تهريب المهاجرين في ليبيا... رحلة عذاب وسُخرة وموت

صراع عصابات «المال الحرام» على {بيزنس} الاتجار بالبشر



مهاجرون غير شرعيين في مركز لتجميع المهاجرين قرب العاصمة الليبية (جهاز مكافحة الهجرة فرع طرابلس طريق السكة)
مهاجرون غير شرعيين في مركز لتجميع المهاجرين قرب العاصمة الليبية (جهاز مكافحة الهجرة فرع طرابلس طريق السكة)
TT

تهريب المهاجرين في ليبيا... رحلة عذاب وسُخرة وموت



مهاجرون غير شرعيين في مركز لتجميع المهاجرين قرب العاصمة الليبية (جهاز مكافحة الهجرة فرع طرابلس طريق السكة)
مهاجرون غير شرعيين في مركز لتجميع المهاجرين قرب العاصمة الليبية (جهاز مكافحة الهجرة فرع طرابلس طريق السكة)

من داخل عنابر ضيقة مسقوفة بألواح الخشب ورقائق الصاج، يُطلق عليها محلياً اسم «كمبوهات»، وقف عشرات المهاجرين غير الشرعيين، بينهم نساء وأطفال، مشدوهين ينتظرون مصيرهم فور اندلاع معركة دامية بالأسلحة تورط فيها أفراد من عصابة «أبو قرين» وخلفت ثلاثة قتلى ومثلهم مصابين من ذوي قرابتهم بطلق نيران عشوائي.
والمهاجرون، الذين ينتمون إلى جنسيات أفريقية وآسيوية، حُشروا قبل ستة أشهر في هذه العنابر قرب العاصمة الليبية طرابلس استعداداً لآخر مرحلة في رحلتهم الطويلة التي بدأت من على أطراف صحراء الجنوب الليبي بالقرب من تشاد وانتهت بالقرب من شاطئ مدينتي زوارة وصبراتة الواقعتين بغرب البلاد، وتعدان أشهر مراكز تجميع المهاجرين غير النظاميين، ونقلهم في زوارق مطاطية إلى عرض البحر المتوسط.
وقال مسؤول في أحد الأجهزة الأمنية بغرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط»: «ذهبنا إلى المكان الذي شهد إطلاق النيران بعد بلاغ من المحيطين به في صبراتة، فوجدنا قتلى ومصابين، ولم نعثر على عناصر من الميليشيا، أو المهاجرين». وتابع: «استمعنا إلى شهادات بعض المصابين، وكيف تم تسليمهم من عصابة إلى أخرى حتى وقعوا في أيدي عناصر ميليشيا (أبو قرين) قبل أن تدفع بهم في زوارق متهالكة إلى البحر».
و«أبو قرين» من أبرز عصابات تهريب المهاجرين في صبراتة، بجانب ميليشيات أخرى تنشط في مدينة الزاوية، غرب العاصمة طرابلس بـ48 كيلومتراً، من نوعية «إبراهيم الحنيش» و«أبو عبيدة الزاوي»، علماً بأن هذه الميليشيا الأخيرة سبق وتورطت، كما يُزعم، في خطف دبلوماسي مصري وثلاثة إداريين في سفارة مصر في طرابلس عام 2014.
وترصد المنظمات الدولية المعنية بالهجرة تدفق عشرات الألوف على ليبيا سنوياً من الراغبين في الهروب إلى أوروبا، عبر البحر المتوسط. وخلافاً للمهاجرين المحتجزين في فروع مراكز الإيواء للمهاجرين غير الشرعيين، قدّر عادل التاجوري، مدير الفريق الوطني المكلف بإعداد المسح لآثار الهجرة على الصحة العامة، الموجودين خارج مراكز الإيواء بـ600 ألف تقريباً، بالإضافة إلى 7 آلاف آخرين داخل المراكز في ليبيا.
وتنطلق رحلة تهريب المهاجرين عادة بالتسرب عبر الحدود الرابطة بين ليبيا ومصر والسودان وتشاد والنيجر بالإضافة إلى الجزائر، وهو ما دلّ عليه الصومالي «بشير» أحد المصابين الثلاثة، في التحقيق التي أجرته معه أجهزة أمنية في صبراتة، فقد قال: «وصلنا إلى الصحراء الليبية بعد رحلة قاسية، استغرقت أكثر من أسبوعين، تنقلنا خلالها من شاحنة إلى أخرى حتى وصلنا إلى مدينة سبها (عاصمة الجنوب الليبي)، ماتت فيها طفلة صغيرة كانت بصحبة والدها... لم تتحمل حرارة الجو الشديدة داخل صندوق الشاحنة المغلقة، وأصيب غالبيتنا بالإعياء».
وكشف بشير تفاصيل نقلهم عبر الحدود، قائلاً: «تجمعنا في أحد الأماكن في دولة تشاد بواسطة بعض الأفراد المسلحين، تحصّلوا من كل فرد منا على 600 دولار، وبعد ثلاثة أيام ارتفع عددنا إلى نحو 200 فرد، وعندما ضاق بنا المكان بدأوا في تقسيمنا إلى مجموعات».
ويكمل: «وفي اليوم الرابع نُقلت أنا و40 فرداً، بعضهم من الصومال ونيجيريا والكاميرون، بينهم ثلاث سيدات وطفلتان في صندوق شاحنة كبيرة عبر منطقة وادي فيرا، بعد أن كانت الخطة أن نغادر من مدينة أغاديز بالنيجر... انطلقت بنا الشاحنة، التي تعطلت أكثر من مرة، عبر دروب صحراوية مدة يومين، دون طعام أو ماء، وهناك أنزلونا في منطقة خالية من السكان، وتركونا في جو حار وغادروا، وقالوا لنا: أنتم في سبها».
واستكمل بشير الصومالي، الذي يعالج من جرح عميق في جانبه الأيمن اخترقته رصاصة من أفراد ميليشيا «أبو قرين»: «قبل أن يحل علينا الظلام في سبها، أتت إلينا شاحنة كبيرة كان يستقلها ثلاثة مسلحين، وأركبونا في صندوق خلفي مغلق، له رائحة قذرة، بعدما استولوا على كل ما معنا من نقود، وأعطونا طعاماً ومياهاً، وسارت في الظلام لساعات طويلة، وعندما شعر بعضنا بالإعياء الشديد، طرقنا بأرجلنا وأيادينا على كابينة السائق، فتوقف بعد قرابة ساعة عند مدخل صبراتة... لكن الطفلة (لوجيا) ماتت بين يدي والدها النيجيري».
ويستنتج المسؤول الأمني، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن «رواية المواطن الصومالي بشير بقدر ما أكدت على أن عصابات التهريب تنتهك حدود دول جوار ليبيا مُستغلة حالة الانفلات الأمني في البلاد، واللعب على عواطف الحالمين بحياة وردية في أوروبا، إلاّ أنها كشفت عن أن تلك العصابات سلسلة متصلة، تعمل بأسلوب مُتدرج، على طريقة (سلم وتسلم) بمعنى أن كل عصابة تسلم الأخرى في مواعيد وأماكن معلومة يتم الاتفاق عليها فيما بينها، مقابل الحصول على نسبة من المال المُتحصل عليه من المهاجرين المغلوب على أمرهم بعدما أصبحوا أسرى لديهم».
وذهب إلى أن «غالبية الطرق التي تسلكها عصابات تهريب البشر، في الجنوب الليبي، واقعة تحت سيطرة قبائل مشهورة من الطوارق والتبو. وتعتبر هذه الأنشطة، التي تضم أيضاً تهريب البضائع والمواد المخدرة، الأساس التجاري الذي تتعايش عليه بعض القبائل منذ ما قبل سقوط نظام معمر القذافي (عام 2011) وإلى الآن».
رؤية المسؤول الأمني، رجحها الليبي محمود علي الطوير الذي يعمل مستشاراً بالمعهد العربي الأوروبي بفرنسا للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، إذ قال إن «هناك مقابلات عدة أجرتها منظمات غير حكومية مع مهاجرين من إريتريا وإثيوبيا على سبيل المثال، وكشفوا أن عصابات من وطنهم عملت على تهريبهم مقابل المال».
وأضاف الطوير، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن الـ600 ألف مهاجر الذين ينتشرون في البلاد، بعضهم يوجدون في الجنوب الليبي ينتظرون رحلة برية تنقلهم إلى غرب ليبيا، نثل القربولي والزاوية وزوارة، والبعض الآخر يظل في قبضة المهربين داخل أماكن تجميع انتظاراً للحظة نقلهم إلى البحر».
وتابع: «للأسف أكثر الفئات التي تقع ضحايا لعمليات الاتجار هم الفئات المستضعفة من النساء والأطفال القُصّر». لكن الطوير ربط بين تفشي هذه الظاهرة و«عدم تعاون دول الجوار مع السلطات الليبية في التصدي لهذه الأزمة، بجانب ضعف الأجهزة الأمنية، مما سهّل الأمر أمام المهربين وتجار البشر في عملية النقل والتنقل بأريحية تامة».
كان النهار قد انتصف في مدينة صبراتة الساحلية، التي تسيطر على جوانب منها عصابات تهريب البشر إلى أوروبا، ووجد المهاجرون المتعبون أنفسهم، بعد رحلة تصل في شوطها الأخير قرابة 800 كيلومتر، بين مهاجرين آخرين من جنسيات أفريقية وآسيوية مختلفة؛ يقول المواطن الصومالي بشير في روايته لجهات التحقيق: «تعرفنا في (الكمبو) على مهاجرين كانوا معنا قبل أن نغادر تشاد، وآخرين أخبرونا أنهم في هذه العنابر منذ ستة أشهر أو أكثر، ويتعرضون للضرب والتعذيب بواسطة الكي بالنار، بجانب إجبارهم على العمل في المزارع والبناء وتحويل الحجارة على أكتافهم».
وأضاف: «بعد أيام من إحضاري، جاء إلينا بعض المسلحين، وطلبوا نقوداً، وبدأوا يضربوننا بعنف، وكانوا يكررون ذلك من يوم لآخر، وطالبونا بأن نتصل بذوينا في الصومال وإثيوبيا لإرسال أموال، ويهددون باغتصاب النساء والأطفال».
وميليشيا «أبو قرين» تضم أفراداً من الخارجين على القانون المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في الثامن من يونيو (حزيران) الماضي، الذي يقضي بعقاب 6 شخصيات، بينهم 4 ليبيين، واثنان يحملان الجنسية الإريترية، لدورهم في عمليات التهريب والاتجار في البشر والهجرة غير القانونية في ليبيا.
والليبيون المشمولون بالعقوبات هم: مصعب أبو قرين، ومحمد كشلاف، وعبد الرحمن الميلادي، وأحمد الدباشي، أما الإريتريان فهما إيرمياس فيرماي، وفيتيوي إسماعيل عبد الرزاق.
وتتلخص العقوبات على الأفراد الستة بتجميد الأصول وحظر السفر وإجراءات أخرى مرتبطة باتهامهم كذلك بتهريب النفط، بما في ذلك النفط الخام ومنتجات التكرير.
وذكر مجلس الأمن، في بيان صحافي، أن أحمد الدباشي، من المتوقع أن يكون موجوداً في القرة بوللي شرق طرابلس، أو في الزاوية، فيما يوجد محمد كشلاف وعبد الرحمن الميلادي في الزاوية، أما الإريتري إيرمياس جيرماي، فقد كان موجوداً في طريق السور بطرابلس وانتقل إلى صبراتة عام 2015 ولم تتوفر عنه معلومات منذ ذلك الحين، فيما ظل مكان كل من مصعب أبو قرين وفيتيوي إسماعيل عبد الرزاق مجهولاً.
ومعاناة المهاجرين لا تقتصر على الألوف الذين ينتشرون في شوارع ليبيا فقط، بل إن المنظمات الدولية دائماً ما توجه اتهامات للسلطات في ليبيا بعدم صلاحية بعض مقار مراكز الإيواء، البالغ عددها 20 مركزاً في غرب البلاد، وتضم قرابة 7 آلاف مهاجر من جنسيات مختلفة، لإقامة المهاجرين فيها، فضلاً عن معاملتهم بشكل قاس. لكن العميد محمد علي بشير، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، نفى ذلك، وقال في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «نحن نعامل كل المهاجرين غير الشرعيين، بشكل إنساني، ورغم قلة إمكانات البلاد، فإننا نسعى لتوفير كافة احتياجاتهم».
وأضاف رئيس جهاز مكافحة الهجرة: «خلال الأشهر الماضية نظمنا لهم برامج ومسابقات ترفيهية، وبغض النظر عما يتم تداوله في وسائل إعلام غربية، فإن جهاز مكافحة الهجرة يهتم بعلاج المهاجرين، وتعليمهم»، لافتاً إلى «أنه يستهدف إغلاق مراكز الإيواء نهائياً مستقبلاً، بعد تكثيف رحلات العودة الطوعية للمهاجرين إلى أوطانهم».
وانتهى قائلاً: «لن أهدأ إلا عندما أغلق كل مراكز الإيواء، وأجعل رقمها صفراً إن شاء الله، ولن نسمح بخروج المهاجرين من مراكز الإيواء إلى دولة ثالثة».
وتشير التقارير إلى أنه تم إجراء 6833 عملية إعادة مهاجرين إلى أوطانهم، في وقت تقول منظمات محلية وأممية إن المهاجرين غير الشرعيين الذين يتوافدون على البلاد ساهموا في نشر الأمراض مثل نقص المناعة (الإيدز) والسل (الدرن) والالتهاب الكبدي الوبائي.
والأسبوع الماضي، تمكن 21 مهاجراً غير شرعي من غامبيا من نزلاء جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية فرع تاجوراء من العودة الطوعية الإنسانية لبلادهم عبر منفذ مطار أمعيتيقة الدولي بالتعاون مع كل من مكتب ترحيل المهاجرين غير الشرعيين بالمطار والمنظمة الدولية للهجرة (IMO Libya)، وسفارة جمهورية غامبيا بطرابلس.
لكن الطوير يرى أن مراكز إيواء المهاجرين غير الشرعيين داخل ليبيا في بعض الأحيان تعجز عن تقديم أبسط الأساسيات لنزلائها، لافتاً إلى أن تضخم وازدياد أعداد المهاجرين داخل مراكز الإيواء يجعل السلطات المحلية العاملة داخل المركز عاجزة عن تقديم خدمات مثل مواد التنظيف التي يحتاجها المهاجر بشكل دوري، فضلاً عن «عدم وجود آلية لترحيل المهاجرين إلى أوطانهم، وهذا يعود بالسلب على عمل تلك المراكز».
ونوه إلى أن خفر السواحل الليبي «يعمل أحياناً في ظروف غير اعتيادية، مما يعانيه من منظمات غير حكومية داخل المياه الدولية». وقال: «تلك المنظمات تتدخل في صميم عمل القوات البحرية المحلية وتعرقل عملها والقيام بدورها الوطني والإنساني في عملية الإنقاذ».
لكن الجهود الأممية والمحلية لم تحد من انتشار وتغوّل عصابات تهريب البشر في ليبيا، فهي بحسب المسؤول الأمني، «تفتح كل الطرق من جنوب البلاد إلى غربها أمام عمليات التهريب من أجل مال حرام يحصلون عليه بالنصب وغواية تلك الفئات المستهدفة». وقال: «أصبح من المعتاد أن نجد مهاجرين كانوا محتجزين لدى عصابات وهربوا منها، باتوا الآن يعملون بـ(اليومية) في مجالات الزراعة والبناء والحدادة ويدّخرون من قوتهم بعض النقود، ويصرون على منحها إلى تجّار بشر آخرين لنقلهم إلى أوروبا في رحلة جديدة».
وعبر أكثر من 600 ألف شخص البحر المتوسط إلى إيطاليا خلال السنوات الأربع الأخيرة، غالبيتهم انطلق من ليبيا، بحسب إحصاءات رسمية. ووفقاً لتقرير صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية مؤخراً فإن «65 في المائة من المهاجرين الذين رسوا على السواحل الإيطالية خلال عام، وصلوا على وجه الخصوص من ليبيا، و15 في المائة من تونس، و3.5 في المائة من تركيا، و2 في المائة من الجزائر، ونسبة مماثلة من اليونان ومن مصر، و0.5 في المائة من الجبل الأسود».
وتمثل تونس النسبة الأكبر بين الجنسيات الوافدة إلى إيطاليا، بحسب التقرير، إذ تبلغ 20 في المائة، و11 في المائة من إريتريا، و7 في المائة من نيجيريا، ومثلهم من السودان، و6 في المائة من العاجيين، ومثلهم من مالي، و5 في المائة من الجزائريين، و4 في المائة من المغرب، والنسبة ذاتها من الغينيين والباكستانيين والعراقيين.
ويقضي مئات المهاجرين غرقاً في عرض المتوسط، لكن أفراد خفر السواحل الليبي وناشطين في منظمات دولية ينجحون في أكثر الأحيان في إنقاذ آخرين من غرق مُحقق، فيعاد البعض منهم إلى مراكز إيواء في ليبيا، بينما ينجح البعض الآخر في الانتقال إلى البر الثاني، حيث أوروبا.
وإجمالي عدد المهاجرين واللاجئين الذين دخلوا أوروبا عبر البحر المتوسط بلغ أكثر من 60 ألفاً منذ بداية عام 2018 وحتى أغسطس (آب) الحالي، ويمثل هذا العدد نحو نصف عدد المهاجرين الذين دخلوا أوروبا في هذا الوقت من العام الماضي.
ويرى مدير بعثة منظمة الهجرة الدولية في ليبيا، عثمان البلبيسي، أن أزمة المهاجرين تعد مسؤولية دولية وإقليمية، ولا يمكن ترك ليبيا تواجهها بمفردها. ودعا في مقال نشرته وكالة «تومسون رويترز» إلى تطبيق مجموعة من المقترحات لتحسين وضع المهاجرين، من بينها تحسين قدرات خفر السواحل الليبي، والأنظمة الخاصة بتسجيل المهاجرين بعد إنقاذهم وجمع المعلومات من خلال تسجيل بياناتهم وحالاتهم الصحية، بجانب تحسين البنية التحتية وآليات فحص المهاجرين العائدين إلى ليبيا، وتحسين وضع منشآت استقبال المهاجرين على طول السواحل الليبية لضمان حصولهم على الحماية والمساعدة المطلوبة.
كما طالب مدير بعثة منظمة الهجرة الدولية في ليبيا بضرورة إصدار تشريع خاص لمكافحة أنشطة تهريب المهاجرين، وتحسين هياكل الإدارات التي تتعامل مع أزمة الهجرة بطريقة تصب لصالح المهاجرين والليبيين على حد السواء مع احترام حقوق الإنسان.
واستكمالاً لرؤية البلبيسي، يضيف الطوير، المستشار بالمعهد العربي الأوروبي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، لـ«الشرق الأوسط»، أنه عندما تكاتفت الجهود تم القضاء على الكثير من تلك العصابات في صبراتة (70 كيلومتراً غرب طرابلس العاصمة) العام الماضي، لافتاً إلى «وجود مجهود واضح من السلطات المحلية في محاربة الاتجار بالبشر، ولكن إذا تم ذلك دون تقديم المساعدات والاستفادة من الخبرة الدولية ستكون النتيجة على غير المتوقع».
وأمام الجهود التي يتحدث عنها الطوير للحد من تدفق المهاجرين على البلاد، ومنع عصابات التهريب من جلبهم من دول أفريقية وآسيوية، لا تزال الزوارق التي تقل مئات المهاجرين تغرق أمام السواحل الليبية، وفي عرض المتوسط، وهو ما انتهى إليه مصير «بشير»، إذ يقول المسؤول الأمني إن «المواطن الصومالي بعد شفاء جرحه غادر المستشفى إلى سوق العمل، وأخبر من كان يعمل معهم في صبراتة أنه سيرحل إلى زوارة (على ساحل البحر المتوسط، 120 كيلومتراً غرب طرابلس) للسفر ليلاً، بعدما تعرف على أفراد سيساعدونه في الانتقال إلى إيطاليا مقابل 500 دولار. وفي صبيحة اليوم التالي أعلن خفر السواحل الليبي إنقاذ عشرات المهاجرين من الغرق أمام سواحل زوارة والعثور على بعض الجثث، ولم يكن المواطن الصومالي بشير بين الأحياء أو الأموات».



ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.


تصاعد شكاوى اليمنيين في صنعاء وإب من الانتهاكات الحوثية

الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
TT

تصاعد شكاوى اليمنيين في صنعاء وإب من الانتهاكات الحوثية

الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)

تشهد مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في شكاوى السكان من انتهاكات وممارسات وصفوها بـ«التعسفية» من قِبَل قيادات نافذة في الجماعة، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية متدهورة وتراجع مستمر في مستوى الخدمات الأساسية، الأمر الذي دفع متضررين إلى اتخاذ خطوات احتجاجية، بينها الإضراب عن الطعام.

وتعكس هذه التطورات حالة احتقان متنامية في عدد من المحافظات، خصوصاً في صنعاء وإب، حيث يتهم السكان قيادات حوثية باستغلال النفوذ للسيطرة على الممتلكات الخاصة والتأثير في مسار العدالة، وسط غياب آليات إنصاف فعالة، حسب شهادات محلية وحقوقية.

في هذا السياق، أعلن أحد السكان، في العاصمة المختطفة صنعاء، يدعى شرف حجر، دخوله في إضراب شامل عن الطعام احتجاجاً على ما وصفه باستمرار تعرضه للظلم منذ سنوات، مؤكداً أنه استنفد جميع الوسائل القانونية والاجتماعية للحصول على الإنصاف دون جدوى.

وقال حجر، في مقطع مرئي تداوله ناشطون، إن قضيته تعود إلى أكثر من تسع سنوات، مشيراً إلى صدور أحكام وتوجيهات قضائية عدة لصالحه، لكنها لم تُنفذ. وأوضح أن محاولاته المتكررة لمتابعة قضيته عبر الجهات القضائية التابعة للجماعة لم تؤدِّ إلى نتائج، بل ترافقت، حسب قوله، مع تهديدات مباشرة وتضييق مستمر.

ابن عم زعيم الحوثيين يرى أنه أحق برئاسة مجلس حكم الانقلاب (إ.ب.أ)

وحسب مقربين منه، جاء قرار الإضراب عن الطعام بعد شعوره بانسداد كامل لقنوات الشكوى، معتبرين أن القضية باتت مثالاً على صعوبة حصول المواطنين على العدالة في ظل نفوذ القيادات المسلحة داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وأثار إعلان الإضراب قلقاً واسعاً بين ناشطين وحقوقيين في صنعاء، الذين اعتبروا أن لجوء مواطن إلى هذا الخيار يعكس مستوى متقدماً من اليأس وفقدان الثقة بالمؤسسات القضائية. ودعا هؤلاء إلى فتح تحقيق شفاف ومستقل في الادعاءات، وضمان سلامة المضرب وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وكان حجر قد نشر خلال السنوات الماضية تسجيلات مصورة تحدث فيها عن ملابسات قضيته منذ عام 2017، حين أُقيل من عمله في شركة اتصالات عقب اتهامات قال إن القضاء أثبت لاحقاً بطلانها، متهماً قيادياً حوثياً بارزاً بالوقوف خلف الإجراءات التي تعرض لها، بما في ذلك مصادرة حقوقه الوظيفية وحرمانه من العودة إلى عمله.

تغوّل حوثي

تسلط قضية حجر الضوء على أزمة أوسع تتعلق بثقة اليمنيين في منظومة العدالة داخل مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يشكو السكان من تغوّل النفوذ الشخصي لقادة الجماعة على حساب الأحكام القضائية.

ويرى حقوقيون أن تكرار الشكاوى المرتبطة بتجاهل قرارات قضائية أو تعطيل تنفيذها يشير إلى وجود ازدواجية بين المؤسسات الرسمية الخاضعة للحوثيين والهياكل غير الرسمية التابعة لهم والتي تفرض قراراتها بقوة النفوذ والسلاح، وهو ما يلغي دور القضاء ويحدّ من قدرته على حماية الحقوق.

مسلح حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

كما يشير مراقبون إلى أن استمرار الانتهاكات يأتي في سياق أزمة اقتصادية خانقة، مع انقطاع الرواتب وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يجعل النزاعات على الوظائف والممتلكات أكثر حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاجتماعي.

وتؤكد تقارير محلية أن تراجع الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، أسهم في زيادة الاحتقان الشعبي، خصوصاً مع اتهامات متزايدة بوجود فساد إداري واستغلال للسلطة من قِبَل قادة الجماعة.

غضب في إب

بالتوازي مع الانتهاكات الحوثية في صنعاء، تصاعد التوتر في محافظة إب عقب شكاوى تقدمت بها أسرة «آل الشريف» بشأن محاولة الاستيلاء على أراضٍ مملوكة لهم في مديرية المشنة، على أطراف مدينة إب، من قِبَل مسلحين قالوا إنهم مدعومون من قيادات حوثية نافذة.

وأوضح أفراد الأسرة أن مسلحين شرعوا في تسوير الأراضي ومنعهم من الوصول إليها، رغم امتلاكهم، حسب قولهم، أحكاماً قضائية تثبت ملكيتهم. واتهموا جهات تابعة لهيئة الأراضي الخاضعة للجماعة بمحاولة إعادة تصنيف الأرض تمهيداً لتأجيرها لصالح استثمارات خاصة مرتبطة بقيادات حوثية.

جانب من أراضٍ سورها الحوثيون بعد الاستيلاء عليها في إب (فيسبوك)

وأكد الأهالي تعرضهم لاعتداءات وتهديدات أثناء محاولتهم الاعتراض على الإجراءات، مشيرين إلى أن النزاع تطور إلى حالة احتقان مجتمعي واسعة، دفعت سكاناً وناشطين إلى التحضير لتنظيم احتجاجات سلمية للمطالبة بوقف ما وصفوه بعمليات النهب والاستيلاء.

وطالب المتضررون بفتح تحقيق محايد في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مؤكدين أن استمرار هذه الممارسات الحوثية يهدد السلم الاجتماعي ويزيد من حالة الاحتقان في المحافظة التي ترفض الوجود الحوثي فيها منذ السيطرة عليها قبل أكثر من 10 سنوات.