كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

يبدو الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب إلى سحنة لا تشبه جيناتها

كمال داود
كمال داود
TT

كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

كمال داود
كمال داود

قبل ثلاثة أعوام لفت كاتب جزائري مغمور اسمه كمال داود الأنظار في فضاء الثقافة الفرانكوفونيّة عندما صدرت روايته (قضيّة ميرسو)، وما لبثت أن طبعت عدة مرات وترجمت إلى عدّة لغات وأثارت الكثير من الجدل في الصحف ومجلات الثقافة. فميرسو هذا الذي استدعاه داود كان بالفعل بطل رواية ألبير كامو الذائعة الصيت (الغريب - 1942) التي يعدّها كثيرون الأنموذج الأعلى لروايات الاغتراب وأدب العبث. لكن داود اختار أن يعيد سرد أحداث تلك الرواية، وهذه المرّة على لسان شقيق الرجل الذي قتله ميرسو في نص كامو. نظريّة داود في تفكيك (غريب) كامو وإعادة قراءة أحداث نصه، أن مؤلفها المعروف عالمياً بمواقفه السياسيّة التقدميّة، سقط في الرواية التي خطّها ضحيّة لنظرة كولونياليّة تسربت إلى لا وعي الفرنسيين، فجعلتهم يُهمشون شخصيّة الجزائري – الآخر - ويتعاطون معها بوصفها مجرد خلفيّة لصراعات الأبطال الغربيين. لمَسَ طرح داود الجريء هذا أوتاراً حسّاسة عند المؤسسة الأدبيّة الفرنسيّة، التي طالما اعتبرت كامو – ربما دون مواقفه السياسيّة – نجم الرّواية الفرنسية في النّصف الثاني من القرن العشرين، ليصبح داود - وروايته التي ولدت من تحت عباءة (الغريب) - موضع أخذ وشدّ بين النقاد، وما لبثت أن ذاعت شهرتها بوصفها تحريراً للرّواية الشهيرة من أدران الثقافة الكولونياليّة ذات النظرة الاستعلائيّة تجاه أهل البلاد الأصليين.
الروائي الجزائري المغمور الذي تجرأ على إعادة تركيب كامو بعد تفكيكه أصبح في يوم وليلة نجم الرواية الفرنسيّة المعاصرة، وفتحت له (قضيّة ميرسو) أبواب الصحف الفرنسيّة الكبرى لينشر فيها مقالات يوميّة تتناقل بعضها «نيويورك تايمز» – صحيفة أميركا الأولى -، وقد جمعت بعضها في كتاب صدر حديثاً بالفرنسيّة والإنجليزيّة.
كان الجميع بانتظار التهام وجبات الأفكار اليوميّة لصوت جزائر ما بعد الكولونياليّة لا سيّما في أجواء الحروب الثقافيّة بين الحضارات التي يشهدها الغرب نتاج صعود الفاشيات الجديدة وتفشي كراهيّة الإسلام والعداء للمهاجرين من الجنوب. لكن الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب سحنة إنسانية أخرى تماماً لا تشبه جيناتها، يكتب نصّاً نزقاً ومنفعلاً وغارقاً لأذنيه في لجة تسطيحات استشراقيّة على أسوأ ما في الاستشراق من مثالب التسطيح.
لم يوفّر داود أحداً من سهام نقده. فهاجم سياسة التعريب التي تبنتها النخبة الجزائريّة الحاكمة بعد الاستقلال عام 1962. معتبراً إيّاها مشروعاً استعماريّاً آخر - إلى جوار المشروع الاستعماري الفرنسي على حد تعبيره -، وضع الجزائريين في حمأة مأزق لغوي فأصبحوا تائهين بين الفرنسيّة والعربيّة الفصحى واللهجات المحليّة، فلا هم فرنساويون ولا عرب ولا جزائريون، وإنما خليط ملفق من كل هؤلاء. كما صبّ غضباً كثيراً على النخبة الجزائريّة الحاكمة، وعلى القوميّة العربيّة، وعلى الشعبويّة الآخذة بزمام الأوروبيين نحو أزمنة مظلمة.
النفور المتبادل بين السّلطات الجزائريّة وداود لا يعني أن ذلك الأخير يَقْصُر اهتمامه على نقد السّلطة، إذ هو يسلق بألسنة حداد بني قومه الجزائريين العاديين، مديناً هلاميتهم وانعدام القدرة على الفعل لديهم في مواجهة جبروت الدّولة، وتعلّقهم بلعبتهم المفضّلة تحويل اللّوم عن مآسيهم – ودائماً بحسب داود - نحو الاستعمار الغربي دون أي مساءلة للذّات أو استعداد لتحمّل المسؤوليّة عمّا آلت إليه بلادهم. وهو بذات المكيال يرفض التضامن مع الفلسطينيين سوى على الصعيد الإنساني المحض، معتبراً أن القضيّة الفلسطينيّة ليست إلا مرآة لفشل العالم العربي المتراكم وتفشي الأصوليّة الإسلاميّة فيه.
في عالم الثقافة المعاصرة التي ما زالت دائبة على نزع القداسة عن كل التابوهات وإخضاعها لمشارط الفكر، فإن مساءلة السّقف العالي لداود، أو الفضاء المفتوح الذي قدّمته له أهم صحف الغرب للانتقاد والتفكيك وإعادة التكوين دون محرمات تبدو شكلاً وكأنها في سياق نظري سليم متوافق مع وقائع الحاضر وروحه. لكن النصّ الداودي – كما في مقالاته المتتابعة في صحف باريس – يبدو مثقلاً بعيوب فكريّة بنيوية، ومفتقداً إلى أي منهجيّة نظريّة محكمة في تقييمه للأحداث، ومكتفياً بلعب دور صدى مقعّر لاتجاهات اليمين الأوروبي المتطرّف مع مبالغة غير مقبولة في استخدام التنميطات الاستشراقيّة الطابع، والتعميمات عديمة المعنى التي لا تستند على أرجل، والآراء الذاتيّة التي تعتمد على تجربة الكاتب الشخصيّة المحضة وحتى المعلومات المغلوطة تاريخيّاً أو واقعيّاً.
داود - الذي كان أصوليّاً إسلاميّاً أيام شبابه قبل أن يتفرنس - يتعاطى في مقالاته مع المسلمين جميعهم وكأنهم كتلة مصمتة متعادلة الكثافة بين أجزائها، تتشارك جميعا في ذات الاستجابات الثقافيّة تجاه الذّات وتجاه الغرب، مهملاً على الإطلاق إمكان النّظر في الظروف الموضوعيّة المحليّة التي تفصل بين المسلمين في بلادهم المتعددة، ويوجه انتقادات لاذعة للمهاجرين المسلمين إلى الغرب يُشفق الغربيّون أنفسهم من قولها بألسنتهم، لا سيّما مقالته بعد حادثة كولون بألمانيا عندما تورطت مجموعة كبيرة من المهاجرين في اعتداءات جنسيّة، وهي المقالة التي تسببت وقتها بجدل واسع داخل فرنسا بعدما أصدر أكاديميون بياناً أدانوا فيه داود «الذي بدل أن يحلل ماذا حصل في كولون، اكتفى بإيراد أكليشيهات استشراقيّة الطابع تغذي مشاعر الإسلاموفوبيا لدى قطاعات من المجتمع الأوروبي».
داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض» – على ما كان فرانز فانون يدعو أمثاله -، الذي يشتاط غضباً من كل نقد موضوعي يوجه لكتاباته، يجد مصفقين له وأكبر المدافعين عنه بين عتاة اليمين الفرنسي تحديداً، الذين يرضيهم أن يجدوا من بين بني جلدتنا من يقوم بمهماتهم التي تفوح منها رائحة العنصريّة، فيقدمونهم إلى جمهورهم بوصفهم التأكيد الملموس على صحة تحذيراتهم من رهاب الإسلام وبدائيّة سلوك المسلمين.
لا شكّ طبعاً أن كل المجتمعات العربيّة والمسلمة تعاني من مصاعب فكريّة وأزمات ثقافيّة بدرجات متفاوتة، وأن عيوباً كثيرة شابت مرحلة ما بعد رحيل القوى الاستعماريّة عنها وفي مقدمها وطن داود الأصلي الجزائر التي نالت استقلالاً باهظاً معمداً ببحر دماء بعد أكثر من 132 عاماً على استعمار استيطاني مبرمج استهدف قبل كل شيء إلغاء معالم الهوّية الجزائريّة وفرنستها بالكامل. ولا شكّ أن هذي المجتمعات على تنوع تجاربها بحاجة ماسّة دوماً إلى نقّاد يمكنهم تفكيك أسباب الضعف والتخلّف، والتلويح لها باتجاه القادم الأفضل. لكن تجربة كمال داود تومئ إلى أن النّقد لن يكون يوماً محايدا سياسيا على الإطلاق، وأن المثقف العربي – مع استثناءات قليلة - ليس بريئاً من الأمراض الثقافيّة والاجتماعيّة التي يحاول أن يهجوها، بل هو مهزوم داخلياً أمام الغرب يبتاع أوهامه المعلبة عن (صراع الحضارات) دون كبير تمحيص.
بروايته الأهم (قضيّة ميرسو) الرّواية المضادة لـ(الغريب)، صعد داود الروائي على أكتاف كامو لينسج خيوط شمس شهرته، لكنه عندما ارتدى بزة الصحافي وقع في بحر من هفوات وتعميماتٍ ثقافيّة مستشرقة، كان ألبير كامو لو اطلع على بعضها لوجد فيها زاداً كثيراً لتفكيك كمال داود وإعادة كتابة (قضيته) من جديد.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».