركزي الصيني» يتعهد بحماية الاستقرار المالي واستقرار اليوان

مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

في وقت تزداد فيه التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أعلن «بنك الشعب» المركزي الصيني عزمه على توسيع نطاق الدعم المالي لتعزيز الطلب المحلي ودعم الابتكار التكنولوجي، مؤكداً في الوقت نفسه التزامه بالحفاظ على الاستقرار المالي ومنع المخاطر النظامية. ويأتي هذا التوجه في ظل تباطؤ نسبي في النشاط الاقتصادي العالمي، وضغوط داخلية تتعلق باختلال التوازن بين العرض والطلب.

وأشار بنك الشعب الصيني، في تقريره عن تنفيذ السياسة النقدية للربع الرابع، إلى أن الاقتصاد الصيني «مستقر بشكل عام»، لكنه يواجه تحديات هيكلية تتطلب استجابة أكثر مرونة وفاعلية من أدوات السياسة النقدية والاحترازية. ويعكس هذا التقييم نهجاً حذراً يسعى إلى تحقيق توازن بين دعم النمو وتجنب تراكم المخاطر، لا سيما في ظل استمرار ضعف الطلب المحلي وتأثيرات تباطؤ الاستثمارات العقارية والصناعية.

وفي هذا السياق، تعهد البنك المركزي بخفض تكاليف التزامات البنوك، بما يتيح لها تقديم تمويل أرخص للشركات والأفراد، مع الإبقاء على تكاليف التمويل الاجتماعي عند مستويات منخفضة. وتهدف هذه الخطوة إلى تحفيز الاستهلاك والاستثمار، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والابتكار، التي تراهن عليها بكين كمحرك رئيسي للنمو في المرحلة المقبلة.

كما شدد البنك على عزمه على «توسيع وإثراء» وظائفه في مجالي السياسة الاحترازية الكلية والاستقرار المالي، في إشارة إلى تعزيز الرقابة على النظام المالي ككل، وليس فقط على المؤشرات النقدية التقليدية. ويعكس ذلك إدراك السلطات الصينية لحساسية المرحلة، خصوصاً مع ارتفاع مستويات المديونية في بعض القطاعات، والحاجة إلى منع انتقال أي اضطرابات محلية إلى أزمة مالية أوسع نطاقاً.

وفيما يتعلق بسوق الصرف، أكد البنك المركزي التزامه بمنع «التجاوزات» في سعر صرف اليوان، والحفاظ عليه مستقراً بصورة أساسية. ويكتسب هذا التعهد أهمية خاصة في ظل التقلبات العالمية في أسعار العملات، وتباين السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى، مما قد يفرض ضغوطاً إضافية على العملة الصينية وتدفقات رأس المال.

وتشير هذه التوجهات مجتمعةً إلى أن بكين تسعى إلى استخدام السياسة النقدية أداةً داعمةً للنمو، ولكن ضمن إطار حذر يضع الاستقرار المالي في صدارة الأولويات. وبالنسبة إلى دوائر الأعمال والمستثمرين، فإن الرسالة الأساسية تتمثل في أن السلطات الصينية ما زالت ملتزمة بدعم الاقتصاد، مع الاستعداد للتدخل عند الضرورة لمنع أي مخاطر قد تهدد استدامة النمو أو استقرار النظام المالي، وهو ما يجعل متابعة خطوات البنك المركزي المقبلة عاملاً حاسماً في تقييم آفاق الاقتصاد الصيني خلال الفترة المقبلة.


العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لبيانات مبيعات التجزئة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لبيانات مبيعات التجزئة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بشكل طفيف يوم الثلاثاء، بعد مكاسب حادة في الجلسة السابقة، حيث تعافت أسهم قطاع التكنولوجيا من تراجع كبير، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات مبيعات التجزئة التي تفتتح سلسلة من البيانات الاقتصادية المهمة هذا الأسبوع.

وسجل مؤشر «داو جونز» ثاني أعلى مستوى إغلاق قياسي له على التوالي يوم الاثنين، في حين اقترب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من ذروته المسجلة في يناير (كانون الثاني)، وفق «رويترز».

ورغم تراجع مؤشر «ناسداك» الأسبوع الماضي نتيجة عمليات بيع أسهم التكنولوجيا، لا يزال المؤشر يبعد نحو 3 في المائة فقط عن أعلى مستوى له على الإطلاق، مع إسهام تنويع الاستثمارات بعيداً عن أسهم التكنولوجيا مرتفعة التكلفة في دعم القطاعات الأقل قيمة سوقية، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وفي تمام الساعة 5:24 صباحاً، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز بمقدار 45 نقطة (0.09 في المائة)، والعقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 4.75 نقطة (0.07 في المائة)، في حين سجلت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» ارتفاعاً بمقدار 5 نقاط (0.02 في المائة).

وسينصب التركيز هذا الأسبوع على بيانات الوظائف غير الزراعية المؤجلة، تليها بيانات التضخم الحاسمة التي ستحدد مسار السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وقال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، يوم الاثنين، إن مكاسب الوظائف في الولايات المتحدة قد تتراجع خلال الأشهر المقبلة نتيجة تباطؤ نمو القوى العاملة وارتفاع الإنتاجية.

وتتوقع الأسواق حالياً أن يُبقي «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير حتى يونيو (حزيران)، حيث قد يتولى كيفن وورش، المرشح المحتمل لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، زمام الأمور إذا صادق مجلس الشيوخ على تعيينه.

وفي غضون ذلك، استمرت أرباح الشركات في جذب اهتمام المستثمرين، مع إعلان شركات مثل «كوكاكولا» و«هاسبرو» و«سبوتيفاي» و«هارلي ديفيدسون» نتائجها قبل افتتاح السوق.

في المقابل، انخفضت أسهم شركة «أونسيمي» بنسبة 4.5 في المائة في التداولات قبل السوق، بعد أن جاءت إيرادات الربع الرابع للشركة المصنعة للرقائق الإلكترونية أقل من توقعات «وول ستريت».

ويشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تدقيقاً متجدداً مع ارتفاع توقعات الإنفاق الرأسمالي والمخاوف بشأن العوائد القابلة للقياس، ما أثر سلباً في معنويات المستثمرين، وسيكون الاختبار القادم نتائج شركة «إنفيديا» العملاقة للرقائق في وقت لاحق من هذا الشهر.

وقال كريس ويستون، من شركة «بيبرستون»، في مذكرة: «يبقى أن نرى ما إذا كانت السوق ستعيد تقييم موقعها في قطاعات القيمة، وتنظر إلى البرمجيات على أنها استثمار طويل الأجل، وما إذا كان المستثمرون سيعودون إلى أسهم الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي».

وقد تأثرت أسهم البرمجيات بشدة نتيجة تغير توقعات المستثمرين بعد موجة بيع حادة الأسبوع الماضي مدفوعة بمخاوف المنافسة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من استعادة بعض الخسائر في الجلستَين الماضيتَين، سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للبرمجيات انخفاضاً بنسبة 16 في المائة منذ بداية العام.

كما شهدت أسهم شركة «أب وورك» انخفاضاً يقارب 23 في المائة بعد أن جاءت توقعات منصة العمل الحر للربع الأول أقل من التوقعات.


«بي بي» تعلن سقوط أرباحها بـ 86 % وتصدم المساهمين بقرار «التعليق»

مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

«بي بي» تعلن سقوط أرباحها بـ 86 % وتصدم المساهمين بقرار «التعليق»

مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت عملاق الطاقة البريطانية «بي بي» عن نتائج مالية قاسية لعام 2025، كشفت فيها عن تراجع دراماتيكي في صافي أرباحها بنسبة بلغت 86 في المائة، وقراراً مفاجئاً بتعليق برنامج إعادة شراء الأسهم بالكامل لتوفير السيولة، وسداد الديون.

وتأتي هذه الخطوات الصادمة للمساهمين في وقت حساس للغاية؛ حيث تستعد الشركة لاستقبال رئيسة تنفيذية جديدة في أبريل (نيسان) المقبل، بينما تكافح لإعادة التوازن لميزانيتها وسط انخفاض أسعار النفط العالمية، وتكاليف ضخمة ناتجة عن شطب أصول بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة الخضراء.

لغة الأرقام

أظهرت القوائم المالية للشركة انخفاض صافي الربح بعد الضريبة إلى 55 مليون دولار فقط العام الماضي، مقارنة بـ381 مليون دولار في العام السابق. ولم تكن هذه الأرقام نتاج تراجع المبيعات فحسب، بل شملت شطباً لمرة واحدة بقيمة 4 مليارات دولار تتعلق بقطاعات «التحول الطاقي» في الغاز، والطاقة منخفضة الكربون.

وعلى صعيد الأرباح الأساسية (التي تستثني تقلبات الأسعار، والرسوم لمرة واحدة)، سجلت الشركة 7.5 مليار دولار، بانخفاض قدره 16 في المائة عن العام الماضي، وهو رقم جاء دون توقعات المحللين الذين كانوا يأملون في تحقيق 7.58 مليار دولار.

تعليق «شراء الأسهم» وهبوط البورصة

في خطوة فاجأت الأسواق، قرر مجلس إدارة «بي بي» تعليق برنامج إعادة شراء الأسهم بالكامل، وتوجيه الفائض النقدي لتعزيز الميزانية العمومية، وسداد الديون التي لا تزال «عنيدة» فوق مستوى 22 مليار دولار. هذا القرار الذي أثار موجة من القلق في أوساط المستثمرين، حيث كان يمثل إحدى الأدوات الرئيسة لجذب المساهمين، وتوزيع العوائد، أدى إلى رد فعل فوري وعنيف في بورصة لندن؛ حيث هوى سهم الشركة بنسبة تجاوزت 5 في المائة في التداولات الصباحية، ليصبح من بين الأسوأ أداءً في مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي.

وقالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة للشركة، كارول هاول: «نعلم أن هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، ونحن ندرك تماماً ضرورة الإسراع في تقديم نتائج أفضل لمساهمينا».

ظلال سياسية

لم تكن العوامل الداخلية وحدها هي المسؤولة عن هذا التراجع، فقد أقرت الشركة بأن أداءها تأثر ببيئة أسعار النفط الضعيفة التي خيمت على عام 2025. وتأثرت الأسعار بمخاوف المستثمرين من أن تؤدي التعريفات الجمركية التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، مما أدى إلى تراجع خام «برنت» واستقراره حول 69 دولاراً للبرميل.

مقارنة الصناعة

على نقيض «بي بي»، أظهرت منافستها البريطانية «شل» صموداً أكبر؛ حيث ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 11 في المائة العام الماضي لتصل إلى 17.84 مليار دولار، بفضل زيادة أحجام الإنتاج، وخفض التكاليف. وفي المقابل، انضمت «بي بي» إلى «إكوينور» النرويجية في تسجيل نتائج ربع سنوية ضعيفة، مما يؤكد أن قطاع الطاقة الأوروبي يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة في ظل تقلبات الأسعار، والتحولات السياسية في واشنطن.

حقبة ميغ أونيل

في الأول من أبريل المقبل، ستبدأ ميغ أونيل مهامها رئيسة تنفيذية لـ«بي بي»، لتصبح أول امرأة تقود شركة نفط عالمية كبرى، وأول مرشح خارجي يتولى هذا المنصب في تاريخ الشركة الممتد لـ116 عاماً. أونيل، التي قضت عقوداً في «إكسون موبيل» وقادت «وودسايد إنرجي» الأسترالية، ستواجه تركة ثقيلة تشمل ديوناً ضخمة، وسعر سهم متراجعاً بأكثر من 5 في المائة فور إعلان النتائج الأخيرة. وتتمثل مهمتها الأساسية في بناء شركة «أبسط وأقوى وأكثر قيمة»، مع التركيز على خفض التكاليف التشغيلية، وتحقيق عوائد مجزية للمساهمين الذين يشعرون بالإحباط حالياً.