تريبير: مونديال روسيا غيّر حياتي تماماً وأصبح اسمي يتردد في كل مكان

ظهير توتنهام أكد أنه استفاد كثيراً من تألقه في نهائيات كأس العالم

تريبير شارك في فوز توتنهام على مانشستر يونايتد في الجولة الثالثة للدوري الإنجليزي (أ.ف.ب)  -  تريبير بعد إحرازه  هدف تقدم إنجلترا في نصف نهائي المونديال (إ.ب.أ)
تريبير شارك في فوز توتنهام على مانشستر يونايتد في الجولة الثالثة للدوري الإنجليزي (أ.ف.ب) - تريبير بعد إحرازه هدف تقدم إنجلترا في نصف نهائي المونديال (إ.ب.أ)
TT

تريبير: مونديال روسيا غيّر حياتي تماماً وأصبح اسمي يتردد في كل مكان

تريبير شارك في فوز توتنهام على مانشستر يونايتد في الجولة الثالثة للدوري الإنجليزي (أ.ف.ب)  -  تريبير بعد إحرازه  هدف تقدم إنجلترا في نصف نهائي المونديال (إ.ب.أ)
تريبير شارك في فوز توتنهام على مانشستر يونايتد في الجولة الثالثة للدوري الإنجليزي (أ.ف.ب) - تريبير بعد إحرازه هدف تقدم إنجلترا في نصف نهائي المونديال (إ.ب.أ)

وقف الظهير الأيمن لنادي توتنهام هوتسبير كيران تريبير إلى جانب زميله في الفريق كريستيان إريكسن وطلب منه تنفيذ الركلة الحرة التي حصل عليها الفريق أمام فولهام في الجولة الثانية من الموسم الحالي للدوري الإنجليزي الممتاز. ونجح تريبير في تحويل الكرة داخل الشباك محرزا هدفا رائعا يعكس الثقة الكبيرة التي حصل عليها بعد العودة من كأس العالم في روسيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
ويمكن القول إن حياة تريبير، الذي كان أحد أفضل اللاعبين في صفوف المنتخب الإنجليزي الذي وصل إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم للمرة الأولى منذ 28 عاما، قد تغيرت تماما وأصبح اسمه يتردد في كل مكان. لكن هذا التألق اللافت وهذه الشهرة الكبيرة لها ضريبتها وعيوبها أيضا، ويقول تريبير عن ذلك وهو يبتسم: «لقد تم إيقافي من قبل المعجبين في محلات إم آند إس الشهيرة للملابس هذه الأيام، ولم يكن هذا الأمر يحدث من قبل».
وقد ازدادت ثقته بنفسه كثيرا للدرجة التي جعلته يطلب تنفيذ الركلات الحرة المباشرة رغم وجود اللاعب المتخصص في هذه الضربات وهو النجم الدنماركي إريكسن، الذي يعد أحد أفضل مسددي الركلات الحرة في العالم في الوقت الحالي. ولماذا لا يطلب تريبير القيام بذلك وقد سجل هدفا رائعا من ضربة حرة مباشرة في نصف نهائي كأس العالم الأخيرة بروسيا؟ ومع ذلك، ضحك تريبير عندما سُئل عن حقيقة الخلاف بينه وبين إريكسن بسبب تسديد الضربات الثابتة، وقال: «مستحيل أن يحدث ذلك، فأنا لست من هذه النوعية من اللاعبين. لقد كانت مباراة فولهام هي أول مباراة أشارك فيها بعد العودة من كأس العالم وشعرت بأنني في حالة جيدة. ولو كانت هناك ركلة حرة مباشرة لفريقي ووضعت أنا الكرة وكنت مستعدا لتسديدها ثم طلب كريستيان تنفيذها فسوف أتركها له، ولن يكون لدي أي مشكلة في ذلك على الإطلاق. لو جاء كريستيان نحوي وقال لي أنا أريد أن أسدد هذه الكرة، فسوف أقول له سددها يا صديقي، وهذا هو الأمر بكل بساطة».
وقد حدث الأمر نفسه خلال نهائيات كأس العالم، حيث كان يقف كل من تريبير وأشلي يونغ بجانب الكرات الثابتة ثم يسدد أي منهما الكرة من دون حدوث أي مشكلة. وأمام المنتخب الكرواتي في مباراة الدور نصف النهائي لكأس العالم، حصل المنتخب الإنجليزي على ركلة حرة مباشرة بعد مرور خمس دقائق فقط، وتقدم تريبير لتسديدها ونجح في إيداعها الشباك محرزا هدف التقدم لمنتخب بلاده. يقول تريبير عن ذلك: «إنها مباراة في نصف نهائي كأس العالم، لكن قبل هذه المباراة وخلال مباريات البطولة كان من يسدد الضربات بالثابتة هم أنا وأشلي يونغ وترنت ألكسندر أرنولد وبعض اللاعبين الآخرين، لكي أكون صادقا. وقبل تلك المباراة كنا نتحدث عن من يسدد الضربات الثابتة، أنا أم يونغ؟ كان الأمر برمته يتعلق بمن يشعر بقدر أكبر من الثقة في تسديد هذه الكرات في هذا التوقيت، وقلت إنني أشعر بثقة كبيرة، وسألت يونغ عما إذا كان يمانع في أن أسدد أنا الكرات، ورد قائلا إنه لا توجد لديه أي مشكلة على الإطلاق. أنا سعيد للغاية لأنني نجحت في تحويل هذه الركلة الحرة إلى هدف، لكنني محبط وأشعر بخيبة أمل بسبب النتيجة النهائية للمباراة».
وكان من المثير للاهتمام أن يشارك تريبير في نهائيات كأس العالم من الأساس، لأنه لم يكن الخيار الأول في مركز الظهير الأيمن لتوتنهام هوتسبير سوى لموسم واحد فقط. وقبل ذلك، كان يجلس بديلا لكايل ووكر بعد انتقاله لتوتنهام هوتسبير قادما من بيرنلي في عام 2015 لكن عندما انتقل ووكر إلى مانشستر سيتي الصيف الماضي، وضع المدير الفني لتوتنهام هوتسبير ماوريسيو بوكيتينو ثقته بالكامل في تريبير، الذي أثبت أنه على قدر التحدي ويستحق المشاركة بصفة أساسية.
وشارك تريبير، الذي لعب في أكاديمية الناشئين بنادي مانشستر سيتي، في أول مباراة دولية له مع المنتخب الإنجليزي في يونيو (حزيران) عام 2017 وأظهر للمدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت أنه قادر على اللعب على أعلى المستويات. ويعد تمثيل منتخب بلادك شيئا خاصا واستثنائيا في حقيقة الأمر، خاصة عندما يكون والدك مشجعا متعصبا. يقول تريبير عن ذلك: «تمثيل المنتخب الإنجليزي يسعدني كثيرا، فمنذ أن كنت صغيرا كنت أرى والدي، كريس، وهو يشجع مانشستر يونايتد ويشجع المنتخب الإنجليزي بجنون، وكنت أشاهد ردة الفعل على وجهه عندما يخسر ناديه المفضل أو منتخب بلاده». وأضاف: «ما زلت أتذكر عندما لعبنا أمام فرنسا في أول مشاركة لي مع المنتخب الإنجليزي، وكان تركيزي بالكامل ينصب على وجود والدتي ووالدي في المدرجات وكيف عملا بكل قوة من أجل أن أكون في هذا المكان الآن. إنه أمر مؤثر للغاية في حقيقة الأمر».
نشأ تريبير في أسرة مكونة من أربعة أولاد لأب يعمل في مجال الحفاظ على الأشجار وأم تعمل في متجر محلي. ويقول تريبير إنه يدين لوالديه بكل شيء وصل إليه، رغم أنهما رفضا عرضا منه لشراء منزل جديد لهما. ويقول عن ذلك: «إنهما يعيشان في عقار صغير في بلدة بيري. لقد عرضت عليهما الانتقال إلى منزل جديد، لكن والدتي فضلت البقاء في المنزل القديم لقربه الشديد من عملها، وهي سعيدة بذلك، بالإضافة إلى أن جدتي وجميع خالاتي يعشن بالقرب من المنزل القديم. جميع أفراد العائلة يعيشون بالقرب من هناك، ووالدتي سعيدة بالبقاء هناك، وهذا هو الشيء الأكثر أهمية». وأضاف: «كان والدي يعمل في مجال الحفاظ على الأشجار. عندما كنت صغيرا، كان والدي يعمل خمسة أيام في الأسبوع بعيدا عن المنزل لأسابيع متتالية بهدف جمع أكبر قدر من المال. أما والدتي فتعمل في متجر قريب. لقد كانت الأمور صعبة عليهما، خاصة أن الأسرة كانت تضم أربعة أولاد».
وتابع: «دائما ما أعبر لهما عن امتناني لهما عما قاما به. لقد أعربت لهما عن تقديري لهما بعد كأس العالم وبعد هزيمتنا أمام كرواتيا، وقالا إنهما يأسفان لهزيمتنا في تلك المباراة وقالا إنهما فخوران بي، لكنها كانت فرصة بالنسبة لي لكي أشكرهما على ما وصلت إليه، لأنهما عملا بكل قوة في أكثر من وظيفة عندما كنت صغيرا. لم يكن الأمر سهلاً وأشكرهم طوال الوقت». وشارك تريبير مع نادي توتنهام هوتسبير في الفوز على «أولد ترافورد» في مواجهة مانشستر يونايتد يوم الاثنين الماضي، ليحقق الفريق الفوز في أول ثلاث مباريات له في الموسم.
وأصبح توتنهام هوتسبير أول نادي في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز لا يتعاقد مع أي لاعب في فترة الانتقالات الصيفية، لكن المدير الفني للفريق، ماوريسيو بوكيتينو، يؤمن بأن فريقه يمتلك القوة التي تؤهله للمنافسة على البطولات، رغم عدم تدعيم صفوف الفريق، وقد يكون محقا في ذلك، لأن الفريق يقدم مستويات جيدة بالفعل. ويواجه تريبير منافسة شرسة على حجز مكان له في مركز الظهير الأيمن بالتشكيلة الأساسية للفريق، ليس فقط من سيرج أورييه، الذي انضم للنادي عام 2017 قادما من باريس سان جيرمان الفرنسي مقابل 23 مليون جنيه إسترليني، ولكن أيضا من كايل ووكر - بيترز.
ويعد تريبير هو الخيار الأول في مركزه في توتنهام هوتسبير في الوقت الحالي، ولن يتخلى عن مكانه في التشكيلة الأساسية بسهولة بعد الجهد الكبير الذي بذله من أجل تحقيق ذلك. وقال تريبير: «ضم النادي سيرج، وهو ما يعني أن المنافسة ستكون شرسة، كما قدم كايل ووكر - بيترز أداء ممتازا خلال معسكر الإعداد للموسم الجديد. إنه لاعب رائع ويستحق أن نشيد به لأنه يعمل بكل قوة في التدريبات وعمل بشكل رائع خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة. نحن الثلاثة نلعب من أجل حجز مكان واحد في مركز الظهير الأيمن، ولهذا يتعين عليك مواصلة العمل بجد، لأن المدير يدرك ما يحدث جيدا. وإذا لم تعمل بشكل جيد فلا تشكو عندما تجد نفسك خارج التشكيلة الأساسية في نهاية الأسبوع».
وقد استفاد تريبير كثيرا من تألقه اللافت في نهائيات كأس العالم 2018 بروسيا، ويقول عن ذلك: «أنت تكتسب الكثير من الخبرات من خلال اللعب في كأس العالم تحت هذه الضغوط الكبيرة - انظروا إلى ما حدث في مباراة كولومبيا على سبيل المثال. اللعب في هذه المستويات يساعدك على اكتساب الثقة والإيمان بقدراتك. لقد تعلمت الكثير خلال كأس العالم وأشعر بأنني أصبحت أكثر نضجا بعد كأس العالم، وآمل أن أتمكن من مساعدة زملائي في الفريق هذا الموسم».


مقالات ذات صلة


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.