إيطاليا تتحول إلى خاصرة أوروبية رخوة مالياً واقتصادياً

الوضع يتفاقم أكثر إذا استمرت الحكومة اليمينية الشعبوية في مناهضتها بروكسل

فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
TT

إيطاليا تتحول إلى خاصرة أوروبية رخوة مالياً واقتصادياً

فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)

ترتفع معدلات الفوائد في إيطاليا منذ تشكيل الحكومة الجديدة المكونة من «حركة النجوم الخمسة» الشعبوية وحزب الرابطة اليميني، وذلك الارتفاع يعبر بالدرجة الأولى عن قلق المستثمرين، لا سيما من توجهات انفلات الإنفاق العام بحيث يتجاوز عجز الموازنة المعدل الآمن الذي تفرضه قواعد الاتحاد الأوروبي، كما أن هناك خوفا من الرجوع عن الإصلاحات التي أجراها رئيس الحكومة السابق ماتيو رينزي. هذه المخاوف تحول الوضع الإيطالي إلى «هش» بنظر بروكسل، لا سيما عند منعطفات أزمات كالتي تمر بها تركيا حالياً.
وأكدت مصادر مصرفية أن التقارير المتشائمة لا تمر مرور الكرام، بل تزيد الطين بلة؛ كما حصل الأسبوع الماضي عندما أصدر بنك «سوسييتيه جنرال» تقريراً أشار فيه إلى أن سندات الخزانة اليونانية أصبحت أكثر أماناً من نظيرتها الإيطالية.
وتؤكد المصادر عينها أن ذلك القلق يتعاظم أكثر منذ 15 أغسطس (آب) الحالي عندما اقترضت الحكومة بسندات لعشر سنوات بفائدة 3.15 في المائة، وهي الأعلى منذ عام 2014. وبذلك يتسع الهامش بين فوائد السندات الألمانية والإيطالية إلى أعلى مستوى منذ عام 2013 عندما بلغت أزمة الديون السيادية الأوروبية أوج مخاطرها آنذاك.
وجاءت كارثة انهيار جسر جنوى لتثقل هذا المناخ أكثر، لأن التحالف الحكومي الجديد استغل المناسبة ليصب جام غضبه على السياسات السابقة وعلى قواعد الاتحاد الأوروبي المحذرة من زيادة الإنفاق العام. إذ قال مصدر من حركة النجوم الخمسة الشعبوية: «إذا كان الاتحاد الأوروبي يحول بيننا وبين ضرورة القيام بورشة لتحديث بنانا التحتية والفوقية، فلماذا إذاً علينا احترام قواعد ذلك الاتحاد؟!».
ويتسرب من مصادر حكومية أن الاتجاه الآن هو نحو إعادة التفاوض مع المفوضية الأوروبية في بروكسل بشأن التقشف وقواعد ضبط الإنفاق.
في المقابل، هناك قلق محسوس في بروكسل، حيث ترد مصادر المفوضية على تلك المقولات التي تعتبرها «خاطئة» و«غير لائقة»، لأن الاتحاد منح إيطاليا لفترة 2014 - 2020 مبلغ 2.5 مليار يورو لتحديث البنى التحتية، وحصلت إيطاليا في أبريل (نيسان) الماضي على مبلغ 8.5 مليارات يورو خصصت لمخططات استثمار في الطرق السريعة، وهناك برنامج إنفاق قيمته 12 مليار يورو لقطاع النقل.
وتحذر مصادر المفوضية من توجهات الحكومة الإيطالية الجديدة الخاصة بزيادة الإنفاق بحيث يتجاوز عجز الموازنة نسبة 3 في المائة من الناتج، وهذا التجاوز يضرب بعرض الحائط الالتزامات التي على إيطاليا وأي بلد آخر في الاتحاد «احترامها جيداً» وفقاً لتلك المصادر، وإلا فإن المخاطر ستزيد وتتوسع دوائر العدوى لتضرب كل مستلزمات التنقية المالية الضرورية على المستوى الأوروبي العام. لكن يبدو أن الحكومة الإيطالية الجديدة غير عابئة بتلك التحذيرات، وتقول مصادرها إن «نسبة الـ3 في المائة ليست كتاباً منزلاً!».
وتشير المصادر المصرفية إلى أن اتحادات أرباب العمل في إيطاليا - كما المصارف الإيطالية وعموم المستثمرين الأوروبيين - يشاطرون بروكسل رأيها، ولا يوافقون على التوجهات الحكومية، لأن زيادة الإنفاق، ومعه ارتفاع عجز الموازنة، يؤديان إلى تراكم الديون أكثر في بلد يعيش فوق طاقته ويرتب أعباء ثقيلة على الأجيال المقبلة. ويضيف أرباب العمل في إيطاليا إلى ذلك تحذيراً من مغبة المضي قدماً في نقض الإصلاح الذي أجراه ماتيو رينزي والخاص بتخفيف قيود قانون العمل، لأن العودة إلى الوراء في هذا المجال تضع عراقيل أمام الاستثمارات المطلوبة لخلق فرص عمل في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه 11 في المائة.
ويسيطر حالياً مناخ حذر شديد بانتظار موعد 27 سبتمبر (أيلول) الذي ستعلن فيه الحكومة الخطوط العريضة لمشروع ميزانيتها الجديدة، فإذا طبق التحالف البرنامج الذي على أساسه فاز في الانتخابات وذهب بعيداً في وعوده الشعبوية، لا سيما وعد خفض بعض الضرائب وتأمين حد أدنى من الدخل لكل فرد إيطالي «محتاج» بواقع 780 يورو، فإن العجز سيصل إلى 6 في المائة من الناتج وفقاً لحسابات أجراها مكتب «كابيتال إيكونوميكس».
ويحذر مفوضون أوروبيون من أي خطأ إيطالي في الحسابات، ويدعون الإيطاليين إلى وعي مخاطر ارتفاع الفائدة. ففي بلد يبلغ دينه العام 132 في المائة من الناتج، فإنه في «عين العاصفة» إذا صعدت الفوائد أكثر في موازاة عجز متعاظم في الموازنة. فنسبة ذلك الدين هي الأعلى أوروبياً بعد اليونان. ويضيف أحد المفوضين: «بذلت إيطاليا جهوداً جبارة في سبيل التنقية المالية منذ 6 سنوات. ففي عام 2012 كانت كلفة فوائد الدين العام أكثر من 83 مليار يورو (5.2 في المائة من الناتج)، وهبطت تلك الكلفة في 2017 إلى نحو 66 ملياراً (3.8 في المائة من الناتج). وجاء ذلك أيضاً بفضل جهود بذلها الاتحاد الأوروبي لمساعدة إيطاليا، لا سيما عندما خفض البنك المركزي الأوروبي الفوائد إلى أحد أدنى مستوياتها التاريخية، كما أن البنك المركزي اشترى إصدارات إيطالية بكثافة. بيد أن المشهد بدأ يتغير منذ وصول التحالف اليميني الشعبوي إلى السلطة، فبعد كل تلك الجهود التي أثمرت انخفاضا في هوامش الفوائد، عادت تلك الهوامش لترتفع بقوة، فإذا بإيطاليا تقترض بفائدة أعلى من 3 في المائة مقابل 0.30 في المائة لفوائد الإصدارات السيادية الألمانية، و0.65 في المائة للفرنسية».
وترد بعض المصادر الإيطالية معتبرة تلك التحذيرات بمثابة «تهويل»، وتقول: «يبشروننا بالأسوأ وتحديداً بعاصفة مالية، لكنهم لا يذكرون أن لدى إيطاليا بعض المزايا التي ستحول نسبياً دون هبوب تلك العاصفة المزعومة. أولاً في إيطاليا أحد أعلى نسب التوفير والادخار في أوروبا. فادخار الأفراد والأسر يبلغ 4400 مليار يورو (4.4 تريليون)، والدين العام ممسوك بنسبة 75 في المائة من مقرضين إيطاليين. إلى ذلك، فإن متوسط عمر ذلك الدين طويل نسبياً، ولا يتجدد منه سنوياً إلا 10 في المائة فقط... لذا فإن ارتفاع الفائدة لن يكون بالنتائج الكارثية التي يحذر منها البعض».
وترد أيضاً مصادر المفوضية على تلك «التطمينات» بتجديد تحذيرها من خفض الضرائب إلى 15 أو 20 في المائة، كما جاء في البرامج الانتخابية، لأن ذلك سيخفض الإيرادات، في المقابل ستزيد المصروفات إذا وفي التحالف بوعد تأمين دخل قيمته 780 يورو لكل مواطن «محتاج».
وتضيف المصادر أن مشكلة إيطاليا ليست مالية فقط، بل هي اقتصادية أيضاً متعلقة بالتنافسية والنمو كما يؤكد البنك المركزي الأوروبي. إذ ورد في دراسة لـ«المركزي» أن متوسط دخل الإيطالي تراجع منذ 1999. وهو تاريخ إطلاق عملة اليورو، بنسبة 25 في المائة مقارنة بمتوسط دخل مواطني الدول الأعضاء في الاتحاد، وهناك شيخوخة زائدة في المجتمع، ونقص في الاستثمارات الإنتاجية، وتراجع في نمو الصادرات... كل ذلك يجعل مهمة الحكومة الجديدة المكونة من حركة النجوم الخمسة الشعبوية وحزب الرابطة اليميني أصعب مما يعتقده أعضاء هذا التحالف الذي فاز بالانتخابات مستخدماً شعارات «قد لا تكون مناسبة، أو صعبة التطبيق، أو حتى خطرة لأنها شعبوية أكثر من اللزوم»، وفقاً لمصدر مسؤول في بروكسل.



الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.