أوّل قرية صديقة للبيئة بتقنيات متطورة

تجربة هولندية للاكتفاء من موارد المياه والطاقة واستخدام السيارات الكهربائية

أوّل قرية صديقة للبيئة بتقنيات متطورة
TT

أوّل قرية صديقة للبيئة بتقنيات متطورة

أوّل قرية صديقة للبيئة بتقنيات متطورة

تعتزم قرية «ريجين ReGen» في هولندا جمع وتخزين مياهها وطاقتها، وإنتاج غذائها، ومعالجة كثير من مخلفاتها... ودون سيارات.
وفي إطار مشروع جديد، ستشهد مزرعة تقع على مسافة نصف ساعة من العاصمة الهولندية أمستردام، عملية تحوّل إلى نوع جديد من الأحياء السكنية، التي ستعمل فيها المزارع العمودية، إلى جانب الحقول التقليدية والبساتين المحيطة بالمنازل، على تأمين حاجات سكانها الغذائية. وفيها أيضاً، ستتحوّل مخلّفات الطعام إلى غذاء للأسماك لزراعة مائية قائمة في المشروع نفسه. كما ستقع على عاتق منازلها مهمّة تصفية مياه المتساقطات من الأمطار أو قطرات الماء من الجو، ولكنها لن تتضمّن طرقا للسيارات. ووفقا للمخطّط فإن القرية ستعتمد منصة تقنية «لنظام تشغيل القرية» على الذكاء الاصطناعي لإدارة أنظمة الطاقة المتجددة، وإنتاج الغذاء، وتوفير المياه، ومعالجة المخلفات في وقت واحد.

قرية بيئية
تعود فكرة بناء هذا الحي الذي يمتدّ على مساحة 50 أكراً (الأكر نحو 4000 متر مربع)، ويتميّز بالاكتفاء الذاتي ويتولّى جمع وتخزين مياهه وطاقته، وينبت طعامه، ويعالج القسم الأكبر من مخلّفاته، إلى عام 2017. وقد واجه المطوّرون الذين يعرفون باسم «ريجين فيلادجز» المتاعب جرّاء صرامة القوانين، إذ كانت هذه المنطقة في الماضي تقع على قطعة من الأرض مغمورة بالمياه، ليعاد استصلاحها في الستينيات بعد بناء سور بحري. وهذا ما زاد في صعوبة قيام أي جهة غير المالكين بإقامة أي مشروعات، على أراضٍ يستخدم معظمها اليوم في الزراعة. ولكن بعد حصول هذا المشروع أخيرا على ترخيص الحكومة الشهر الماضي، أصبح المطوّرون جاهزون للقيام بالخطوات التالية.
يقول جيمس إيرليتش، مؤسس «ريجين فيلادجز»: «يمكننا أن نصل حيّا سكنيا بالطريقة نفسها التي يجب أن يتصل فيها، أي عبر المصادر الطبيعية». وفي حال نجح المشروع في جمع التمويل الأخير المطلوب للانطلاق بعملية البناء، سيتحوّل ما هو اليوم عبارة عن حقل بسيط إلى مساحة بأقنية ومناطق رطبة جديدة، ومستنقعات صالحة لتجميع مياه الأعاصير (تقع المنطقة على انخفاض 7 أمتار من سطح البحر، وهي معرّضة لخطر الفيضانات)، جاذبة للطيور المهاجرة.

مزارع عمودية
سيتمّ زرع الأرض بالأشجار والحدائق والغابات الغذائية. وستعمل حدائق عمودية موجودة في داخل دفيئات زراعية على إنتاج الطعام ببصمة صغيرة. وستؤمن 203 منازل جديدة، تتراوح بين المنازل الصغيرة والمباني السكنية والفيلات، السكن المطلوب في منطقة قد تشهد ارتفاع عدد سكانها إلى الضعف في السنوات الـ15 المقبلة. وتتراوح أسعار المنازل بين 200000 و850000 يورو.
ويعتقد إيرليتش في حديث له لموقع «فاست كومباني» الإلكتروني، أنّ هذا النوع من البناء سيصبح أكثر شيوعا مع تزايد ارتفاع الأسعار والازدحام في المدن. هذا بالإضافة إلى ضرورة التفكير بتشييد بنى تحتية أكثر فعالية وبصمة بيئية أقلّ.
يهتمّ البناء الجديد بكلّ هذه الأمور من الكهرباء إلى الصرف الصحي، على شكل نظام متصل داخليا وبرامج إلكترونية تصل بعض الأقسام ببعض. وتستطيع السيارات الكهربائية التي ستبقى مركونة على أطراف الحي للحفاظ على أفضلية السير في شوارعه، تخزين طاقة إضافية من الألواح الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة.
يعمل هذا الحي بشكل مختلف عن غالبية الأحياء التي تشبهه. إذ تمّ تصميم منازله دون أماكن مخصصة لركن السيارات في ظلّ التوقعات بانتشار السيارات الذاتية القيادة في السنوات المقبلة، ولتشجيع السكان على السير وركوب الدراجة. ويستطيع السكّان الانتقال إلى العاصمة أو إلى بلدة ألميرة بحافلة تتحرّك على امتداد الحدود الخارجية للحيّ، مع ممرّ مخصص لها. أما المياه، فسيكون مصدرها الرئيسي من جمع المتساقطات. وستركّز المزارع القائمة والمختصة بتربية الدواجن والأسماك، على تأمين جزء كبير من حاجات السكان الغذائية. وفي حال فكّر بعض الجيران بالتطوّع للاهتمام بالحدائق أو تعليم اليوغا أو العناية بكبار السن مثلاً، فسيعمد هذا التجمع السكني إلى استخدام مصرف يتعامل بالعملة الرقمية، على متابعة ساعات عملهم ومنحهم حسومات على رسوم لجنة السكن مقابل جهودهم.

تصاميم عالمية
وتستطيع «آلة الحياة»، وهي نظام يستخدم النباتات والأشجار لتنقية مياه الصرف الصحي، إضافة إلى نظام هاضم لا هوائي منفصل لمعالجة الصرف الصحي، وتأمين المياه للري أو للاستخدام في أنظمة الطاقة. وسيعتمد نظام معالجة مخلفات الطعام والحيوانات على نوع من الحشرات الطائرة والديدان المائية لهضم المخلفات وإنتاج غذاء للأسماك الدواجن. أمّا بالنسبة للمخلّفات المنزلية التقليدية كالزجاج والعلب، فسيقع أمر معالجتها على عاتق نظام إعادة التدوير الخاص بالبلدية، ولو في الفترة على الأقل.
ويرى إيرليتش أنّ هذا التصميم سيكون فعالا في أي مكان آخر في العالم. وتوجد أحياء سكنية أخرى صديقة للبيئة تتضمن مزارع في مناطق أخرى كـ«كويلي لاني» في هاواي، تستخدم أيضا مصادر متجددة للطاقة وتجميع مياه المتساقطات.
وتملك الشركة أيضا خططا لبناء مشروعات مستقبلية بالقرب من مدن مثل لوند في السويد وليجري هفالسو في الدنمارك، وتأمل أخيرا بالنجاح في بناء نسخة أقلّ كلفة من هذه الأحياء في الدول النامية.
ويقول إيرليتش: «يمكننا أن نتخيّل الوصول بهذه الأحياء إلى المناطق الريفية في الهند، وشبه الصحراء الأفريقية، أي المناطق التي نعرف أنها ستشهد ولادة ملياري أو 3 مليارات شخص جديد على هذا الكوكب، وحيث نعلم أيضا أن مئات ملايين الأشخاص فيها يصبحون من أبناء الطبقة المتوسطة. نحن نريد أن نصل سريعا إلى هذه المناطق لنتمكّن من توفير أشكال جديدة من الضواحي والأحياء السكنية».



طرق علمية لتطوير ألواح شمسية اقتصادية وخفيفة الوزن

وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
TT

طرق علمية لتطوير ألواح شمسية اقتصادية وخفيفة الوزن

وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)

تتسارع الأبحاث العلمية حول خلايا البيروفسكايت الشمسية بصفتها واحدة من أكثر تقنيات الطاقة المتجددة وعداً؛ نظراً لما تتمتع به من قدرة عالية على امتصاص الضوء وتحويله كهرباء بكفاءة كبيرة، إضافة إلى انخفاض تكلفة تصنيعها مقارنة بالألواح الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون.

وتعتمد هذه الخلايا على مركبات كيميائية بلورية تُعرف باسم «بيروفسكايت»، ويمكن إنتاجها على أسطح مرنة وخفيفة الوزن؛ ما يتيح تطبيقها في أشكال وتصاميم متنوعة. ورغم مرونتها وسهولة تصنيعها، لا تزال كفاءتها التشغيلية أقل من الألواح السيليكونية المتقدمة. ويُعدّ الاستقرار طويل الأمد أحد التحديات الرئيسية أمام اعتمادها التجاري على نطاق واسع. ومع ذلك، تواصل التحسينات الحديثة في الكفاءة والمتانة تقريب هذه التقنية من الواقع التجاري بسرعة كبيرة.

عينة من خلايا البيروفسكايت التي طورتها جامعة مانشستر (جامعة مانشستر)

«غراء جزيئي»

في هذا السياق، كشفت دراسة قادها باحثون من جامعة مانشستر البريطانية عن مقاربة جزيئية مبتكرة أسهمت في رفع كفاءة خلايا البيروفسكايت وتعزيز متانتها؛ ما أعاد تسليط الضوء على الاستراتيجيات العلمية التي يعتمدها الباحثون حول العالم لتحسين أداء هذه الخلايا. وتوصل الفريق إلى حل مبتكر من خلال الضبط الدقيق للجزيئات التي تغلف أسطح البيروفسكايت، باستخدام جزيئات صغيرة تعمل كنوع من «الغراء الجزيئي»، تثبّت بنية البيروفسكايت وتعزز تماسكها، وفقاً لنتائج الدراسة المنشورة في 12 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Science».

وتكوّن هذه الجزيئات غلافاً واقياً أملس ومستقراً، يمنع تشكّل العيوب المجهرية، ويسمح بتدفق الشحنات الكهربائية بكفاءة أعلى، كما يقلل من تدهور الخلايا بفعل الحرارة أو التعرض المستمر للضوء. وبفضل هذا النهج، تمكن الفريق من تصنيع خلايا شمسية حققت كفاءة تحويل للطاقة بلغت 25.4 في المائة، مع احتفاظها بأكثر من 95 في المائة من أدائها بعد 1100 ساعة من التشغيل المستمر عند درجة حرارة 85 مئوية وتحت أشعة الشمس المباشرة.

يقول الدكتور توماس أنثوبولوس، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة مانشستر، إن الدراسة ركزت على تطوير الهيكل الهجين ثنائي/ ثلاثي الأبعاد لخلايا البيروفسكايت، الذي أصبح عنصراً أساسياً في أحدث الخلايا الشمسية من هذا النوع.

وأضاف أن فهم التفاعلات بين جزيئات الروابط مكّن الباحثين من تحديد الجزيئات المثالية لتطوير خلايا شمسية عالية الكفاءة ومستقرة. وأشار إلى أن كفاءة خلايا البيروفسكايت لا تزال أقل من الألواح السيليكونية المتقدمة، إلا أن أدائها يتحسَّن بشكل مستمر، وهناك أسباب قوية للاعتقاد بأن الكفاءة العالية التي تحققت في المختبر ستتجاوز قريباً كفاءة الألواح التقليدية.

وأكد أن وتيرة التحسينات في الكفاءة والاستقرار التشغيلي خلال السنوات الأخيرة تقرّب هذه التقنية أكثر من الانتشار التجاري الواسع، مع توقع أن تترك خلايا البيروفسكايت الشمسية أثراً ملموساً على مجتمعنا المستقبلي، مشدداً على أهمية تطوير حلول تقلل التأثير البيئي وتستخدم مواد أقل سمية لضمان إنتاج طاقة نظيفة ومستدامة للأجيال المقبلة.

خلايا شمسية ترادفية من السيليكون والبيروفسكايت منتجة بالطريقة الجديدة (جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية)

محاولات لتحسين الأداء

تعددت المحاولات البحثية لرفع كفاءة خلايا البيروفسكايت الشمسية وتحسين استقرارها. ففي سبتمبر (أيلول) 2025، نجح فريق دولي يضم باحثين من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية، ومعهد فراونهوفر لأنظمة الطاقة الشمسية وجامعة فرايبورغ الألمانية، في تطوير تقنية مبتكرة لمعالجة سطح الخلايا الشمسية الترادفية المصنوعة من البيروفسكايت والسيليكون؛ ما عزز كفاءتها واستقرارها بشكل ملحوظ. وتعتمد هذه الطريقة على ترسيب مركب كيميائي مبتكر يُعرف باسم (PDAI)، حسّن التوصيل الكهربائي لطبقة البيروفسكايت بالكامل، وليس السطح فقط؛ ما رفع الأداء الكلي للخلية.

وتتكون الخلايا الشمسية الترادفية من طبقتين، إحداهما من البيروفسكايت والأخرى من السيليكون، بينما تتألف الخلايا الشمسية التقليدية المنتشرة تجارياً من طبقة واحدة من السيليكون. وأظهرت التجارب أن الخلايا المعالَجة بهذه التقنية حققت كفاءة تحويل قياسية بلغت 33.1 في المائة، وجهداً كهربائياً مفتوح الدارة بلغ 2.01 فولت، مع الحفاظ على أداء مستقر عند حرارة تتجاوز 40 مئوية لمدة تزيد على 1500 ساعة.

ويُعدّ هذا الأداء أعلى من الحد الطبيعي للخلايا السيليكونية التقليدية، ويتيح التقاط أكبر قدر من الطاقة الشمسية من خلال الجمع بين طبقة البيروفسكايت والخلية السيليكونية في تصميم مترابط.

وفي يونيو (حزيران) 2025، تمكن فريق دولي بقيادة جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا الصينية من بناء خلايا شمسية ترادفية تعتمد بالكامل على مادة «البيروفسكايت»، وحققت كفاءة قياسية بلغت 29.5 في المائة، بفضل معالجة مبتكرة للواجهات الداخلية للخلايا باستخدام هيكل نانوي معدّل كيميائياً لتعزيز التفاعل بين طبقات الخلية؛ ما أسهم في القضاء على الفجوات المجهرية، والحد من أكسدة القصدير، وتحسين انتقال الشحنات الكهربائية.

وأظهرت الاختبارات أن هذه الخلايا تتمتع بثبات حراري وتشغيلي أفضل مقارنة بالخلايا التقليدية، حيث احتفظت الخلايا الترادفية بنسبة 82 في المائة من كفاءتها بعد 150 ساعة عند 85 مئوية، وحافظت على 93 في المائة من أدائها بعد 450 ساعة من التشغيل المستمر.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تفتح المجال لتوسيع إنتاج خلايا البيروفسكايت عالية الكفاءة على نطاق صناعي، وتتيح تطبيقاتها في أجهزة إلكترونية ضوئية أخرى مثل الكواشف الضوئية والمصابيح (LED).

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، نجح باحثون بجامعة نورث وسترن الأميركية في تطوير طبقة حماية جديدة لخلايا «البيروفسكايت»؛ ما ضاعف عمرها الافتراضي وجعلها أكثر ملاءمة للاستخدام خارج المختبر. وتعتمد هذه التقنية على استبدال الطبقات التقليدية القائمة على الأمونيوم بمركبات «أميدينيوم» أكثر استقراراً، قادرة على مقاومة الحرارة والرطوبة لفترات أطول دون تحلل. وأظهرت التجارب أن الخلايا الجديدة حافظت على 90 في المائة من كفاءتها الأولية بعد 1100 ساعة من التعرض للظروف القاسية، أي أن عمرها تضاعف ثلاث مرات مقارنة بالتصاميم السابقة، مع تسجيل كفاءة تحويل طاقة عالية بلغت 26.3 في المائة؛ ما يجعلها منافساً قوياً لخلايا السيليكون الشمسية الأعلى تكلفة.


بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لطالما نُصحت الشركات بالاستعداد للمستقبل من خلال التركيز على الشباب، والكفاءة الرقمية، والمهارات التقنية، وحُثّت على الاستثمار في «الكفاءات العالية» والتركيز على الجيل القادم. وفي الوقت نفسه، أغفلت هذه الشركات لسنواتٍ طويلة أحد أهم مصادر المواهب الاستراتيجية المتاحة لها: النساء، خصوصاً اللواتي يمتلكن الخبرة الكبيرة، كما كتبت ليتيسيا فيتو(*).

عالم محتدم بالتوترات

يبدو هذا التجاهل الآن أكثر خطورة. فمستقبل العمل يلوح في الأفق وسط التضخم، وأزمات النفط، والحروب، ومختلف أنواع التوترات الجيوسياسية، والقلق الاقتصادي، والشيخوخة السكانية، وتغير المناخ، والآثار المزعزعة للاستقرار للذكاء الاصطناعي. في مثل هذا العالم، تحتاج المؤسسات إلى أشخاص قادرين على التعامل مع الغموض، واجتياز التحولات، والحفاظ على العلاقات، واتخاذ قرارات سليمة تحت الضغط.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل النساء فوق سنِّ الخمسين في غاية الأهمية. إذ إنهن يُعدّون من بين أكثر مصادر المرونة والذكاء والقدرات العملية التي لا تُستغلّ بالشكل الأمثل في سوق العمل (خصوصاً في الدول الغربية التي ينحسر فيها النمو الديموغرافي- المحرر).

أسباب تدعو إلى عدم تجاهل النساء

إذا كانت الشركات جادةً في البقاء والنمو في عصر التقلبات، فإليكم 9 أسباب تدعوها إلى التوقف عن تجاهلهن.

1- التركيبة السكانية. السبب الأول هو الواقع الديموغرافي، ففي المجتمعات التي تشهد شيخوخةً سكانيةً، تُشكِّل النساء فوق سنِّ الخمسين جزءاً متزايداً من السكان، وبالتالي جزءاً متزايداً من القوى العاملة المتاحة. تعيش النساء أطول من الرجال، وغالباً ما يعملن لفترة أطول من الأجيال السابقة، ويُمثّلن نسبةً متناميةً من المواهب ذات الخبرة. ومع ذلك، لا يزلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في مسارات التوظيف، وفي المناصب القيادية، وفي التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة،لذا فإنهن أحد أكبر مخزونات المواهب المتاحة.

2- الخبرة والتحولات المهنية. غالباً ما تكون النساء فوق سنِّ الخمسين خبيرات في التحولات المهنية. لطالما تضمَّنت حياتهن العملية انقطاعات، وتغييرات جذرية، وإعادة ابتكار، وفترات من العمل بدوام جزئي، والعمل الحر، ورعاية الآخرين، والعودة إلى العمل. لذا فإن ما فسَّره أصحاب العمل التقليديون في كثير من الأحيان على أنَّه عدم استقرار، هو في الواقع إلمام عميق بالتغيير. ويتمتع أولئك الذين اجتازوا بالفعل تحولات متعددة بميزة تنافسية.

إجادة التعلم... والحكمة

3- إجادة التعلم. يقودنا هذا إلى ميزة ثالثة: يجيدن التعلم. في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر العاملون الأكثر قيمة على مَن يمتلكون المعرفة فحسب، بل يشملون مَن يستطيعون تطوير أنفسهم باستمرار. غالباً ما تملك النساء فوق سنِّ الخمسين اللواتي اضطررن إلى تغيير قطاعاتهن أو إعادة بناء ثقتهن بأنفسهن بعد النكسات قدرةً فائقةً على التعلم، والتخلي عن بعض المفاهيم القديمة، وإعادة التعلم. إنهن معتادات على التكيُّف، وعلى إثبات أنفسهن من جديد.

4- التمتع بالحكمة في عالم آلي. السبب الرابع هو الحكمة. المعلوم أن الذكاء الاصطناعي يجيد توليد النصوص، وتلخيص المعلومات، وأتمتة المهام المعرفية الروتينية. لكن المؤسسات لا تزدهر بالمعلومات وحدها، بل تزدهر بالتمييز: القدرة على فهم الموقف، وإدراك السياق، وموازنة الخيارات، واستشراف العواقب. هذه ليست مهارات تقنية بحتة، بل هي مهارات إنسانية، وتزداد رسوخاً مع الخبرة. غالباً ما تتمتع النساء فوق سنِّ الخمسين بحكمة متمرسة تُصبح ذات قيمة خاصة في ظلِّ بيئة غير مستقرة. فهنّ أكثر خبرة في التمييز بين الابتكار الحقيقي والضجة الإعلامية الفارغة.

الذكاء العاطفي والتعامل مع الأجيال

5- إضفاء الذكاء العاطفي على المؤسسات. مع ازدياد رقمنة العمل، وازدياد هجينه، وتجزئته، يزداد اعتماد المؤسسات على الأشخاص القادرين على بناء الثقة، وحل التوترات، والحفاظ على سير عمل الفرق. غالباً ما تتمتع النساء فوق سنِّ الخمسين بمهارات شخصية قوية، لم تُصقل فقط من خلال الخبرة العملية الرسمية، بل من خلال سنوات من العمل غير المرئي: التنسيق، والاستماع، والوساطة، والاهتمام، واستشراف الاحتياجات، وإدارة العلاقات. وهي أساسية لأداء المؤسسات.

6- تعزيز بيئات العمل متعددة الأجيال. توظف العديد من الشركات اليوم أجيالاً متعددة في آن واحد، لكن قليلاً منها يعرف كيف يحوّل التنوع العمري إلى ميزة. غالباً ما يظل التركيز منصباً على استقطاب الموظفين الأصغر سناً، وكأن الخبرة عبء وليست ميزة. يمكن للنساء فوق سن الخمسين أن يلعبن دوراً حاسماً في هذا الصدد. بإمكانهن توجيه زميلاتهن الأصغر سناً دون إعادة إنتاج التسلسلات الهرمية الجامدة. بإمكانهن نقل المعرفة، واستقرار فرق العمل، وتقديم منظور تاريخي. كما يمكنهن المساعدة في سد الفجوات الثقافية والمهنية بين الأجيال.

7- التحمّس للمساهمة. غالباً ما يكنَّ متحمسات للمساهمة. وعلى عكس الصورة النمطية، فإن كثيراً من النساء فوق سنِّ الخمسين لا يتراجعن عن العمل. بل على العكس تماماً. غالباً ما يجلب منتصف العمر فهماً أعمق لنقاط القوة والحدود والتطلعات. تهتم كثير من النساء في هذه المرحلة بالمساهمة الفعّالة أكثر من الاهتمام بالمظاهر الشكلية في الشركات. إنهن يعرفن ما يهمهن، وما يبرعن فيه، وما لا يرغبن في تحمله. وهذا غالباً ما يجعلهن فعّالات للغاية.

المرونة خلال الأزمات

8- التمتع بالمرونة في أوقات الأزمات. مع ازدياد احتمالية حدوث صدمة نفطية، واضطرابات اقتصادية، وعدم استقرار جيوسياسي - أو حتى حدوثها بالفعل بحسب وجهة النظر - تحتاج الشركات إلى أشخاص يعرفون كيف يعملون عندما لا تُجدي الخطط التقليدية نفعاً. غالباً ما أمضت النساء فوق سنِّ الخمسين سنوات في التكيُّف مع الندرة وعدم اليقين والخلل المؤسسي - سواء في العمل أو المنزل أو كليهما. إنهنّ يعرفن كيف يُنجزن المزيد بموارد أقل. يعرفن كيف يُعيدن ترتيب الأولويات، ويُبدعن، ويُواصلن العمل عندما تفشل الأنظمة. غالباً ما يكنّ عمليات أكثر من كونهنّ آيديولوجيات، ولديهن مرونة أكثر من الهشاشة. إنهن يعرفن كيفية النجاة من الاضطرابات.

9- فهم المجتمع. النساء يساعدن الشركات على فهم المجتمع الذي تخدمه، إذ إنهن يسهمن في مساعدة المؤسسات على فهم العالم الذي تعمل فيه فعلياً. لذا، يُعدّ توظيف النساء فوق سنِّ الخمسين وسيلةً لفهم المجتمع بشكل أعمق.

هذه بعض الأسباب التي تجعل النساء مستقبل العمل. فظروف الاقتصاد المقبل تُشجِّع أنواع القدرات التي أُجبرن في كثير من الأحيان على تطويرها في صمت. وقد عبّرت كاتبة الخيال العلمي أورسولا ك. لو غوين عن هذه الفكرة ببراعة في مقالتها «عجوز الفضاء». فعندما طُلب منها تخيّل من ينبغي للبشرية أن تُرسل لتمثيل نفسها أمام الكائنات الفضائية، لم تقترح رئيساً أو عالماً بارزاً، بل امرأة مُسِنّة، لأنها وحدها من عاشت كامل مراحل الحياة. لقد عرفت الشباب، والتغيير، والفقد، وإعادة ابتكار الذات، والصمود.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.