زيباري ينصح كرزاي بقبول الاتفاق الأمني مع أميركا

هوشيار زيباري (أ.ب) و حميد كرزاي (أ.ب)
هوشيار زيباري (أ.ب) و حميد كرزاي (أ.ب)
TT

زيباري ينصح كرزاي بقبول الاتفاق الأمني مع أميركا

هوشيار زيباري (أ.ب) و حميد كرزاي (أ.ب)
هوشيار زيباري (أ.ب) و حميد كرزاي (أ.ب)

في الوقت الذي يجد نفسه مسؤولا عن إدارة واحدة من أهم الفترات في تاريخ أفغانستان، عقد الرئيس حميد كرزاي اجتماعا خلال الشهر الحالي مع وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، الذي يتولى حقيبة الخارجية العراقية منذ فترة طويلة.
وتعد زيارة زيباري الأولى من نوعها لمسؤول عراقي منذ سنوات طويلة لأفغانستان. وكان السبب الرسمي المعلن لتلك الزيارة هو تسهيل سفر الأفغان الشيعة إلى العراق لزيارة المقامات الدينية الشيعية هناك. بيد أن الزيارة جاءت في التوقيت المناسب، في وقت يبدي كرزاي تشددا ويرجئ توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، تاركا الدعم العسكري الغربي، الذي امتد لسنوات طويلة، والمساعدات التي تساوي مليارات الدولارات في مهب الريح.
في لحظة صراحة ومكاشفة، أعطى زيباري الرئيس كرزاي نصيحة لم يكن من المتوقع الحصول عليها من مسؤول عراقي قبل عامين. فقد نصح زيباري الرئيس كرزاي بقوله: «تجاوز خلافاتك مع الأميركيين ووقع الاتفاق». وأضاف زيباري مخاطبا كرزاي: «لا تقع فريسة لوهم أنه مهما فعلت سيبقى الأميركيون في أفغانستان، فطالما قال كثيرون ذلك عن الوجود الأميركي في العراق، غير أن الأميركيين كانوا يرغبون بشدة في مغادرة العراق، وهي الرغبة نفسها التي يتوقون إلى تحقيقها فيما يخص بلادك».
عندما رحلت آخر قوات أميركية من العراق في عام 2011 في أعقاب انهيار اتفاقية أمنية مماثلة، احتفى كثير من العراقيين بذلك واعتبروا رحيل القوات الأميركية لحظة من لحظات الفخر الوطني، وأعربوا عن إيمانهم العميق في قدرة حكومتهم على الحفاظ على الأمن. بيد أنه ومنذ ذلك الحين، عادت البلاد إلى العنف، إذ قتل الآلاف في هجمات طائفية وقعت العام الحالي.
وحسب رواية مسؤولين عراقيين وأفغان حضروا الاجتماع، قال زيباري للرئيس الأفغاني إنه على الرغم من عوائد النفط التي تقدر بمليارات الدولارات والقوات الأمنية المدربة، لم تعد الحكومة العراقية قادرة حتى على حفظ الأمن في العاصمة بغداد. والسؤال الآن: كيف ستتمكن الحكومة الأفغانية، التي تستطيع بالكاد تمويل 20 في المائة من ميزانيتها كل عام، من السيطرة على البلاد من دون مساعدة الولايات المتحدة الأميركية؟.
وجاء اللقاء في وقت يقف فيه كل من الزعيمين عند مرحلة مختلفة في مسيرتيهما، فأحدهما يتأمل مستقبل بلاده في مرحلة ما بعد الولايات المتحدة، بينما يدخل الآخر في خصومة معها. بيد أنه تبقى الحقيقة أن كرزاي سمع تلك النصيحة مرات كثيرة من قبل.
في الحقيقة، استشهد المسؤولون الأميركيون بالانسحاب من العراق وما جرى بعده كمثال تحذيري، ينبغي وضعه في الحسبان، عند الحديث مع الصحافيين والمسؤولين الأفغان عن الجهود الشاقة من أجل التوصل لاتفاقية أمنية مع الأفغان. وخلال الفترة التي تلت تصريح كرزاي أنه سيرجئ التوقيع على الاتفاقية الأمنية، حذره كثير من المسؤولين الأميركيين الكبار من أنه سيجد نفسه مجبرا على البدء في النظر بشأن «الخيار صفر»، الذي يعني انسحابا نهائيا للقوات الأميركية من أفغانستان في عام 2014، إذا لم يتبن مسارا مغايرا لذلك الذي ينتهجه في الوقت الحالي.
غير أنه بدا واضحا أن كرزاي لم يستمع جيدا لنصيحة زيباري، وهذا ما جعل المسؤولين الأفغان يشعرون بخيبة أمل كبيرة، إذ كانوا يأملون أن يستوعب رئيسهم الدرس من المشكلات التي يعانيها العراق حاليا. وتعليقا على ما جاء في اجتماعه مع زيباري، قال كرزاي لمجموعة صغيرة من المسؤولين الأفغان بعد نهاية الاجتماع، «أرأيتم؟ الأميركيون يحتاجون بشدة لتوقيع هذه الاتفاقية، فقد لجأوا إلى العراقيين لممارسة الضغط علي للقبول بها».
وفي لقاء عبر الهاتف، أصر زيباري على أن نصيحته لكرزاي جاء تعبيرا عن حسن النية، ولم تكن أبدا بإيعاز من الأميركيين. وأضاف زيباري: «بعد مرور عامين على انسحاب القوات الأميركية من العراق، وبسبب تصاعد العنف في البلاد، عدنا إلى واشنطن، طالبين منهم استمرار الدعم والمساعدة العسكرية»، في إشارة إلى الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى الولايات المتحدة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد الزيادة الكبيرة في الهجمات التي تشنها القاعدة والمسلحون السنة في العراق، مشيرا إلى أنه «ينبغي على المرء أن يستفيد من تجربة العراق في هذا الشأن».
في عام 2011، فشلت واشنطن وبغداد في عقد الاتفاقية الأمنية بسبب ما كان يحدث على الساحة السياسية الداخلية في العراق. إلا أنه يبدو في رد كرزاي على نصيحة زيباري واحد من الأسباب الرئيسية التي قد تدفع الولايات المتحدة إلى مغادرة أفغانستان على الفور ودون أي تأخير، على الرغم من أنه يوجد كثيرون في إدارة الرئيس باراك أوباما ممن لا يريدون أن يروا عقدا من الزمان تزهق فيه الأرواح ويضيع كثير من المال هباء.
ورغم إلمامه بالعواقب المحتملة لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، يبدو كرزاي كأنه اختزل تلك الفترة الأهم من تاريخ أفغانستان مرة أخرى في شخصه هو. وبغض النظر عما إذا كان ذلك نابعا من جنون العظمة أو شكوك مبررة، فلا شك أن رد فعل الرئيس الأفغاني ينم عن شعور عميق بانعدام الثقة في حلفائه الأميركيين.
وفي حديثه مع صحيفة «لوموند» الفرنسية الأسبوع الماضي، قال كرزاي: «حتى وإن كانوا لا يريدون خداعنا، فلن نخضع للضغوط من أجل توقيع الاتفاقية إلا إذا تحققت مطالبنا. ما سمعته هذه الأيام، وما سمعته قبل ذلك لا يعبر بأي حال من الأحوال إلا عن نموذج من نماذج الاستغلال ذات الطابع الاستعماري».
وفي جميع الأحوال، لم يجر استخدام شبح النموذج العراقي فقط للتهديد، إلا أنه كان يطل برأسه في كل خطوة من خطوات المفاوضات، التي عقدت في البيت الأبيض والقصر الرئاسي الأفغاني، بشأن وجود طويل الأمد لقوات أميركية في أفغانستان.
يرى الأميركيون، الذين يودون الاحتفاظ بقوات عسكرية في أفغانستان، الوضع في العراق نموذجا قد يدفع الأفغان إلى العدول عن موقفهم من توقيع الاتفاقية. ويقول مسؤول كبير في الإدارة الأميركية: «يمكنك الإشارة إلى ما يجري في العراق، وساعتها تستطيع أن تقول: لا يمكننا أن نسمح لذلك أن يحدث في أفغانستان».
أما أولئك الذين يريدون انسحابا كاملا للقوات الأميركية من أفغانستان، فلديهم إحساس بأن بلادهم تجنبت فشلا كبيرا في العراق. ويقول مسؤول أميركي آخر إنه لم ينتج عن مغادرة القوات الأميركية للأراضي العراقية أية خسائر سياسية في أميركا، كما أنها ساعدت في حقن دماء كثير من أبناء الأميركيين.
وعلى الرغم من ذلك، لا يرغب المؤيدون للانسحاب الكامل في رؤية دماء تراق في أفغانستان مثل ذلك الذي يحدث في العراق الآن. وكان اجتماع المجلس الأعلى لزعماء القبائل في أفغانستان (لويا جيرغا) قد أسفر عن موافقة المجتمعين على توقيع الاتفاقية الأمنية، في إشارة إلى أن بعضا من الشعب الأفغاني يرغبون في استمرار الدعم الأميركي لبلادهم. وأضاف المسؤول الكبير في الإدارة الأميركية أن المسؤولين الأميركيين لا يريدون «معاقبة الشعب الأفغاني» بسبب التعنت الذي يبديه كرزاي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
TT

خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة، خصوصاً الطائرات المسيّرة، إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة، ويوسع خيارات القيادة العسكرية والسياسية، بما يسهم في إعادة بناء معادلة القوة والردع في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأكد الخبراء أن فاعلية هذه القدرات تبقى مرهونة بتوحيد القرار العسكري، ودمجها في منظومة عمليات مشتركة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، إلى جانب منظومات الاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة.

ورأوا أن التصعيد الحوثي الأخير لا يستهدف بالضرورة تحقيق نصر ميداني مباشر، بقدر ما يسعى إلى إرباك مسار إعادة بناء القوات الحكومية، واستنزاف قدراتها، واختبار جاهزيتها، ومنعها من الانتقال إلى المبادرة.

وجاءت هذه التقديرات خلال ندوة نظمها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات»، تحت عنوان «التحولات العسكرية في اليمن: موازين القوى ومسارات التصعيد ومستقبل الصراع»، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين وقيادات في المقاومة الشعبية.

تحول في القوة الجوية

قال العميد الركن ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اليمن والمنطقة يمران بمرحلة بالغة الحساسية، في ظل تحولات إقليمية ودولية وضعت الصراع اليمني في قلب معادلات أمنية متداخلة.

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

وأوضح أن الحديث لا يزال يدور عن قدرات جوية حكومية محدودة، وليس عن سلاح جو متكامل بمفهومه التقليدي، إلا أن دخول مجموعات من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة يمثل إضافة نوعية قد تحدث تحولاً في موازين القوة.

وأشار صالح إلى أن هذه القدرات تتيح تنفيذ مهام الاستطلاع، والإسناد القريب للقوات البرية، ومراقبة محاور الاقتراب، واستهداف التعزيزات وخطوط الإمداد، بما يمنح القيادة خيارات عملياتية أوسع.

وشدد، في المقابل، على أن امتلاك المسيّرات لا يكفي وحده لإحداث تغيير حاسم؛ إذ تتوقف فاعليتها على دمجها في منظومة موحدة للقيادة والنيران، وتوفير التدريب والصيانة والاتصالات الآمنة والمعلومات الاستخباراتية.

وعدّ صالح تعيين قيادة للقوات الجوية مؤشراً إلى توجه لإعادة بناء أحد أهم صنوف القوات المسلحة، موضحاً أن الاعتماد المرحلي على الطائرات غير المأهولة قد يوفر قيمة عملياتية وردعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة، على أن يجري تطوير سلاح الجو وفق متطلبات الحرب الحديثة واحتياجات الدولة بعد انتهاء الصراع.

توحيد القرار العسكري

من جهته، قال العميد الركن محمد الكميم، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن المؤسسة العسكرية الحكومية اضطرت إلى خوض الحرب وإعادة بناء نفسها في الوقت نفسه، بعدما سيطر الحوثيون على مراكز قيادة ومعسكرات ومخازن رئيسية للدولة.

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

وأوضح أن تعدد مراكز القرار انعكس سابقاً على أداء الجبهات، وأتاح للحوثيين نقل الضغط بين المحاور واختيار توقيت الهجمات ومواقعها، لكنه أشار إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت خطوات متقدمة لإعادة ربط التشكيلات العسكرية بوزارة الدفاع والقيادة العليا، وتوسيع التدريب والتأهيل، وتحسين التنسيق بين الجبهات.

ورأى الكميم أن توحيد القيادة والسيطرة يمثل العامل الأهم في تغيير معادلة الحرب؛ لأن تعدد القوات لا ينتج أثراً حاسماً ما دامت كل جبهة تعمل بقرار منفصل، بينما يتيح القرار الموحد توزيع الضغط، وتحريك الاحتياط، وفتح مسارات بديلة، وانتزاع زمام المبادرة من الخصم.

وبحسب الكميم، يسعى الحوثيون من خلال التصعيد الراهن إلى تثبيت القوات الحكومية في وضع دفاعي، واستنزاف ذخائرها، واختبار جاهزيتها، وإثارة القلق في حواضنها الاجتماعية، بالتزامن مع محاولات إعادة تنظيمها وتوحيد قيادتها.

ثغرة الاتصالات

وناقشت الندوة استمرار سيطرة الحوثيين على جزء مهم من البنية الوطنية للاتصالات، وما يمثله ذلك من ثغرة استراتيجية وأمنية ومورد مالي للجماعة.

وقال العميد ياسر صالح إن القوات المسلحة طورت وسائل بديلة لإدارة العمليات ونقل الأوامر، إلا أن ذلك لا يغني عن إنشاء منظومة اتصالات وطنية مستقلة وآمنة ومشفرة ومتعددة المسارات، محذراً من أن أي مواجهة مقبلة ستتطلب انضباطاً صارماً في استخدام الاتصالات للحد من الاختراق والرصد.

عوامل بقاء الحوثيين

وحدد ياسر صالح جملة من العوامل التي مكّنت الحوثيين من الاستمرار، من بينها التعبئة الآيديولوجية، والسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، والاستفادة من تشتت الخصوم، والدعم الإيراني في مجالات الصواريخ والمسيّرات والتكتيكات العسكرية، فضلاً عن التحكم بكتلة سكانية كبيرة وموقع جيوسياسي مؤثر.

صورة وزعها الحوثيون لطائرة مسيرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)

بدوره، رأى الدكتور محمد الحميري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن التصعيد الحوثي لا ينفصل عن التوترات الإقليمية وأمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. وقال إن الجماعة تستخدم التهديد باستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية للضغط على السعودية والقوى الدولية، وانتزاع تنازلات في مسار التسوية، وتحسين موقعها التفاوضي عبر نقل الأزمة اليمنية من نطاقها المحلي إلى دائرة المصالح الإقليمية والدولية.


«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي بدأته الجماعة الحوثية في اليمن، أعادت قياداتها توزيع مراكز وجودها وإدارة مؤسساتها في مناطق سيطرتها، وسط إجراءات أمنية مشددة؛ تحسباً لاستهدافها، شملت تحويل فنادق رئيسية في صنعاء والحديدة وصعدة ومدن أخرى إلى مقار مؤقتة لإدارة الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمؤسسات المدنية.

وقالت مصادر أمنية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن ضباطاً من «الحرس الثوري» الإيراني يتولون الإشراف على إدارة التصعيد، وإن ما يسمى السفير الإيراني لدى الحوثيين، علي محمد رضائي، يشرف شخصياً على غرفة عمليات تدير الجوانب العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، فقد تلقى مسؤولون أمنيون ومخابراتيون ووزراء ورؤساء هيئات حكومية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً تعليمات بالانتقال إلى فنادق والإقامة فيها ومواصلة أداء مهامهم من هناك، في إجراء قالت المصادر إنه يهدف إلى الاحتماء بالمدنيين والنزلاء وتجنب استهداف القيادات.

القيادي الإيراني محمد رضائي (يسار) يشرف على غرفة التصعيد الحوثي (إعلام محلي)

وأفادت المصادر بأن «الحرس الثوري» أنشأ غرفة عمليات خاصة لمتابعة التصعيد الميداني والخطاب الإعلامي المواكب له، بما في ذلك الترويج لمزاعم الحصار والمطالبة بصرف رواتب الموظفين الحكوميين، في محاولة، وفق المصادر، لإظهار التصعيد على أنه مرتبطاً بقضايا داخلية، بينما يتمثل هدفه الرئيسي في دعم طهران خلال مواجهتها مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الضباط الإيرانيين يتوقعون أن يرد تحالف دعم الشرعية على التصعيد باستهداف القيادات الحوثية الأمنية والعسكرية والحكومية، على غرار ما حدث خلال مراحل سابقة؛ الأمر الذي دفع بالجماعة إلى اتخاذ احتياطات إضافية لحماية قادتها.

الفنادق «مخابئ»

وفق المصادر، فقد جرى نقل عدد من القيادات الحوثية إلى فنادق داخل المدن الرئيسية الخاضعة للحوثيين، واختيار عناصر مخابراتية موثوقة لتكون حلقة وصل بينها وبين الجهات التي تديرها.

وتتولى هذه العناصر نقل التوجيهات والطلبات إلى المستويات الأدنى في المؤسسات والمرافق الحكومية، إضافة إلى توفير المعلومات والاحتياجات للقيادات الموجودة في أماكن الإقامة الجديدة.

قيادات حوثية اختفت عن المشهد عقب استهداف اجتماع سري لحكومتهم (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن هذا التغيير شمل وزراء في حكومة الحوثيين ورؤساء هيئات ومؤسسات، تلقوا توجيهات بمواصلة أعمالهم من داخل الفنادق التي جرى توزيعهم عليها في صنعاء ومدن أخرى، بينما أوكلت إلى قيادات الصف الثاني مهمة إدارة النشاط العام.

وتزامنت هذه الإجراءات مع اختفاء عدد من قادة الصف الأول وامتناعهم عن الظهور العلني، وانتقالهم إلى أماكن أكبر أمناً، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الجماعة فرضت في الوقت نفسه إجراءات أمنية إضافية على الفنادق، وربطت بعضها بشبكات تابعة لأجهزة المخابرات والشرطة الخاضعة لسيطرتها؛ بهدف مراقبة النزلاء والتحقق من هوياتهم ومنع أي اختراقات أمنية.

صعدة منطقة مغلقة

بشأن قيادات الصف الأول في الجماعة الحوثية، قالت المصادر إن عدداً منهم انتقل إلى محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة في شمال اليمن، التي تحولت، وفق وصفها، منطقةً أمنيةً مغلقةً تخضع إجراءات الدخول إليها والخروج منها لتدقيق وموافقات مسبقة.

وأشارت المصادر إلى وجود مواقع حوثية محصنة تحت الجبال في المحافظة تُستخدم للاحتماء وإدارة العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة، إضافة إلى مواقع أخرى استُحدثت في محافظات مختلفة.

قيادات الصف الثاني في الجماعة الحوثية تتولى إدارة النشاط العام (إعلام محلي)

كما تلقى قادة ومشرفون حوثيون يديرون المؤسسات الحكومية المحتلة تعليمات من عناصر «الحرس الثوري» بالانتقال إلى فنادق المدن الرئيسية، في حين أُبلغ قادة الوحدات العسكرية بالبقاء في خنادق ومواقع محصنة جرى تجهيزها في مناطق مختلفة.

وقالت المصادر إن الجماعة الحوثية استحدثت شبكة من الأنفاق والمواقع المحصنة للاختباء وإدارة العمليات العسكرية، خصوصاً في محافظات إب وحجة والحديدة، ضمن إجراءات تقول المصادر إنها تستهدف تقليل احتمالات رصد القيادات ومراكز القيادة والسيطرة.

وتُرجع المصادر هذه الإجراءات إلى تجربة الجماعة خلال فترة هجماتها على حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، منذ أواخر 2023 وحتى الربع الأول من 2025، حين لجأت القيادات العسكرية والأمنية إلى مواقع سرية ومساكن بعيدة عن مراكز النشاط العلني؛ مما ساعد، وفق المصادر، على تجنيب عدد من القيادات الاستهداف خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية.

إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع استهداف اجتماع سري لحكومة الحوثيين، وفق المصادر؛ ما أدى إلى مقتل رئيس الحكومة و9 من وزرائها، إضافة إلى استهداف رئيس أركان الجماعة، رغم الإجراءات التي اتخذتها القيادات لإخفاء أماكن وجودها.

مواقع إطلاق متعددة

بالتوازي مع إجراءات حماية القيادات الحوثية، أشرف ضباط إيرانيون، وفق المصادر، على استحداث مواقع إضافية في مناطق التماس، واختيار مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ حتى لا تعتمد الجماعة على نقطة واحدة لإطلاق هجماتها.

وتقول المصادر إن توزيع مواقع الإطلاق يهدف إلى تقليل فرص رصدها واستهدافها، وإن هذه المواقع توزعت بين محافظات إب وتعز والبيضاء، وظهر ذلك خلال الهجوم الصاروخي المكثف الذي استهدف ميناء المخا.

ووفق المصادر، فقد أطلقت الجماعة نحو 20 صاروخاً من مناطق في محافظة إب، سقط بعضها في أطراف المحافظة، كما استخدمت مناطق خاضعة لسيطرتها بريف تعز لإطلاق دفعات أخرى من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

أضرار واسعة لحقت بمنشآت ميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر يمنية بأن الحوثيين استخدموا معسكرَي الأمن المركزي والحرس الجمهوري في مدينة إب لإطلاق عدد من الصواريخ، فيما أُطلقت صواريخ أخرى من منطقة الأقحوز بمديرية مقبنة غرب تعز، ومن منطقة الحوبان في ضواحي مدينة تعز.

كما استخدمت الجماعة، وفق المصادر نفسها، معسكراً تابعاً لها في منطقة البرح بمديرية مقبنة، القريبة من المخا، لإطلاق معظم الطائرات المسيّرة المشاركة في الهجوم.

وتشير هذه التحركات، وفق المصادر، إلى محاولة الحوثيين إعادة توزيع منظومة القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق الأسلحة، بالتوازي مع إخفاء القيادات السياسية والأمنية والعسكرية داخل تجمعات سكانية وفنادق ومواقع محصنة؛ في مسعى لتقليل تكلفة الاستهداف خلال مرحلة التصعيد الحالية.


3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، باستهداف سفينة تجارية في مضيق باب المندب، الثلاثاء، بالتزامن مع قصف صاروخي ومسيّر طال مدينة المخا الساحلية وميناءها وأحياء سكنية في مأرب ومناطق في تعز، بعد يومَين من هجمات متواصلة على مواقع عسكرية ومنشآت ومناطق مدنية.

وأفادت مصادر يمنية عسكرية، الثلاثاء، بأن هجوماً حوثياً استهدف سفينة تجارية في باب المندب، وأسفر، وفق معلومات أولية، عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها، بينهم إندونيسي وباكستانيان.

صاروخ حوثي ضمن هجمات استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ونقل الإعلام العسكري التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية المرابطة في الساحل الغربي اليمني أن الجماعة الحوثية استهدفت السفينة في مضيق باب المندب، فيما لم يصدر حتى الآن تعليق من الحوثيين بشأن الهجوم أو ملابساته.

وبالتزامن، أعلنت المقاومة الوطنية أن الحوثيين استهدفوا مدينة المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، في هجوم يأتي بعد سلسلة ضربات تعرضت لها المدينة وميناؤها خلال اليومين الماضيين.

هجمات مستمرة

أوضحت مصادر محلية أن الحوثيين استهدفوا، فجر الثلاثاء، مدينة المخا بثلاث ضربات صاروخية، طالت إحداها الميناء، فيما أفاد المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية بأن المدينة وميناءها تعرضا لقصف بالصواريخ الباليستية.

وجاء القصف بعد سماع انفجارات في مدينة إب، قالت مصادر محلية إنها ناجمة عن إطلاق صواريخ باليستية باتجاه المخا، وسط معلومات أولية عن إطلاقها من مناطق في شرق تعز، في حين لم تتوافر، وقت إعداد التقرير، معلومات نهائية عن حجم الأضرار أو الخسائر الناجمة عن الضربات الأخيرة.

مسيرة حوثية هاجمت بها الجماعة ميناء المخا (رويترز)

وفي مأرب، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فيما تحدث سكان عن سماع دوي انفجارين يرجح أنهما نتجا عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وتزامن التصعيد مع مواجهات على جبهة تعز، حيث أعلن الجيش اليمني إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، وأفاد بأسر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended