كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

يبدو الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب إلى سحنة لا تشبه جيناتها

كمال داود
كمال داود
TT

كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

كمال داود
كمال داود

قبل ثلاثة أعوام لفت كاتب جزائري مغمور اسمه كمال داود الأنظار في فضاء الثقافة الفرانكوفونيّة عندما صدرت روايته (قضيّة ميرسو)، وما لبثت أن طبعت عدة مرات وترجمت إلى عدّة لغات وأثارت الكثير من الجدل في الصحف ومجلات الثقافة. فميرسو هذا الذي استدعاه داود كان بالفعل بطل رواية ألبير كامو الذائعة الصيت (الغريب - 1942) التي يعدّها كثيرون الأنموذج الأعلى لروايات الاغتراب وأدب العبث. لكن داود اختار أن يعيد سرد أحداث تلك الرواية، وهذه المرّة على لسان شقيق الرجل الذي قتله ميرسو في نص كامو. نظريّة داود في تفكيك (غريب) كامو وإعادة قراءة أحداث نصه، أن مؤلفها المعروف عالمياً بمواقفه السياسيّة التقدميّة، سقط في الرواية التي خطّها ضحيّة لنظرة كولونياليّة تسربت إلى لا وعي الفرنسيين، فجعلتهم يُهمشون شخصيّة الجزائري – الآخر - ويتعاطون معها بوصفها مجرد خلفيّة لصراعات الأبطال الغربيين. لمَسَ طرح داود الجريء هذا أوتاراً حسّاسة عند المؤسسة الأدبيّة الفرنسيّة، التي طالما اعتبرت كامو – ربما دون مواقفه السياسيّة – نجم الرّواية الفرنسية في النّصف الثاني من القرن العشرين، ليصبح داود - وروايته التي ولدت من تحت عباءة (الغريب) - موضع أخذ وشدّ بين النقاد، وما لبثت أن ذاعت شهرتها بوصفها تحريراً للرّواية الشهيرة من أدران الثقافة الكولونياليّة ذات النظرة الاستعلائيّة تجاه أهل البلاد الأصليين.
الروائي الجزائري المغمور الذي تجرأ على إعادة تركيب كامو بعد تفكيكه أصبح في يوم وليلة نجم الرواية الفرنسيّة المعاصرة، وفتحت له (قضيّة ميرسو) أبواب الصحف الفرنسيّة الكبرى لينشر فيها مقالات يوميّة تتناقل بعضها «نيويورك تايمز» – صحيفة أميركا الأولى -، وقد جمعت بعضها في كتاب صدر حديثاً بالفرنسيّة والإنجليزيّة.
كان الجميع بانتظار التهام وجبات الأفكار اليوميّة لصوت جزائر ما بعد الكولونياليّة لا سيّما في أجواء الحروب الثقافيّة بين الحضارات التي يشهدها الغرب نتاج صعود الفاشيات الجديدة وتفشي كراهيّة الإسلام والعداء للمهاجرين من الجنوب. لكن الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب سحنة إنسانية أخرى تماماً لا تشبه جيناتها، يكتب نصّاً نزقاً ومنفعلاً وغارقاً لأذنيه في لجة تسطيحات استشراقيّة على أسوأ ما في الاستشراق من مثالب التسطيح.
لم يوفّر داود أحداً من سهام نقده. فهاجم سياسة التعريب التي تبنتها النخبة الجزائريّة الحاكمة بعد الاستقلال عام 1962. معتبراً إيّاها مشروعاً استعماريّاً آخر - إلى جوار المشروع الاستعماري الفرنسي على حد تعبيره -، وضع الجزائريين في حمأة مأزق لغوي فأصبحوا تائهين بين الفرنسيّة والعربيّة الفصحى واللهجات المحليّة، فلا هم فرنساويون ولا عرب ولا جزائريون، وإنما خليط ملفق من كل هؤلاء. كما صبّ غضباً كثيراً على النخبة الجزائريّة الحاكمة، وعلى القوميّة العربيّة، وعلى الشعبويّة الآخذة بزمام الأوروبيين نحو أزمنة مظلمة.
النفور المتبادل بين السّلطات الجزائريّة وداود لا يعني أن ذلك الأخير يَقْصُر اهتمامه على نقد السّلطة، إذ هو يسلق بألسنة حداد بني قومه الجزائريين العاديين، مديناً هلاميتهم وانعدام القدرة على الفعل لديهم في مواجهة جبروت الدّولة، وتعلّقهم بلعبتهم المفضّلة تحويل اللّوم عن مآسيهم – ودائماً بحسب داود - نحو الاستعمار الغربي دون أي مساءلة للذّات أو استعداد لتحمّل المسؤوليّة عمّا آلت إليه بلادهم. وهو بذات المكيال يرفض التضامن مع الفلسطينيين سوى على الصعيد الإنساني المحض، معتبراً أن القضيّة الفلسطينيّة ليست إلا مرآة لفشل العالم العربي المتراكم وتفشي الأصوليّة الإسلاميّة فيه.
في عالم الثقافة المعاصرة التي ما زالت دائبة على نزع القداسة عن كل التابوهات وإخضاعها لمشارط الفكر، فإن مساءلة السّقف العالي لداود، أو الفضاء المفتوح الذي قدّمته له أهم صحف الغرب للانتقاد والتفكيك وإعادة التكوين دون محرمات تبدو شكلاً وكأنها في سياق نظري سليم متوافق مع وقائع الحاضر وروحه. لكن النصّ الداودي – كما في مقالاته المتتابعة في صحف باريس – يبدو مثقلاً بعيوب فكريّة بنيوية، ومفتقداً إلى أي منهجيّة نظريّة محكمة في تقييمه للأحداث، ومكتفياً بلعب دور صدى مقعّر لاتجاهات اليمين الأوروبي المتطرّف مع مبالغة غير مقبولة في استخدام التنميطات الاستشراقيّة الطابع، والتعميمات عديمة المعنى التي لا تستند على أرجل، والآراء الذاتيّة التي تعتمد على تجربة الكاتب الشخصيّة المحضة وحتى المعلومات المغلوطة تاريخيّاً أو واقعيّاً.
داود - الذي كان أصوليّاً إسلاميّاً أيام شبابه قبل أن يتفرنس - يتعاطى في مقالاته مع المسلمين جميعهم وكأنهم كتلة مصمتة متعادلة الكثافة بين أجزائها، تتشارك جميعا في ذات الاستجابات الثقافيّة تجاه الذّات وتجاه الغرب، مهملاً على الإطلاق إمكان النّظر في الظروف الموضوعيّة المحليّة التي تفصل بين المسلمين في بلادهم المتعددة، ويوجه انتقادات لاذعة للمهاجرين المسلمين إلى الغرب يُشفق الغربيّون أنفسهم من قولها بألسنتهم، لا سيّما مقالته بعد حادثة كولون بألمانيا عندما تورطت مجموعة كبيرة من المهاجرين في اعتداءات جنسيّة، وهي المقالة التي تسببت وقتها بجدل واسع داخل فرنسا بعدما أصدر أكاديميون بياناً أدانوا فيه داود «الذي بدل أن يحلل ماذا حصل في كولون، اكتفى بإيراد أكليشيهات استشراقيّة الطابع تغذي مشاعر الإسلاموفوبيا لدى قطاعات من المجتمع الأوروبي».
داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض» – على ما كان فرانز فانون يدعو أمثاله -، الذي يشتاط غضباً من كل نقد موضوعي يوجه لكتاباته، يجد مصفقين له وأكبر المدافعين عنه بين عتاة اليمين الفرنسي تحديداً، الذين يرضيهم أن يجدوا من بين بني جلدتنا من يقوم بمهماتهم التي تفوح منها رائحة العنصريّة، فيقدمونهم إلى جمهورهم بوصفهم التأكيد الملموس على صحة تحذيراتهم من رهاب الإسلام وبدائيّة سلوك المسلمين.
لا شكّ طبعاً أن كل المجتمعات العربيّة والمسلمة تعاني من مصاعب فكريّة وأزمات ثقافيّة بدرجات متفاوتة، وأن عيوباً كثيرة شابت مرحلة ما بعد رحيل القوى الاستعماريّة عنها وفي مقدمها وطن داود الأصلي الجزائر التي نالت استقلالاً باهظاً معمداً ببحر دماء بعد أكثر من 132 عاماً على استعمار استيطاني مبرمج استهدف قبل كل شيء إلغاء معالم الهوّية الجزائريّة وفرنستها بالكامل. ولا شكّ أن هذي المجتمعات على تنوع تجاربها بحاجة ماسّة دوماً إلى نقّاد يمكنهم تفكيك أسباب الضعف والتخلّف، والتلويح لها باتجاه القادم الأفضل. لكن تجربة كمال داود تومئ إلى أن النّقد لن يكون يوماً محايدا سياسيا على الإطلاق، وأن المثقف العربي – مع استثناءات قليلة - ليس بريئاً من الأمراض الثقافيّة والاجتماعيّة التي يحاول أن يهجوها، بل هو مهزوم داخلياً أمام الغرب يبتاع أوهامه المعلبة عن (صراع الحضارات) دون كبير تمحيص.
بروايته الأهم (قضيّة ميرسو) الرّواية المضادة لـ(الغريب)، صعد داود الروائي على أكتاف كامو لينسج خيوط شمس شهرته، لكنه عندما ارتدى بزة الصحافي وقع في بحر من هفوات وتعميماتٍ ثقافيّة مستشرقة، كان ألبير كامو لو اطلع على بعضها لوجد فيها زاداً كثيراً لتفكيك كمال داود وإعادة كتابة (قضيته) من جديد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.