البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

قوات الجيش تدخل تكريت وتسيطر على جزئها الجنوبي بعملية برية واسعة

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين
TT

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

اعاد البرلمان العراقي اليوم (الثلاثاء) اطلاق العملية السياسية، معبدا الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، بعدما نجح في انتخاب سليم الجبوري رئيسا له، في وقت حققت القوات الحكومية تقدما بارزا في مواجهة المسلحين بدخولها مدينة تكريت.
وحصل الجبوري، مرشح القوى السنية الرئيسة في البرلمان المؤلف من 328 نائبا، على 194 صوتا من بين اصوات 273 نائبا حضروا جلسة اليوم وشاركوا في عملية التصويت، علما ان عدد الاصوات المطلوب للفوز بهذا المنصب هو 165 صوتا.
وحصلت النائب شروق العبايجي التي نافست الجبوري على هذا المنصب، على 19 صوتا، بينما فرزت 60 ورقة تصويت باطلة.
وكان البرلمان العراقي فشل في جلسته الاولى في الاول من يوليو (تموز) في انتخاب رئيس له، بحسب ما ينص الدستور، وفي جلسته الثانية ايضا الاحد الماضي، قبل ان تطغى التوافقات السياسية على جلسة اليوم.
ويتحدر الجبوري من محافظة ديالى شمال شرقي بغداد، وهو عضو في الحزب الاسلامي العراقي.
وتعيد مسألة انتخاب رئيس للبرلمان اطلاق العملية السياسية في العراق وتعبد الطريق امام بدء مفاوضات تشكيل حكومة جديدة تواجه التحديات التي تعصف بهذا البلد، وعلى رأسها الهجوم الكاسح الذي يشنه مسلحون منذ أكثر من شهر.
وينص الدستور على ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوما من تاريخ اول انعقاد للمجلس، على ان يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخابه.
وبحسب العرف السياسي المتبع في العراق، فان رئيس الوزراء يكون شيعيا، ورئيس البرلمان سنيا، ورئيس الجمهورية كرديا.
ويطغى تمسك رئيس الوزراء نوري المالكي بمنصبه على المشهد السياسي، بعدما أكد انه لن يتنازل "أبدا" عن السعي للبقاء على رأس الحكومة لولاية ثالثة، رغم الانتقادات الداخلية والخارجية له والاتهامات الموجهة اليه باحتكار الحكم وتهميش السنة.
ويطالب خصومه السياسيون وبينهم السنة كتلة "التحالف الوطني" اكبر تحالف للاحزاب الشيعية بترشيح سياسي آخر، فيما يصر هو على أحقيته في تشكيل الحكومة مستندا الى فوز لائحته بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (92 نائبا) مقارنة بالكتل الاخرى.
وفي موازاة الاختراق السياسي الذي تحقق في البرلمان اليوم، تمكنت قوات الجيش من دخول تكريت والسيطرة على الجزء الجنوبي من المدينة التي سقطت في ايدي تنظيم "داعش" قبل أكثر من شهر.
وقال محافظ صلاح الدين احمد عبد الجبوري لوكالة "فرانس برس" ان "القوات العراقية تمكنت صباح اليوم من دخول مدينة تكريت" (160 كلم شمال بغداد)". مضيفا أن "قواتنا تمكنت خلال العملية التي بدأت صباحا من السيطرة على الجزء الجنوبي من المدينة، حيث يقع مبنى المحافظة وأكاديمية الشرطة ومستشفى تكريت"، مشيرا الى مشاركة قوات مكافحة الارهاب والنخبة و"متطوعي الحشد الشعبي" في العملية.
وبدأت هذه القوات في 28 من يونيو (حزيران) الماضي تقدمها برا باتجاه مدينة تكريت، كبرى مدن محافظة صلاح الدين، مدعومة بغطاء جوي كثيف.
وتمكنت قوات خاصة للجيش بداية من السيطرة على جامعة تكريت الواقعة في شمال المدينة بعد عملية انزال أعقبتها اشتباكات مع مسلحين لتمهيد الطريق، بحسب مسؤولين عسكريين، لإطلاق العملية البرية لاحقا.
وسيطر مسلحون يقودهم تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)" في 11 يونيو الماضي على المدينة بعد موجة هجمات استهدفت مدنا مهمة ابرزها الموصل (350 كلم شمال بغداد) التي سقطت مع مناطق اخرى من شمال وشرق وغرب البلاد في ايدي هذا التنظيم المسلح.
وفي ناحية الضلوعية (90 كلم شمال بغداد) التي تشهد منذ يومين مواجهات متواصلة بين القوات الحكومية وعشائر من جهة، ومسلحي "داعش" من جهة ثانية، قال احد المقاتلين الموالين للحكومة عمر الجبوري في اتصال مع "فرانس برس" "الجيش يشن عملية كبيرة من الشمال". مضيفا ان "الاشتباكات لا تزال جارية والمسلحون يتحصنون ببعض المباني ولديهم أسلحة قناصة، والقوات الامنية حاليا تعمل على محاصرتهم".
وشن مسلحو تنظيم "داعش" يوم الاحد الماضي هجوما على ناحية الضلوعية، التي تسكنها غالبية سنية، وسيطروا على قسم كبير من الناحية ضمنه مركز الشرطة والمجلس البلدي ومديرية الناحية ومقرات للشرطة.
وتشكل الضلوعية التي خاضت معارك عدة على مدار السنوات الماضية مع تنظيمات متطرفة بينها "القاعدة"، نقطة قتال محورية بالنسبة الى القوات الحكومية وبالنسبة الى المسلحين المتطرفين، ايضا الذين يسعون للزحف نحو بغداد من جهة الشمال.
وبالتزامن مع هذه الأحداث، اعلنت وزارة الدفاع الاميركية ان الفرق العسكرية الاميركية انهت تقييما للقوات الامنية العراقية.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" نقلا عن مسؤولين اميركيين، ان التقرير يذكر ان نصف وحدات الجيش العراقي فقط مؤهلة لتلقي النصح من القوات الاميركية، وان القوات العراقية لديها القدرة للدفاع عن بغداد، لكن ليس بالضرورة عن كامل المدينة.
ومن المفترض ان يدرس وزير الدفاع تشاك هيغل والقادة العسكريين هذا التقرير ثم يرفعون توصية بايفاد بعثات محتملة من المستشارين العسكريين الاميركيين الى العراق، حيث يوجد حاليا نحو 220 من هؤلاء المستشارين.
على صعيد متصل، قتل تسعة من عناصر قوات الامن بينهم ثلاثة ضباط في تفجيرين بعبوتين ناسفتين بعيد منتصف ليل الاثنين / الثلاثاء في منطقة تقع الى الجنوب من بغداد، حسبما افادت مصادر في الشرطة واخرى طبية.
وقال ضابط برتبة عقيد في الشرطة لوكالة "فرانس برس" ان "تسعة من عناصر الجيش ثلاثة منهم ضباط قتلوا وأصيب خمسة آخرون جراء انفجار عبوتين ناسفتين في منطقة المدائن" على بعد 20 كلم جنوب بغداد. وأوضح ان "الضحايا وقعوا في كمين بعد قدومهم لتفقد موقع عبوة ناسفة انفجرت على شارع رئيس، ولدى وصولهم انفجرت الاخرى".
واكد مصدر طبي في مستشفى المدائن لـ"فرانس برس" حصيلة ضحايا التفجيرين.
على صعيد آخر، أعلنت مديرية شرطة محافظة النجف في بيان لها اليوم، أنها بدأت تطبيق قرار صادر عن مجلس المحافظة بمنع بيع وشراء البضائع التركية والسعودية والقطرية، متهمة هذه الدول الثلاث بدعم وتمويل "الارهاب" في العراق.
وجاء في البيان الذي تلقت وكالة "فرانس برس" نسخة منه "من اجل تنفيذ ما أقره مجلس محافظة النجف الاشرف في منع بيع وشراء البضائع التركية والسعودية والقطرية، فان الجهات الامنية المختصة ستقوم بمتابعة التجار والاسواق لمنع تداول بضائع الدول المشار اليها".
واضاف بيان مديرية شرطة النجف ان الجهات الامنية "ستمنع دخولها الى الحدود الادارية للمحافظة وستمهل التجار تصريف البضائع المنتشرة في اسواق محافظة النجف الاشرف ولن تسمح لهم باستيراد بضائع الدول الداعمة للارهاب"، كما جاء في البيان. وتابع البيان "كما ستتخذ اجراءات قانونية صارمة بحق من يتعامل بالبضائع التركية والسعودية والقطرية".
يذكر ان مجلس محافظة النجف اصدر في التاسع من يوليو (تموز) قرارا، أعلن فيه مقاطعة البضائع التركية والسعودية والقطرية والاستعاضة عنها ببضائع من دول اخرى.
وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اتهم في اكثر من مناسبة السعودية وقطر بدعم الجماعات المسلحة المتطرفة في العراق، الأمر الذي اثار استهجانهما، وخاصة المملكة العربية السعودية التي تبذل جهودا كبيرة في القضاء على الارهاب وتجفيف منابعه، وقد أصدرت عدة قرارات تجرم فيه الارهابيين ومن يتعاون معهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.