الراديو... أول منبر للتواصل مع المتلقي وواكب التطور التكنولوجي لضمان استمراريته

تحدى كساد ثلاثينات القرن الماضي ولا يزال يصاحب الآذان إلى اليوم

ملك بريطانيا جورج السادس في خطاب عبر الراديو خلال الحرب العالمية الثانية (غيتي)
ملك بريطانيا جورج السادس في خطاب عبر الراديو خلال الحرب العالمية الثانية (غيتي)
TT

الراديو... أول منبر للتواصل مع المتلقي وواكب التطور التكنولوجي لضمان استمراريته

ملك بريطانيا جورج السادس في خطاب عبر الراديو خلال الحرب العالمية الثانية (غيتي)
ملك بريطانيا جورج السادس في خطاب عبر الراديو خلال الحرب العالمية الثانية (غيتي)

ينظر خبراء الإعلام إلى بث الراديو على أنه أصل التواصل الاجتماعي لأنه يصل بين الجماهير ويناقش أفكارا جديدة من دون تكلفة تذكر للمستمع. ويقول الخبير جون دونهام، رئيس شركة «تيون إن» إن سهولة استخدام أجهزة الراديو التقليدية والحديثة وراء توسع استخدام هذه الوسيلة الإعلامية واستمراريتها.
وفي بحث من مؤسسة نيلسون لأبحاث الإعلام تبين أن نسبة 63 في المائة من جملة المستمعين لبث الراديو، أي ما يقرب من ثلثي إجمالي المستمعين، ما زالت تعتمد على أجهزة الراديو التقليدية غير الرقمية. وتتوجه نسبة كبيرة من هؤلاء إلى الاستماع إلى الموسيقى سواء في المنزل أو في السيارة.
وعلى الرغم من التوسع في استخدام الراديو الرقمي فإن الراديو التقليدي، خصوصا على نظام «إف إم» ما زال سائدا حاليا. ويدفع الجيل الجديد التحول التدريجي نحو البث الرقمي عبر وسائط متعددة مثل أجهزة الكومبيوتر والجوال الذكي والتطبيقات التي تصدرها محطات الإذاعة ويمكن استخدامها على الأجهزة الجوالة مثل «آي باد» والأجهزة اللوحية الأخرى.
وكشف بحث «نيلسون» أيضا أن نسبة المستمعين إلى موجات «أيه أم» و«إف إم» في الولايات المتحدة ظل ثابتا تقريبا خلال 10 سنوات حتى عام 2012. ووفقا لبيانات من وكالة بيو للأبحاث فإن نسبة 92 في المائة من الأميركيين من عمر 12 سنة فأعلى تستمتع إلى الراديو على الأقل مرة كل أسبوع. وتمثل هذه النسبة انخفاضا قدره 2 في المائة فقط من إحصاءات عام 2002.
وفي بريطانيا نشرت هيئة «أوفكوم» المنظمة للبث الإذاعي في بريطانيا تقريرها الأخير حول استخدام الراديو الرقمي، والذي كشف أن المستهلك البريطاني ما زال يشتري أجهزة الراديو التقليدية بدلا من الأجهزة الرقمية التي تعرف باسم «داب» (DAB) والتي تحتل نسبة الثلث فقط من جميع الأجهزة المباعة. ويزداد معدل الشراء في هذا القطاع بنسبة 4.4 في المائة سنويا.
وعن أسباب عدم نمو قطاع الراديو الرقمي بنسب أعلى، يقول رئيس تحرير مطبوعة «الراديو اليوم» روي مارتن، إن الراديو التقليدي من نوع «إف إم» يقدم صوتا نقيا يمكن الاعتماد عليه وخدم جمهور المستمعين عشرات السنين. ويضيف أنه بخلاف التلفزيون الرقمي الذي يوفر للمشاهد مزيدا من القنوات وخدمات تفاعلية، فإن الراديو الرقمي لم يوفر خدمات إضافية تكفي لجذب المستمع وتبرر ثمن الأجهزة المرتفع نسبيا.
أيضا، ما زال الراديو العادي يمثل ثلثي عدد الأجهزة المتاحة في السيارات الجديدة، والتي تعتبر المجال الأول للاستماع أثناء القيادة، بينما لا تزيد نسبة أجهزة الراديو الرقمية في السيارات عن الثلث.
في بريطانيا أيضا تم التحول السلس إلى التلفزيون الرقمي قبل سنوات وهي مرحلة استكملت بنجاح، ولكن التحول الرقمي في مجال الراديو لم يتحقق بعد وتقول الحكومة البريطانية إنها لن تفرضه إلا بعد أن يستعد السوق له، أي عندما تزيد نسب الاستماع الرقمي إلى الراديو عن نصف إجمالي عدد المستمعين. أيضا لا بد من تغطية بث الراديو الرقمي لمساحة أكبر من 90 في المائة في بريطانيا قبل تطبيق التحول إلى البث الرقمي.
ويعتقد كثير من الخبراء أن المستقبل يحمل كثيرا من التغيير في مجال البث الرقمي للراديو، ولكن بوتيرة بطيئة. وفي مجال بث الموسيقى هناك كثير من التطبيقات المتاحة للمستمع مثل «سبوتيفاي» و«باندورا»، بالإضافة إلى البث الخاص عبر تطبيقات «بودكاست» أو البث المباشر عبر الأجهزة الإلكترونية الذي يعرف باسم «ستريمينغ».
ويمكن تقسيم وسائل الاستماع إلى الراديو إلى عدة فئات، منها الراديو العادي والرقمي مع فارق النوعية الأفضل في حالة الراديو الرقمي. وهناك أيضا الراديو التفاعلي على أجهزة الكومبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الجوالة وهو يتيح الاستماع إلى برامج بعد بثها والتحكم في بث المحطات المفضلة عبر التطبيقات الخاصة بها. ويمكن تحميل برامج رقمية على الكومبيوتر تعرف باسم «بودكاست» وهو اسم مستعار من أجهزة «آي بود» التي كانت منتشرة في الماضي لبث الموسيقى المسجلة. ويمكن الاستماع إلى ما تم تنزيله وفق الترتيب الذي يفضله المستمع.
وهناك خدمات إذاعية لبث الموسيقى باشتراك شهري يصل إلى ما يعادل 10 دولارات مثل «ديزر» و«سبوتيفاي» تتيح تنزيل أي حجم من الموسيقى على الأجهزة الجوالة للاستماع إليها دون الارتباط بالإنترنت. ويمكن للمشترك أن يستمع إلى الموسيقى وفق ترتيب معين أو عشوائيا.
وأخيرا هناك أيضا خدمة الاستماع المباشر عبر الإنترنت التي تسمى «ستريمينغ» ويوفرها كثير من المصادر مثل «يوتيوب» و«فيفو». وفي كل الأحوال فإن هذه الروافد تتنافس مع الراديو وفي الوقت نفسه تدعم البقاء له وتوسيع رقعته.
>>>>>عمالقة السوق
وهناك عشرات من الروافد التي تعمل في مجال بث الراديو والخدمات الصوتية المساعدة، ولكن القليل منها يمثل أهم اللاعبين في هذه السوق. والنخبة التالية تمثل بعضا من عمالقة السوق حاليا ويعول عليها تطوير المجال في المستقبل.
> «بي بي سي»، وهي مؤسسة مستقلة ذات ميزانية ضخمة ممولة من تراخيص استقبال التلفزيون في بريطانيا. وتعني «بي بي سي» بالأبحاث في كثير من المجالات، منها الراديو الرقمي وشراكة مع وكالات أبحاث في مشاريع طويلة الأجل. ومؤخرا كشفت «بي بي سي» عن تطبيق للاستماع للراديو الرقمي عبر «آي بلاير»، كما تقدم خدمة أخرى اسمها «بلاي ليستر» تتيح للمستمع تنزيل الموسيقى التي يستمع إليها والاستماع إليها أو مشاركتها بعيدا عن الإنترنت.
> «سبوتيفاي»، وهي خدمة توفير الموسيقى تعتمد على استثمارات تصل إلى 500 مليون دولار، ولذلك فهي تتوجه إلى مزيد من التوسع. وهي خدمة تشتهر بتوفير الاستماع إلى الموسيقى، ولكنها تشمل أيضا خدمة راديو يتيح للمستمع اختيار نوع الموسيقى التي يفضلها ثم تقدم له مختارات منها. وتتحسن الخدمة لكي توافق ذوق المستمع مع تكرار الاستماع.
> «لاست دوت أف أم»، وهي خدمة متاحة في السوق منذ عام 2002 وتعد الأقدم بين محطات الإذاعة الرقمية على الإنترنت. وتوفر المحطة مجالات الموسيقى التي يفضلها المستمع وفقا لما يستمع إليه. وتعاني هذه الخدمة من ازدحام هذا المجال حاليا وتخصص بعض المنافسين في أسواق معينة مثل «باندورا» في الولايات المتحدة وأستراليا.
> «سيريوس إكس إم راديو»، وهي خدمة توفير محطات إذاعية رقمية عبر الأقمار الصناعية. وهي متاحة في أميركا الشمالية فقط وتوفر خدمات الموسيقى والرياضة والأخبار وحالة المرور. وهي مفيدة للسائقين في مناطق نائية حيث لا تتوفر موجات الراديو الأرضية. وهي تقدم أيضا خدمات راديو الإنترنت على الأجهزة الجوالة.
> من الخدمات الأخرى المتاحة ما يسمى «ساوند كلاود» وهي منصة رقمية تتيح تسجيل الموسيقى والمشاركة فيها، ومثلها توجد خدمات «أوديو بو» و«تيون إن» و«إيكو نيست». وبالطبع تعد خدمة «آي تيون» من «آبل» أحد أشهر هذه الخدمات التي أضافت لها الشركة مؤخرا خدمة «راديو آبل».
-- تاريخ صوتي عريق يعود إلى عام 1895
على الرغم من أن أبحاث الكهرباء والمغناطيسية وموجات الراديو تعود إلى القرن الـ18 فإن المخترع الإيطالي غوغليامو ماركوني كان أول من نجح في إرسال واستقبال موجات الراديو عمليا في عام 1895. ويعد ماركوني هو مخترع الراديو كما نعرفه اليوم.
ومن الحقائق الأخرى حول تطور الراديو:
• بدأ بث الراديو في عشرينات القرن الماضي ولكن انتشاره كان محدودا لندرة أجهزة الاستقبال التي كانت تقتصر على النخبة الثرية.
• تعتبر الفترة ما بين 1930 و1940 هي العصر الذهبي للراديو على الرغم من فترة الكساد العظيم التي عانت منها أميركا الشمالية.
• بدأ استخدام الراديو في السيارات في ثلاثينات القرن الماضي، وكانت شركة موتورولا هي الأولى في هذا المجال. وفي الستينات بدأ استخدام موجات «إف إم» في السيارات أيضا.
• تحول الاستماع إلى موجات «إف إم» في الخمسينات وبلغت نسبة الاستماع على هذه الموجات 50.1 في المائة في عام 1970.
• أدى اختراع الراديو الترانزستور الذي يعمل بالبطاريات إلى انتشار الراديو على نطاق واسع في دول العالم الثالث منذ سبعينات القرن الماضي، خصوصا في المناطق النائية التي لا يصلها التيار الكهربائي.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.