تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

مشهد سياسي جديد بعد خلافات حول قانون الإرث

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة
TT

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

صرّح رضا بالحاج، الوزير السابق والقيادي البارز في حزب «نداء تونس» الذي أسسه رئيس الجمهورية التونسي الباجي قائد السبسي، ويعد أحد أكبر حزبين ممثلين في البرلمان، بجانب حزب «حركة النهضة» الإسلامي، بأن من بين نتائج هذا الصراع السياسي الجديد في تونس حول قانون الأحوال الشخصية المثير للجدل منذ 1956، إعادة تشكيل المشهد السياسي بين قوتين: واحدة تتمسّك بالصبغة المدنية للدولة - أي العلمانية - وبالقوانين الوضعية، والثانية تتمسك بالأحكام الفقهية وتطبيق الشريعة الإسلامية، رغم مصادقتها على دستور يناير (كانون الثاني) 2014 الذي كانت مرجعياته المواثيق الأممية والقوانين الدولية. وتابع أنه بحكم تعمق الخلافات داخل العلمانيين والليبراليين واليساريين من المتوقع بالنسبة لصناع القرار في عدد من مؤسسات الحكم والأحزاب القريبة منها، أن تؤدي هذه المواجهة الجديدة مع أنصار تطبيق الشريعة الإسلامية إلى تشكيل جبهة معارضة للتيار الإسلامي يمكن توظيفها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام المقبل.
وفي السياق نفسه، اتهم الإعلامي والجامعي عبد السلام الزبيدي قيادات في حزب «نداء تونس» وداخل مؤسسات الحكم بمحاولة تغيير المشهد السياسي لصالح حزبهم، مع إحراج قيادات «حركة النهضة» بشكل غير مسبوق، وتخييرهم بين أمرين؛ أحلاهما مرّ: فإما تقديم مزيد من التنازلات لصالح التيار العلماني، وبذا يخسرون مزيداً من ناخبيهم، أو الاصطفاف مع المحافظين المعارضين للاجتهاد والتجديد وللحداثة والمشروع المجتمعي التحرّري وفصول الدستور التي تؤكد على الصبغة المدنية للدولة.
تفجّرت في تونس أخيراً عاصفة سياسية إعلامية جديدة بمناسبة الإعلان عن مشروع رئاسي سوف يعرض على البرلمان بهدف تقنين المساواة الكاملة بين الجنسين، بما في ذلك في الميراث.
وتزامنت هذه العاصفة مع الكشف عن مقترحات مثيرة للجدل، قدمتها إلى رئاسة الجمهورية «لجنة الحقوق الفردية والمساواة»، وهي لجنة من الحقوقيين والجامعيين الليبراليين واليساريين، وتشمل المقترحات إلغاء عقوبة الإعدام وعقوبات اللواط والزنا، ومنع كل المضايقات والعقوبات للمثليين. ولئن نجحت هذه العاصفة في تخفيف حدة الأزمة السياسية والاجتماعية، التي تمر بها تونس منذ سنوات، فإنها أقحمت البلاد في أجواء حملة انتخابية سابقة لأوانها تأهباً لانتخابات العام المقبل الرئاسية والبرلمانية.
وإذ يبرّر الرئيس التونسي وأنصاره مبادرتهم بتأويل لبنود الدستور التي تؤكد على المساواة وعلى مدنية الدولة والقانون، فإن خصومهم يطالبونهم باحترام مرجعيّاتهم الفقهية الإسلامية والفصل الأول من الدستور الذي نصّ على كون الدولة التونسية جمهورية مستقلة، الإسلام دينها، والعربية لغتها.
فهل تتطور علاقات حزب الرئيس، حزب «نداء تونس»، بشركائه الإسلاميين في الحكومة منذ 2014 بزعامة راشد الغنوشي نحو القطيعة والصدام، أم ينجح زعماء الحزبين الكبيرين «النداء» و«النهضة» مجدّداً مرة أخرى في احتواء الأزمة، وتجميد التناقضات الثانوية، وإنجاز توافق سياسي جديد حفاظاً على الوحدة الوطنية وعلى مسار الانتقال الديمقراطي، ولو كان الثمن التنازل عن «ورقة التوت» الأخيرة في حلبة الكيد والابتزاز السياسيين.

فرصة لإضعاف الإسلاميين
تصريحات عدد من البرلمانيين والسياسيين والقياديين في أحزاب ليبرالية ويسارية، مثل المحامي أحمد صديق، ترى أن موافقة الرئيس الباجي قائد السبسي على مبدأ المساواة الكاملة في الإرث بين الذكر والأنثى «فرصة لإضعاف أنصار التيارات الإسلامية السياسية» في تونس، بدءاً من حزب «حركة النهضة» الذي فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية في مايو (أيار) الماضي، وأصبح صاحب الكتلة الأولى في البرلمان نتيجة انقسام نواب الحزب الحاكم. وراهناً تمارس قيادات «الجبهة الشعبية» (أقوى قوى اليسار) بزعامة حمّة الهمّامي وزياد الأخضر والجيلاني الهمّامي ضغوطاً على رئاسة الجمهورية من أجل الموافقة على كل مقترحات تقرير «لجنة المساواة والحريات»، ورفض تقديم أي تنازلات لممثلي التيار الإسلامي.

مظاهرات ومظاهرات مضادة
من ناحية ثانية، لم تقتصر الصراعات الفكرية والسياسية العنيفة بسبب تناقض المواقف من تطبيق الشريعة الإسلامية، ومشروع قانون الإرث، على المنابر الإعلامية، بل تطوّرت إلى مسيرات ومظاهرات نظمت في شوارع العاصمة تونس وعدد من مدن البلاد بمشاركة آلاف النشطاء والسياسيين من الجانبين. واتسمت المظاهرة التي نظمت يوم السبت 11 أغسطس (آب) أمام مبنى البرلمان بمشاركة العشرات من أئمة المساجد وأساتذة التشريع والفقه الإسلامي في جامعة الزيتونة. وفي المقابل تميّزت المظاهرة التي نظّمت لمساندة مشروع قانون الإرث، بل وكل تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة» بمشاركة ناشطات نسائيات وزعماء من الأحزاب اليسارية الراديكالية مثل حمّه الهمامي زعيم «الجبهة الشعبية» التي تضم اليوم 15 حزباً يسارياً وقومياً.
ولقد تجاوزت كلمات بعض الخطباء في المظاهرات «الخطوط الحمراء»، بما في ذلك من حيث النيل من كرامة رئيس الجمهورية قائد السبسي وزعيم «حركة النهضة» الغنوشي وأعضاء «لجنة الحريات الفردية والمساواة». وبلغت التهجّمات أقصاها ضد رئيسة «اللجنة» بشرى بالحاج حميدة، الحقوقية اليسارية والرئيسة السابقة لجمعية «النساء الديمقراطيات».
كذلك رُفعت خلال تحرّكات الجانبين، الإسلامي والليبرالي - اليساري، شعارات تكفير وتخوين متبادلة، إلى درجة أن الجامعي والحقوقي زهير بن يوسف اعتبر في تعليق له أن «تونس تعاني حالياً من استقطاب جديد بين علمانيين متطرفين، ومتديّنين متشدّدين ومحافظين». ورأى بن يوسف أن بعض زعماء التيارين العلماني والإسلامي «أصبحوا يريدون فرض أفكارهم بالقوة ويرفضون الحوار حولها».

رفع أعلام المثليين... لأول مرة
وفي السياق ذاته، بين ما زاد الأزمة تعقيداً وتسبب في خلط الأوراق أكثر، رفع أعلام المثليين جنسياً ويافطاتهم في مظاهرة مساندة لفرض المساواة الكاملة بين الجنسين يوم 13 أغسطس في قلب تونس العاصمة بمناسبة مظاهرات «عيد المرأة والأسرة». ولقد شاركت في المظاهرة نفسها ناشطات ونشطاء من جمعية «شمس»، وهي منظمة تونسية قانونية تدافع منذ سنتين عمّا تعتبره «حقوقاً» للمثليين جنسياً وغيرهم في تونس. وكانت من أبرز شعارات هؤلاء دعم توصيات تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة»، ومن بينها تعديل القانون الجزائي التونسي بهدف إلغاء العقوبات التي تفرض على الموقوفين بسبب إقامة علاقات جنسية غير شرعية خارج مؤسسة الزواج بما فيها اللواط والسحاق والزنا.

«أجندات» استعمارية؟!
هذا، وعلى الرغم من أن خطاب رئيس الجمهورية - وكذلك تصريحات غالبية الرسميين التونسيين - لم تتعرض لهذه القضايا الخلافية، فقد ركز عليها معارضوها عليها، وشنوا حملات إعلامية واسعة في المواقع الاجتماعية والمساجد على الرئيس التونسي وأنصاره، واتهموهم بالانحراف والشذوذ وتبرير اللواط والزنا وبـ«تطبيق أجندات استعمارية غربية تريد فرض مفهوم جديد لحقوق الإنسان والنساء يسمح للشواذ جنسياً بإبرام عقود زواج في بلد عربي مسلم»، مثلما جاء على لسان عالم الاجتماع والكاتب المخضرم أبو يعرب المرزوقي.
وحقاً، ما يستحق الإشارة في هذا الإطار، أن تونس تشهد تصعيداً خطيراً للاتهامات بالخيانة الوطنية والولاء للاستعمار والسفارات الأجنبية. ووُجّهت هذه الاتهامات بالخصوص إلى رموز التيارات العلمانية وروّاد هذه المبادرة التي تدعو إلى قدر أكبر من الحريات والمساواة بين النساء والرجال من منظور مدني مرجعياته القانون الدولي، وبينهم، بجانب المحامية بشرى بالحاج حميدة، عبد المجيد الشرفي مدير عام «مؤسسة بيت الحكمة» في قرطاج والخبير في علم الأديان المقارن، والكاتب صلاح الدين الجورشي. ولقد وصف عدد من الأساتذة الجامعيين وخطباء المساجد، بينهم الوزير السابق نور الدين الخادمي والجامعي إلياس دردور، مقترحات «اللجنة» التي تبنتها المبادرة الرئاسية بـ«مبادرة الفتنة»، وحمّلوا أصحابها وكذلك رئاسة الجمهورية مسؤولية ردود الفعل التي قد تصدر بسببها.

حوار طرشان
في ضوء هذا الوضع، تجد تونس نفسها من جديد ضحية تيارين سياسيين اجتماعيين متضادين تورطا فيما يصح وصفه بـ«حوار طرشان». التيار الأول يعتبر نفسه حداثياً ومناصراً للحريات، والتيار الثاني يصف نفسه بتيار الدفاع عن الهوية الثقافية والحضارية للشعب والبلاد، ويتهم خصومه بمحاولة تمرير قوانين غريبة على دينها وثقافتها وهويتها وتقاليدها.
وبالتالي، تعيد هذه الأجواء إلى ذاكرة المراقبين انقطاع حبل التفاهم وأجواء التوتر والقطيعة عامي 2013 و2014، عندما دُفع التونسيون نحو الاصطفاف حول أحد قطبين متناقضين: الأول تزعمه الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي ومعه ثلة من رجال الأعمال والنقابيين وزعماء قوى اليسار التونسي. واعتبر أولئك الذين اصطفوا في هذا الجانب أنفسهم حداثيين، وعارضوا حكومة «حركة النهضة» وحلفائها إلى أن نجحوا في إسقاطها. أما القطب الثاني فتزعمه أنصار تيار الهوية العربية الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» والرئيس السابق المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر. وعلى غرار ما حصل قبل انتخابات 2014 تعمّقت القطيعة بين النخب الثقافية والسياسية والنقابية. وكانت النتيجة «حوار طرشان» آخر بين النخب في وسائل الإعلام، وبين ملايين النشطاء المحافظين والليبراليين في «المواقع الاجتماعية».

رسالة الزعيم التاريخي... والمصلح
في الأثناء كان رد الرئيس التونسي قائد السبسي في خطاب «عيد المرأة والأسرة» يوم الاثنين 13 أغسطس حازماً. وتصرّف خلاله من موقع مَن يعتبر نفسه زعيماً تاريخياً ومصلحاً كبيراً، على غرار الرئيس الحبيب بورقيبة - مؤسس الدولة التونسية الحديثة ما بين 1955 و1987 - الذي كان قائد السبسي عمل تحت إمرته أكثر من عشرين سنة في مواقع عليا بالدولة، بينها توليه حقائب وزارات الداخلية والدفاع والخارجية.
الرئيس التونسي رفض الانتقادات الموجهة إليه وإلى «لجنة الحريات الفردية والمساواة» التي شكلها. ومن ثمّ، ذكّر معارضيه بكون الدولة التونسية الحديثة، بقيادة الحبيب بورقيبة، اختارت أن يكون قانون الأحوال الشخصية أوَّلَ قانونٍ تُبادرُ به، قبل إعلان الجمهورية في 25 يوليو (تموز) 1957 وإصدار دستور الجمهورية الأولى في غرة يونيو (حزيران) 1959، ويومذاك، قامت «تونس بورقيبة» بتلك الخطوة رغم اعتراضات ثلة من علماء جامع الزيتونة وعدد كبير من مشايخ الأزهر والفقهاء في العالم الإسلامي.

الفصل بين الشأنين الديني والسياسي
ورداً على الانتقادات القوية التي وجّهها رموز التيارات الدينية وعدد من خطباء المساجد إلى المبادرة الرئاسية، التي وصفوها بمخالفة العرف وتقاليد المجتمع التونسي ومرجعياته الشرعية، تمسك الرئيس قائد السبسي، في كلمة توجه بها إلى الشعب، بالفصل الثاني من الدستور التونسي، الذي نصَّ بوضوح على الصبغة المدنية للدولة والقوانين، إذ جـاء فيه النص: «تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب وعلوية القانون».
واعتبر قائد السبسي هذا الفصل الجديد أهم إصلاح وتجديد في دستور 2014 مُقارنة بدستور 1959. ذلك أنه يؤكد على الطابع المدني للدولة، بما يعنيه ذلك من أن النظام القانوني التونسي هو نظام مدني وضعي وليس دينياً.

المسكوت عنه... وخلافه
إزاء هذه التطورات المتلاحقة وخلفياتها الجدية، من الطبيعي أن يتساءل راصدو مؤشرات الحركة السياسية في تونس عن الكيفية المحتملة للخروج من هذا المأزق بالنسبة لكبار اللاعبين السياسيين في تونس، بما يضمن تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها موفى العام المقبل؟
ثمة مَن يقول: إن غالبية القوى السياسية والبرلمانية أدركت جيداً أن من بين أهداف العاصفة السياسية والإعلامية الحالية إضعاف حزب «حركة النهضة» الذي تزايد دوره السياسي داخل تونس وفي محيطها الإقليمي.
ذلك أنه في أعقاب نجاح قيادة «حركة النهضة» في تعطيل محاولات قيادات في «نداء تونس» ونقابات العمال ورجال الأعمال الإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة يوسف الشاهد، قد يبدأ المنعرج بمفاوضات جديدة في قصر قرطاج الرئاسي تشمل قيادات النقابات والأحزاب الكبرى، وتؤدي إلى توافقات سياسية علنية وأخرى سرّية حول المشهد السياسي لمرحلة ما بعد العودة البرلمانية والمدرسية والجامعية. وتالياً، تبرز تساؤلات مبرّرة، مثل هل تتابع حكومة يوسف الشاهد مهامها؟ أم تشكل حكومة تكنوقراط جديدة - من غير السياسيين الحزبيين - تكون مهمتها الإشراف على التحضيرات للانتخابات في العام المقبل، وقد يكون الشاهد نفسه من بين أبرز المرشحين فيها؟
مؤشرات عديدة ترجح فرضية تدخل الزعماء للسياسيين لتدارك الأمر قبل فوات الأوان. وهنا نشير إلى أنه صدرت أخيراً عن البرلماني عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم «حركة النهضة»، والوزير السابق لطفي زيتون المستشار السياسي لرئاسة «حركة النهضة»، ورئيس المكتب السياسي لـ«الحركة» نور الدين العرباوي، تصريحات عن إمكانية خوض جولة جديدة من الحوار بين رموز الدولة وقيادات النقابات والأحزاب. ووفق التصريحات قد يكون في رأس أهداف هذه الجولة الحوارية العمل على تجنب استدراج الشباب المتدين من جهة... وخصومهم من العلمانيين الليبراليين واليساريين من جهة ثانية، نحو مواجهات غير مأمونة العواقب، من شأنها، حتماً، تهديد إنجازات رموز التجديد الفكري والديني التونسي الحداثي وإضافات المصلحين الوطنيين خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار المباشر وبناء الدولة الحديثة خلال السنوات الستين الماضية.

محطات تونسية سابقة في القوانين المنحازة للمرأة
- اختارت تونس أن تمنح للبنت حق إرث والدها باستعمال تقنية «الرّد» و«إزالة قاعدة الحجب» منذ قانون صدر في 1959.
- مسيرة «الإصلاح الفكري والتجديد الديني» في تونس الحديثة بدأت منذ انطلاق الإصلاح السياسي في 10 سبتمبر (أيلول) 1857 بإعلان «عهد الأمان» الذي منح حقوقاً بالجملة لغير المسلمين، ثم دستور 26 أبريل (نيسان) 1861 الذي كان أول دستور عربي.
- دستور الاستقلال الصادر في غرة يونيو (حزيران) 1959 منح حقوقاً بالجملة للمرأة والأسرة.
- بالتوازي مع الإصلاح السياسي، كانت هناك محطات للإصلاح الاجتماعي أيضاً، من ذلك إلغاء العبودية في 26 يناير (كانون الثاني) 1846، وإصدار «مجلة الأحوال الشخصية» في 13 أغسطس (آب) 1956 التي يعتبرها كثيرون أهم إصلاحٍ اجتماعي حدث في القرن العشرين في تونس. إذ وضعت المرأة في صُلْبِ تغيير المجتمع التونسي بأن حررتها وحفظت كرامتها ومكّنتها من الحق في الاختيار الشخصي، ومن ذلك حرية اختيار القرين التي تدعَّمت بإلغاءِ ما عُرِف بمنشور 73 في 8 سبتمبر2017.
- تَدَعَّمَت المكاسب السياسية للمرأة التونسية بإقرار التناصف العمودي والأفقي في القانون الانتخابي التونسي منذ 2011.
- دستور الثورة التونسية الجديد المصادق عليه في 26 يناير 2014 كان واضحاً وصريحاً في تنصيصه على المساواة في الحقوق والواجبات بين التونسيات والتونسيين توطئةً وفصولاً. إذ نَصَّت «التوطئة» على العزم على إقامة نظام «تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام حقوق الإنسان (....) والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات». كذلك جاء في الفصل 21 منه: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواءٌ أمام القانون من غير تمييز». إذ إن الأصل هو المساواة على قاعدة المواطنة والانتماء للدولة من دون تمييز بمقتضى الجنس أو العرق أو اللون أو الدين.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».