سكوت موريسون... يقود أستراليا أكثر نحو اليمين المتشدد

التصدي للجوء والهجرة في مقدمة أولويات رئيس الحكومة الجديد

سكوت موريسون... يقود أستراليا أكثر نحو اليمين المتشدد
TT

سكوت موريسون... يقود أستراليا أكثر نحو اليمين المتشدد

سكوت موريسون... يقود أستراليا أكثر نحو اليمين المتشدد

بفارق خمسة أصوات فقط، انتزع سكوت موريسون رئاسة حكومة أستراليا من زميله وسَلَفه مالكوم تورنبول ليغدو رئيس الوزراء الأسترالي الـ30. بل والسادس خلال 11 سنة فقط. وفيما أصبحت «الانقلابات الناعمة» جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي الأسترالي، يحمل موريسون على عاتقه مسؤولية تضميد جراح حزبه، حزب الأحرار، الذي هو واقعياً حزب محافظ يشكل القطب اليميني في وجه حزب العمال الأسترالي الذي يمثل تقليدياً يسار الوسط، وذلك قبل سنة واحدة من الانتخابات العامة المتوقعة في مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019.
عُرف موريسون في الحلبة السياسية بالعاصمة الأسترالية الاتحادية كانبيرا، بسياساته المتشدّدة حيال المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء الذين يصلون إلى بلاده بحراً. إلا أنه حتى ثلاثة أيام قبل «انقلاب» الجناح اليميني في حزبه على زعيمه، كان موريسون يعلن ولاءه ودعمه لتورنبول.

لم يكن سكوت موريسون، رئيس وزراء أستراليا الجديد ووزير خزانتها (المالية) السابق الخيار الأول لقيادة البلاد بعد إطاحة رئيس الوزراء السابق مالكولم تورنبول. ذلك أن قادة الجناح اليميني المتشدد في حزب الأحرار الأسترالي، الذين أطاحوا مؤخراً بتورنبول بعد انتقادهم تراجع أداء الحزب في استطلاعات الرأي، كانوا يفضلون وزير الداخلية بيتر داتون. وداتون، ضابط الشرطة السابق وأشد قادة هذا الجناح تشدداً، هو الذي قاد في الكواليس حركة التمرد الانقلابية داخل الحزب على رئيس الوزراء السابق وسياساته المعتدلة الحصيفة. ولكن بعد أسبوع من المناورات السياسية في كانبيرا، فاز موريسون، بعدما حصل على دعم غالبية النواب الذين اعتبروه مرشحاً «معتدلاً» - مقارنة مع داتون - وبالتالي، أكثر قبولاً لبقية أجنحة الحزب وتياراته، ولا يناقض الجزء الأساسي من استراتيجية الحكومة التي قادها تورنبول.
وزير الخزانة السابق فاز في تصويت حزبي بـ45 صوتاً مقابل 40 لداتون. ومن ثم، أدى اليمين رسمياً رئيساً للحكومة في ساعة متأخرة من يوم الجمعة 24 أغسطس (آب)، في كانبيرا. وحلّ وزير البيئة جوش فرايدنبرغ، الذي انتخب نائباً لزعيم الحزب، محله وزيرا للخزانة. ما يذكر أنه سبق لموريسون أن شغل منصب مدير إحدى أهم هيئات السياحة الأسترالية قبل اقتحامه عالم السياسة وتوليه حقيبتين وزارتين بارزتين هما الهجرة ثم الخزانة.

- مسيحي إنجيلي
ويعد موريسون رئيس حكومة من نوع جديد، إذ إنه كسر تقليداً أسترالياً عريقاً حيث السياسة «علمانية» إلى حد كبير. إذ إنه أول رئيس وزراء ينتمي إلى المسيحيين الإنجيليين، الذين لا ينفكّ عددهم في الارتفاع، ما يطرح أسئلة حول دور معتقداته الدينية في تحديد توجهاته السياسية في الداخل والخارج. وفي هذا السياق، سبق لموريسون مراراً في الماضي معارضة زواج المثليين في أستراليا، إلا أنه اختار الامتناع عن التصويت داخل البرلمان في ديسمبر (كانون الأول) 2017، بعدما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي دعماً واسعاً له. واعتبر مراقبون هذه الخطوة، يومذاك، مؤشراً على أن موريسون يغلّب «البراغماتية» السياسية على معتقداته الدينية.
ومن جانبه، اعترف داتون الذي كان قد تولى حقيبة الهجرة بعد موريسون، ثم أصبح وزيراً للداخلية التي تشرف على الشرطة والاستخبارات، بهزيمته. ووفق وكالات الأنباء، فإنه سارع بعد التصويت، ليعلن: «موقفي الآن هو إعلان ولائي المطلق لسكوت موريسون». أما عن أبرز المنافسين الآخرين، فإن وزيرة الخارجية جولي بيشوب، قدّمت قبل أيام، استقالتها من الحكومة بعد فشلها الذريع في المنافسة على منصب رئيس الوزراء. وكانت بيشوب، نائبة زعيم الحزب بجانب كونها وزيرة الخارجية، المرشحة الثالثة لخلافة تورنبول، إلا أنها حصلت على نسبة متواضعة من تأييد زملائها، على الرغم من أن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى ارتفاع شعبيتها لدى الناخبين. ومن ثم، أثارت استقالة بيشوب أسئلة جدية حول ما إذا كانت ذهبت ضحية للسياسات الحزبية المحافظة التي تحدد سقفا لطموح النساء في الحكومة. والحقيقة أن بيشوب، المحسوبة على الجناح المعتدل في الحزب لم تحصل سوى على 11 صوتاً فقط من أصل 85 صوتا في الاقتراع على رئاسة الوزراء، وهو رقم أقل بكثير مما حصل عليه المنافسان الآخران اليمينيان موريسون وداتون. ومن جانب آخر، أثار أسلوب إقصاء بيشوب من السباق كثيرا من الجدل على مستوى البلاد كلها. إذ أظهرت محادثة مسربة على «واتساب» بين عدد من أعضاء حزب الأحرار أنهم دعوا إلى التصويت ضد بيشوب، بهدف دعم موريسون الذي فاز بالمنصب. كما تحدثت بيشوب عن تجربتها بصفتها امرأة وحيدة في الحكومة بين 18 رجلا، ما أطلق نقاشا وطنيا حول سقف الفرص السياسية المتاحة أمام الأستراليات.

- معركة داخل اليمين
موقع مالكولم تورنبول، الذي كان قد أطاح هو أيضاً بسلفه رئيس الوزراء الأسبق توني أبوت خلال سبتمبر (أيلول) 2015، غدا هشاً في الفترة الأخيرة بسبب تمرد للجناح اليميني المتشدد في حزب الأحرار (يمين الوسط) الذي يتقدم عليه منافسه الكبير حزب العمال (يسار الوسط) حاليا في استطلاعات الرأي. وخرجت الأزمة إلى العلن قبل أسبوعين عندما اضطر رئيس الحكومة السابق الذي يعتبر معتدلا داخل الحزب، لسحب مشروع إدراج هدف أستراليا في مجال خفض انبعاثات الغاز المسببة للدفيئة، وذلك في غياب أي دعم من معسكره. وفي تصويت داخلي أول، تمكن رئيس الوزراء من إنقاذ منصبه بفارق ضئيل، لكنه أعلن أنه لن يشارك في اقتراع ثان إذا طلبت الغالبية إجراءه.
ولم يتأخر داتون، قائد «الانقلابيين اليمينيين» في إعلان أنه جمع هذه الأغلبية، مطلقاً بذلك العد التنازلي لرئاسة تورنبول. في المقابل اتهم الأخير داتون، بداية، بقيادة حملة ترهيب لإقالته، قبل أن يخسر منصبه لصالح موريسون. وعلى أثر نجاح «الانقلابيين» أعلن تورنبول اعتزاله السياسة، وهو ما سيفضي إلى إجراء انتخابات جزئية في دائرته الانتخابية بمدينة سيدني ستكون حاسمة لتحالف يميني حاكم لا تزيد غالبيته على مقعد واحد.

- سلسلة انقلابات
ما يجدر ذكره، أن أستراليا شهدت سلسلة «انقلابات» أفرزت ستة تغييرات في رئاسة الوزراء خلال 11 سنة، كان آخرها «انقلاب» موريسون الذي يواجه اليوم موجة انتقادات شعبية لتعزيزه حالة الاضطراب السياسي التي أضعفت ثقة الناخبين في الحكومة. ومع أن أستراليا تعد واحدة من أكثر بلدان العالم ازدهارا، وتنعم بالاستقرار الاقتصادي والرخاء بفضل تحقيقها معدلات نمو اقتصادي متواصلة على مدار السنوات الـ27 الماضية، فإنها - كما يرى المحللون - في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار السياسي، خاصة أنه لم يستطع كثير من رؤساء الوزراء في البلاد الاحتفاظ بمقاعدهم حتى نهاية فترتهم في المنصب منذ خسارة جون هوارد في انتخابات عام 2007، بل، وأطيح بآخر أربعة وزراء من المنصب على يد أعضاء حاليين أو سابقين في حكوماتهم، وهو ما أصبح معروفاً في أستراليا بظاهرة «فراغ القيادة»، وفق وكالة الأنباء الألمانية.
رئيس الوزراء الأسبق توني أبوت، الذي يعتبره كثيرون إلى حد كبير المدبر الحقيقي لـ«الانقلاب» الأخير، قال إنه بات من المهم «إنقاذ الحكومة» قبل سنة من الانتخابات العامة (البرلمانية). وكان رئيس الوزراء العمالي الأسبق كيفن رود، آخر الزعماء الذي أطيح بهم من داخل حزبهم، عندما «انقلبت» عليه نائبته جوليا غيلارد وأزاحته عن زعامة حزب العمال في عام 2010 بعد تراجع شديد في شعبيته. ثم جاء الدور على غيلارد، ليطيح بها رود من زعامة الحزب عام 2013. قبل انتخابات عامة كانت مقررة بعد أشهر قليلة، وكان يتوقع أن يُمنى العمال فيها بهزيمة قاسية.
وفي سبتمبر من عام 2013، قاد توني أبوت حزب الأحرار إلى نصر ساحق في الانتخابات على حساب العمال، وتولى رئاسة الوزراء. غير أنه لم يهنأ به إلا لفترة سنتين، إذ أطاح به مالكولم تورنبول من رئاسة الحزب والحكومة عقب تدني شعبية أبوت. ومنذ ذلك الحين تفاقم الصراع داخل حزب الأحرار بين الجناحين، المعتدل والمحافظ المتشدد.

- اضطراب سياسي مقلق
وحقاً، يشعر جزء كبير من الأستراليين بالاستياء إزاء واقع الاضطراب هذا، إلى درجة أن إحدى وكالات الأنباء العالمية نقلت عن وزير قوله إنه بات من الضروري تقديم الاعتذار للشعب… إذ كتب دارين تشيستر، من الحزب الوطني المحافظ، الذي يشارك حزبه في التحالف اليميني الحاكم، في «تويتر» مغرداً: «أستراليا ندين لك باعتذارات». وأضاف: «تستحقين أفضلا بكثير من الأمور التي فعلها برلماننا الاتحادي خلال السنوات العشر الأخيرة».
أما بخصوص الأزمة الأخيرة، فلقد ألقى تورنبول باللوم على داتون وأبوت، و«متمردين» حزبيين آخرين في زعزعة الحزب عبر معارضتهم لقيادته. ويتعيّن على موريسون الآن اتخاذ قرار حول مسألة عودتهم إلى الحكومة، في أجواء تصاعد غضب كثيرين داخل حزب الأحرار خاصة، ناهيك من تجدد الاستياء الشعبي من الطبقة السياسية، عموماً.
وأما عن موريسون فإنه يقر بأن الحكومة «أنهكتها» الاضطرابات، متعهداً إعادة التركيز على مصلحة الشعب الأسترالي. وتحديداً، قال رئيس الوزراء الجديد إن أولويته الآن هي مساعدة المزارعين في ولاية نيو ساوث ويلز (كبرى الولايات الأسترالية من حيث عدد السكان)، الذين يعانون من أسوأ جفاف في نصف قرن. وعلى أي حال، مع تراجع نسبة التأييد لحكومة الأحرار في استطلاعات الرأي وبانتظار انتخابات عامة مقررة بحلول منتصف 2019. يواجه موريسون أيضا معارضة عمالية باتت قوية نسبياً. وفي هذا الإطار، قال زعيم حزب العمال بيل شورتن إن «الناخبين في أستراليا يقولون لي بكل وضوح إن الأسبوع الماضي قد يكون أكبر مهزلة في التاريخ الأسترالي»، مضيفا: «لقد تغير الزعيم، لكن الفوضى والانقسام لا يزالان على حالهما».

- سياسة «الحدود السيادية»
ولد سكوت جون موريسون قبل 50 سنة في ضاحية ويفرلي، إحدى ضواحي مدينة سيدني، عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز وكبرى مدن أستراليا. وتخرج في جامعة نيو ساوث ويلز بالمدينة مجازاً بالجغرافيا الاقتصادية. وهو متزوج وأب لولدين.
وبتأثير من خلفيته المحافظة فكّر موريسون بدراسة اللاهوت قبل أن يصرف النظر عن ذلك. وبعد ذلك انطلق إلى سوق العمل وبين الوظائف التي شغلها منصب مدير هيئة العمل الأسترالية في قطاع السياسي. ومن ثم، انطلق في العمل السياسي، فدخل البرلمان لأول مرة عام 2007، وفي سبتمبر 2013 دخل موريسون الحكومة لأول مرة وزيراً للهجرة. وفي العام التالي، تولى منصب وزير الخدمات الاجتماعية (2014 - 2015) ثم تولى منصب وزير الخزانة منذ سبتمبر 2015، وتعتبر هذه الحقيبة المهمة في معظم الأحيان خطوة كبيرة على طريق رئاسة الحكومة.
اليوم يتولى موريسون أعلى منصب سياسي في البلاد، وكما سبقت الإشارة، فإنه أكثر «يمينية» من سلفه المعتدل، سواء على صعيد التدين، إذ إنه مسيحي إنجيلي ملتزم بحضور قداس الأحد وتشبثه بمبادئه الدينية، أو العلاقات العرقية ومناوأة الهجرة، ذلك أنه معروف خصوصا بعمله على رأس وزارة الهجرة بين 2013 و2014، عندما أطلق عملية «حدود سيادية» لردع المهاجرين عن التوجه بحراً إلى أستراليا.
وما يستحق الذكر أن أستراليا تتبع راهناً سياسة قاسية جدا حيال طالبي اللجوء، إذ تعترض سفن المهاجرين السريين وترسلهم إلى نقاط عبور، وفي معظم الأحيان إلى إندونيسيا. أما أولئك الذين ينجحون في الوصول إلى شواطئها، فيوضعون في مخيمات احتجاز بمناطق قريبة من أستراليا مثل بابوا غينيا الجديدة أو ناورو يظلون فيها لفترات طويلة، وبعضهم لا يغادرها. ولم تستجب أستراليا للانتقادات المتواصلة وإدانات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. ولا يتوقع أن يستجيب موريسون، مهندس إحدى أكثر سياسات الهجرة تشدداً، لتغيير هذا التوجه.

- مغازلة أميركية
أخيراً، بينما موريسون على سياسات الهجرة داخليا وتعزيز شعبية حكومته، يبدو أنه يسعى لتحسين علاقته مع واشنطن بعدما واجهت بعض التحديات بين إدارتي تورنبول ودونالد ترمب. واستهل رئيس الوزراء الأسترالي الجديد مهامه باتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي، الذي يتقاسم معه كثيرا من قناعاته السياسية، ضمن مساعيه لاستعادة الثقة بحكومة «منهكة». وقال موريسون إنه أجرى مكالمة «ودية» و«رائعة» مع الرئيس الأميركي، وأردف أنه استحضر مع ترمب قصة الجندي الأسترالي ليسلي بول آلن، الذي يمثل «رمز صداقتنا لأكثر من 100 سنة». ويشتهر آلن بنقله 12 جريحا أميركيا خلال هجوم على مواقع يابانية في ماونت تابو بجزيرة غينيا الجديدة إبان الحرب العالمية الثانية في 1943.

- رؤساء حكومة أستراليا... عبر السنين
تعاقب على رئاسة وزراء أستراليا حتى الآن 30 رئيس حكومة، واحتكر الحزبان الكبيران الأحرار (يمين) والعمال (يسار) خلال العقود الأخيرة السلطة في المستعمرة البريطانية السابقة، مع أن بعض الأحزاب الأصغر حجماً دخلت في الائتلافات الحكومية.
فيما يلي قائمة رؤساء وزراء أستراليا:
السير إدموند بارتون ((الحزب الحمائي) 1901 – 1903.
ألفريد ديكن (الحزب الحمائي) 1903 - 1904 (أول مرة).
كريس واتسون (حزب العمال) 1904.
جورج ريد (حزب التجارة الحرة) 1904 – 1905.
ألفريد ديكن (الحزب الحمائي) 1905 - 1908 (مرة ثانية).
آندرو فيشر (العمال) 1908 - 1909 (أول مرة).
ألفريد ديكن (حزب أحرار الكومنولث) 1909 - 1910 (مرة ثالثة).
آندرو فيشر (العمال) 1910 - 1913 (مرة ثانية).
جوزيف كوك (أحرار الكومنولث) 1913 – 1914.
آندرو فيشر (العمال) 1914 - 1915 (مرة ثالثة).
بيلي هيوز (العمال، ثم حزب العمال الوطني، ثم الحزب الوطني) 1915 - 1923 (شكل 5 حكومات متتالية).
ستانلي بروس (الحزب الوطني - ائتلاف) 1923 - 1929 (شكل 3 حكومات).
جيمس سكالين (العمال) 1929 – 1932.
جوزيف لايونز (حزب أستراليا الموحّدة - ائتلاف) 1932 - 1939 (شكل 4 حكومات).
السير إيرل بايدج (حزب الريف - ائتلاف) 1939.
روبرت منزيس (حزب أستراليا الموحدة - ائتلاف) 1939 - 1941 (أول مرة - شكل 3 حكومات).
آرثر فادين (حزب الريف - ائتلاف) 1941.
جون كيرتين (العمال) 1941 - 1945 (شكل حكومتين) حتى وفاته.
فرانك فورد (العمال) 1945.
بن تشيفلي (العمال) 1945 – 1949.
روبرت (السير) منزيس (الأحرار - ائتلاف) 1949 - 1966 (شكل 10 حكومات متتالية).
هارولد هولت (الأحرار - ائتلاف) 1966 - 1967 (اختفى في البحر ولم يعثر عليه).
جون ماكيوين (حزب الريف - ائتلاف) 1967 – 1968.
جون غورتون (الأحرار - ائتلاف) 1968 - 1971 (شكل حكومتين).
ويليام مكماهون (الأحرار - ائتلاف) 1971 – 1972.
غوف ويتلام (العمال) 1972 - 1975 (شكل 3 حكومات وأبعده عن الحكم الحاكم العام).
مالكولم فريزر (الأحرار - ائتلاف) 1975 - 1983 (شكل 4 حكومات).
بوب هوك (العمال) 1983 - 1991 (شكل 4 حكومات).
بول كيتينغ (العمال) 1991 - 1996 (شكل حكومتين).
جون هوارد (الأحرار - ائتلاف) 1996 - 2007 (شكل 4 حكومات).
كيفن رد (العمال) 2007 - 2010 (أول مرة).
جوليا غيلارد (العمال) 2010 - 2013 (شكلت حكومتين - أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة).
كيفن رد (العمال) 2013 (مرة ثانية).
توني أبوت (الأحرار - ائتلاف) 2013 – 2015.
مالكولم تورنبول (الأحرار - ائتلاف) 2015 – 2018.
سكوت موريسون (الأحرار - ائتلاف) 2018.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.