هجرة الفنزويليين تضغط على دول الجوار

مادورو دعا مواطنيه إلى العودة... وبيرو والبرازيل «تحصنان» حدودهما

متسوقة تبحث عن منتجات غذائية في أحد متاجر كراكاس الاثنين (إ.ب.أ)
متسوقة تبحث عن منتجات غذائية في أحد متاجر كراكاس الاثنين (إ.ب.أ)
TT

هجرة الفنزويليين تضغط على دول الجوار

متسوقة تبحث عن منتجات غذائية في أحد متاجر كراكاس الاثنين (إ.ب.أ)
متسوقة تبحث عن منتجات غذائية في أحد متاجر كراكاس الاثنين (إ.ب.أ)

تواجه دول أميركا اللاتينية اليوم إحدى أسوأ موجات الهجرة في تاريخها الحديث، مصدرها دولة تزخر بأكبر احتياطات نفطية في العالم، وتعاني من نسبة تضخم ستتجاوز هذه السنة مليوناً في المائة وفق توقعات صندوق النقد الدولي.
وبينما دعا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مواطنيه إلى «الكف عن غسل المراحيض» في دول الجوار والعودة إلى بلدهم، يواصل آلاف الفنزويليين رحلاتهم عبر الحدود بحثاً عن ظروف عيش كريم. وعبّر مادورو أول من أمس عن «أسفه»، لأن «الفنزويليين رحلوا ليصبحوا عبيداً اقتصاديين لمجرد أنهم سمعوا أن عليهم مغادرة البلاد». وتابع: «أقول للفنزويليين (...) الذين يريدون الإفلات من العبودية الاقتصادية: توقفوا عن غسل المراحيض في الخارج، وعودوا لتعيشوا في بلدكم»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وغادر أكثر من مليوني لاجئ اقتصادي فنزويلا منذ عام 2014 وفق تقديرات الأمم المتحدة، باتجاه بيرو وبرازيل وكولومبيا وإكوادور وغيرها. وحذّرت وكالة الهجرة الأممية من تفاقم أزمة الهجرة الفنزويلية، وتحولها إلى أزمة شبيهة بـ«هجرة المتوسط» في عام 2015. أما الفنزويليون الذين اختاروا البقاء في بلدهم أو لم يفلحوا في مغادرته، فيعانون من شح الدواء والغذاء وانقطاع مستمر للماء والكهرباء، فيما تعيش 87 في المائة من العائلات تحت خط الفقر وفق دراسة نشرتها «رويترز».
وقال هاري فلوريس، وهو مهندس برمجيات أربعيني، لصحيفة «الغارديان» البريطانية إن «أسعار الغذاء ارتفعت لدرجة أننا لم نصبح قادرين على تناول 3 وجبات في اليوم»، وتابع أنه انتظر دوره لركوب حافلة باتجاه بيرو لمدة تسعة أيام متواصلة.
وتشهد فنزويلا أسوأ أداء اقتصادي بين دول العالم التي ليست في حالة حرب، عقب تراجع ناتجها المحلي الإجمالي بأكثر من الثلث منذ عام 2013، وفق مجلة «الإكونوميست»، وانخفاض إنتاجها اليومي لبراميل النفط إلى 1.4 مليون في يوليو (تموز)، مقابل معدل إنتاج قياسي بلغ 3.2 مليون برميل قبل عشرة أعوام.
وفيما يدين مادورو «الحرب الاقتصادية» التي تشنها الولايات المتحدة على بلاده من خلال حزمة عقوبات، تعود الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة إلى تداعيات انخفاض أسعار النفط، التي ضاعف تأثيرها السياسات الاقتصادية التي اعتمدها هوغو شافيز، واستكملها مادورو، بما سمح باستشراء الفساد وإحباط استثمار القطاع الخاص.
إلى ذلك، فإن المليارات التي كانت ترسلها فنزويلا سنوياً إلى كوبا، وصفقات السلاح مع روسيا أسهمت في تدهور اقتصادها وتراجع سيولتها، وفق ما أكد بيتر حكيم من مركز دراسات لاتينية لموقع «بي بي إس نيوز» الإخباري.
وتلجأ حكومة كراكاس اليوم إلى احتياطاتها النفطية، وتقدمها كضمانات لدائنيها الدوليين. ويقول نيت غراهام وليزا فيسيدي، الباحثان في معهد دراسات «الحوار» الأميركي اللاتيني، إن فنزويلا قدمت في 25 يوليو الماضي 29 مليار برميل نفط، تقدّر بـ1.9 تريليون دولار أميركي، لبنكها المركزي كضمانة لقروض جديدة من الصين وروسيا.
وفي محاولة لإنقاذ اقتصاد بلاده من الانهيار، أعلن مادورو قبل أسبوع عن «حل ثوري». قرر من خلاله إسقاط 5 أصفار عن العملة الفنزويلية القديمة وأطلق اسم «البوليفار السيادي» على العملة الجديدة، وأمر بزيادة أجور بأكثر من 3000 في المائة تتحملها الحكومة في الشهور الثلاثة الأولى، ثم تطبقها الشركات بعد ذلك. كما رفع قيمة الضريبة المضافة وخفض الدعم الحكومي للبنزين. إلى ذلك، أمر الرئيس الفنزويلي أمس المصارف بتبني عملة «البترو» الرقمية كوحدة حسابية، وقدّم عرضا لسندات مضمونة بسبائك ذهب صغيرة، في إجراءين تكميليين يأمل من خلالهما إنعاش الاقتصاد المنكوب في بلده.
ووقع مادورو، أول من أمس، سبعة اتفاقات مع شركات نفطية دولية بهدف زيادة إنتاج النفط الخام بمقدار مليون برميل يومياً. وقال في مراسم توقيع الاتفاقات إن هدف الشركة الوطنية الحكومية للنفط «بتروليوس دي فنزويلا» من إبرام الاتفاقات، هو «إنتاج مليون برميل مجدداً باستثمارات عامة وخاصة ووطنية ودولية».
ورغم حزمة «الإصلاحات الاقتصادية» التي أطلقتها الحكومة والانتقادات الحادة التي وجهها للمهاجرين، فإن الفنزويليين لا يزالون يتوافدون على أقرب حدود برية بحثاً عن لقمة عيش. وتعكس رفوف المحلات التجارية الفارغة الوضع الاقتصادي في البلاد، حيث لا يجد المواطن العادي أبسط المكونات الغذائية من لحم ودواجن ودقيق ذرة وبيض، كما يعاني للحصول على سيولة من المصارف لتغطية تكاليف الخدمات الأساسية.
وفي مواجهة وفود المهاجرين، اتخذت كل من برازيل وبيرو إجراءات أمنية وصحية خلال الأيام الماضية، كما تعمل على عقد قمة خلال أيام لبحث هذه الأزمة مع عدد من دول المنطقة.
وأمر الرئيس البرازيلي ميشال تامر، أول من أمس، بنشر القوات المسلحة «لضمان الأمن» على الحدود مع فنزويلا، فيما أعلنت بيرو حالة الطوارئ الصحية على حدودها مع الإكوادور التي يعبرها هؤلاء اللاجئون في أزمة الهجرة التي تهز المنطقة بأكملها.
وأمر تامر في المرسوم «بإرسال القوات المسلّحة لحفظ القانون والنظام في ولاية رورايما» لمدة أسبوعين، «من أجل ضمان أمن المواطنين البرازيليين، وكذلك للمهاجرين الفنزويليين الذين يفرون من بلدهم»، دون أن يوضح عدد الجنود الذين سيتم إرسالهم إلى الولاية الحدودية، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وكانت الحكومة البرازيلية أمرت قبل عشرة أيام بإرسال قوة من 120 عنصراً إلى الحدود مع فنزويلا، بعد صدامات بين سكان ومهاجرين. جاء ذلك بعد أن دمّر العشرات من السكان مخيمات عشوائية كان اللاجئون أقاموها، وأحرقوا أغراضهم. وأطلقت عيارات نارية وأغلقت المحلات التجارية، بينما تبعثرت في الشوارع قطع حطام.
أما فيما يتعلق ببيرو، فقد استقبلت أكثر من 300 ألف فنزويلي منذ بداية العام، وتقول إن عددهم الإجمالي قد يرتفع إلى نصف مليون قبل نوفمبر (تشرين الثاني). وفي مواجهة تدفق هؤلاء المهاجرين، قررت ليما أن تشترط أن يحمل الواصلين جوازات سفر، لكنها تسمح مع ذلك بدخول النساء الحوامل والذين تجاوزت أعمارهم 70 عاماً والأطفال الذين وصلوا للانضمام إلى عائلاتهم، شرط أن يطلبوا اللجوء فور وصولهم.
وفي إجراء جديد لمواجهة هذا الوضع، أعلنت الحكومة الفنزويلية حالة الطوارئ الصحية في ثلاثة أقاليم في منطقة تومبيس على الحدود مع الإكوادور، كما ورد في مرسوم نشرته الجريدة الرسمية.
وقال المرسوم إن القرار الذي يشمل أقاليم أغواس فيرديس وزاروميلا وتومبيس في المنطقة، اتخذ بسبب «خطر وشيك من تأثير على الصحة (...) بسبب زيادة تدفق الهجرة الدولية القادمة من الشمال»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهة أخرى، أعلنت كولومبيا وبيرو أنهما ستتبادلان المعلومات حول مئات آلاف المهاجرين من فنزويلا، في مرحلة أولى من سياسة إقليمية مشتركة في هذه القضية. وأعلن البلدان عن هذا الاتفاق في ختام أول اجتماع لهما في بوغوتا، بحضور مراقبين من برازيل والولايات المتحدة أول من أمس.
وقال مدير إدارة الهجرة الكولومبي، كريستيان كروغر، إن تبادل المعطيات يهدف إلى منع المهاجرين من الحصول على مساعدة في أكثر من دولة، ما يحرم فنزويليين آخرين هذه الإمكانية. وكانت سلطات البلدين رصدت عدداً من هؤلاء المهاجرين حصلوا على تصاريح إقامة مؤقتة في الدولتين.
وفي إطار الجهود الإقليمية التي تُبذَل لمواجهة هذه الأزمة، أعلنت الإكوادور التي لم تحضر الاجتماع في بوغوتا عن تقريب موعد اجتماع دعت إليه 13 بلداً، إلى الثالث والرابع من الشهر المقبل بعدما كان مقرراً في 17 و18 من الشهر نفسه.
وأكدت كولومبيا وبرازيل وتشيلي حتى الآن مشاركتها في هذا الاجتماع، الذي دعت إليه الأرجنتين وبوليفيا وكوستاريكا والمكسيك وبنما وباراغواي وبيرو وجمهورية الدومينيكان والأوروغواي وفنزويلا.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».