رياشي: «التيار» أخذ «الرئاسة» من «اتفاق معراب» وتنصل من بقية بنوده

وزير الإعلام لـ {الشرق الأوسط} قال إن الحديث عن التطبيع مع سوريا {مظهر من مظاهر التعطيل}

ملحم رياشي وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية
ملحم رياشي وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية
TT

رياشي: «التيار» أخذ «الرئاسة» من «اتفاق معراب» وتنصل من بقية بنوده

ملحم رياشي وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية
ملحم رياشي وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية

حذّر وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، ملحم رياشي، من التمادي في تأخر تشكيل الحكومة، معتبراً أن الحديث عن التطبيع مع سوريا أحد مظاهر تعطيل التأليف، وهو «لزوم ما لا يلزم» قبل تشكيل الحكومة. وفيما أشار إلى أن «القوات اللبنانية» رفضت عرض حصولها على 4 وزارات «دسمة» مقابل التنازل عن الحقيبة «السيادية»، أبدى حزنه لأن «التيار الوطني الحر» حصل على ما يريد من «اتفاق معراب»، وتحديداً انتخاب الرئيس ميشال عون، لكنه تنصل من كل البنود الأخرى.
وقال رياشي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنه لا جديد لغاية الآن في مشاورات تشكيل الحكومة ولا تزال العقد على حالها، مضيفاً: «ننتظر أي جديد من قبل رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، ولدينا كل الثقة أنه على قدر المسؤولية لتشكيل حكومة تليق باللبنانيين وتنسجم مع نتائج الانتخابات النيابية».
ووصف التهديد بسحب التكليف من الحريري بـ«كلام لا قيمة له»، مؤكداً أن لا أحد يستطيع أن يسحب التكليف الذي حصل عليه الحريري بأصوات 112 نائباً وفي غياب أي نص دستوري يحدد مهلة التكليف، و«نحن داعمون لسعد قلباً وقالباً».
ورفض قول بعضهم إن الحريري يفسح المجال أمام الآخرين لتشكيل الحكومة، وهو ما اعتبر تعدياً أيضاً على صلاحياته، قائلاً: «لو هذا الكلام صحيح كان الحريري شكّل الحكومة بما يريده غيره منذ اللحظة الأولى لتكليفه، وبما يتعارض مع مصلحته ومصلحتنا ومصلحة الحزب الاشتراكي وأطراف أخرى. لكن على العكس، هو حريص على تأليف حكومة منطقية متطابقة لنتائج الانتخابات ووفق معيار واحد».
ورأى أن حديث بعض الأطراف عن التطبيع مع سوريا، هو مظهر من مظاهر التعطيل و«لزوم ما لا يلزم» قبل تشكيل الحكومة، موضحاً أن «هناك توافقاً لبنانياً ضمنياً بين كل الأطراف للنأي عن مشكلات الدول العربية، وهو ما يظهر من خلال ما يمكن وصفه بتوزيع الأدوار بين كل الأطراف وأي موقف لأي طرف لا يلزم الدولة اللبنانية ويبقى من حق الجميع التعبير عن آرائهم، لكن في النهاية البيان الوزاري وسياسة الدولة تحددهما الحكومة مجتمعة ولا يزال الجميع ملتزماً باتفاق الطائف».
وأضاف: «حتى الفريق الوحيد الذي كان رافضاً هذا الاتفاق، أي التيار (الوطني)، عاد ووقع عليه فيما سمي (إعلان النيات) في يونيو (حزيران) 2015 مع (حزب) القوات الذي نجح في انتزاع هذا التوقيع وموافقة ميشال عون الرسمية عليه، وبات الجميع خاضعاً لسقف الطائف، ونعمل تحت هذا الدستور الذي ارتضاه كل اللبنانيين».
ورفض رياشي ربط العوائق الحكومية بالخارج، قائلاً إن «المشكلة لغاية الآن هي في توزيع الحصص، ولكن إذا طالت ستدخل حسابات الآخرين الذين قد لا يحسبون عندها حساباً للبنانيين وندفع نحن كالعادة الثمن، وكل ذلك نتيجة تعنت البعض وإصراره على قطف الحصة الأكبر في الحكومة، كأن الدولة بقرة حلوب بالنسبة إليه». وأضاف: «التعاطي بهذا الأسلوب هو الذي يضر بلبنان ويؤدي إلى تراجع دوره نتيجة هذه المصالح الصغيرة».
وفي تفاصيل توزيع الحصص وتحديداً حول ما بات يعرف بـ«العقدة المسيحية» العالقة بين «القوات» و«التيار»، أوضح وزير الإعلام: «سيكون لرئيس الحزب سمير جعجع كلام مهم في هذا الإطار الأسبوع المقبل، لكن ما أؤكده لغاية اليوم هو أنه وبناء على آخر جلسة عقدتها، ممثلاً جعجع، مع كل من الحريري ورئيس البرلمان نبيه بري، توقفنا مطولاً عند تسهيلات القوات، وحول المعايير التي يضعها (رئيس «التيار» الوزير جبران) باسيل الذي يمثل التيار ورئيس الجمهورية في المفاوضات، ومن ثم يتراجع عنها عندما تصل إلى غيره».
وأوضح أن «اتفاق معراب» كان ينص على إعطاء الحصة الأكبر لـ«التيار» بما يساوي 3 حقائب لرئيس الجمهورية، بما فيها نائب رئيس الحكومة، و6 حقائب لـ«التيار» وحلفائه بما فيها «وزارة سيادية»، مقابل 6 حقائب أيضاً لحزب «القوات» وحلفائه من ضمنها سيادية، و«هذا السبب الأساسي الذي أدى إلى تنصّل قيادة التيار من الاتفاق». وأضاف: «بعد ذلك عاد باسيل وطرح معيار النسب المئوية لنتائج الانتخابات النيابية للصوت المسيحي، معتبراً أن 31 في المائة للقوات و55 في المائة للتيار وحلفائه، ورغم أننا نؤكد أننا حصلنا على 37 في المائة في معركة خضناها بمفردنا بينما خاضها التيار مع جملة من الحلفاء، رضينا بالذهاب وفق هذا الاعتبار الذي يعطي للتيار والرئيس 8 وزراء حداً أقصى وللقوات 5 وزراء، وتنازلنا أيضاً إلى طلب 4 وزراء، لكن للأسف الطرف الآخر لا يزال متمسكاً بموقفه، ونحن بالتالي لن نقبل بالتنازل أكثر».
وفيما شدّد على تمسك «القوات» بالحقيبة السيادية، لم ينفِ أنه عرض عليه 4 وزارات، وهذا لقي «رفضاً قاطعاً من (القوات) التي تطالب بالدفاع أو بالخارجية»، مضيفاً أن «لا أحد يملك الحقائب الوزارية ولا يحق لأحد التمسك بها».
وعما إذا كان يعتبر أن معركة الحكومة اليوم هي معركة استباقية لرئاسة الجمهورية خصوصاً بعد قول الرئيس عون إن «باسيل في رأس السبق»، اكتفى الرياشي بالقول: «لا تعليق». ورفض القول إن التسوية الرئاسية سقطت أو تكاد تسقط، قائلاً: «لم ولن تسقط، ونحن متمسكون برئاسة ميشال عون وحماية هذا العهد على 6 سنوات، خصوصاً أن القوات شريكة في هذا العهد، وهي أحد الأطراف التي أوصلت عون إلى الرئاسة ولن تتخلى عنه، وما يحكى لا يعدو كونه صراع سلطة».
وعما يحكى عن انتخابات رئاسية مبكرة بعد تقديم عون استقالته، قال إنه لا يمكن لأحد أن يحسب هذا الموضوع «كما يريد». وسأل: «مخطط الاستقالة يخدم من؟ إنه يضر الرئيس ولا يخدم أحداً». وأكد أن «الضرر والتصدع الذي تعرض له العهد في جزئه الأول نتيجة بعض السياسات التي لم تكن على المستوى المطلوب نتمنى ألا تتكرر في الجزء الثاني منه كي ينجح في تحقيق أهدافه، وأهمها تلك التي نص عليها اتفاق معراب المتعلقة بمكافحة الفساد وتحقيق الديمقراطية والمصالحة الشاملة، والنقطة الأهم التي تنصل (التيار) منها تشكيل لجنة مشتركة قواتية - عونية لتحديد سياسات العهد».
وكرّر رياشي تمسك «القوات» باتفاق معراب رغم إعلان «التيار» أنه سقط. وقال: «نحن حريصون جداً على المصالحة المسيحية، وهو ما أبلغني به الرئيس عون، وبالنسبة لنا اتفاق معراب لم يسقط، لكن هناك حسابات مختلفة بالنسبة إلى البعض، وتحديداً قيادة التيار التي تتنصل منه، وهذا ما يحزننا».
واعتبر أنه من الصعب «إعادة تنقيح اتفاق معراب»، موضحاً أنه «لا يمكن القيام بهذا الأمر عندما يريد البعض التعامل مع اتفاقات مماثلة a la carte... أي كما أخذ التيار من اتفاق معراب رئاسة الجمهورية، ومن ثم ترك كل التفاصيل التي لها علاقة بالقوات»، سائلاً: «ماذا يمكن أن نقدم أكثر من رئاسة الجمهورية؟ هذا أقصى ما يمكن تقديمه».
وعما إذا كانت هناك إمكانية لإعادة اصطفاف فريق 14 آذار أمام هذا الواقع السياسي الجديد، قال رياشي «روحية 14 آذار لا تزال قائمة والخط السيادي موجود بين الحلفاء، رئيس الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط وجعجع والحريري، لكن إعادة تكوين قيادة أو أمانة عامة لهذا الفريق تجاوزتها الظروف ولا يمكن معرفة عما إذا كانت ستأتي ظروف مماثلة وتعيد إحياءها مرة ثانية خصوصاً أن السياسة متحركة وبالتالي لا شيء مستبعد، أم لا».
ومع طرح قضية عودة النازحين إلى سوريا والخطة الروسية في هذا الإطار، أكد رياشي أن «أي خطوة جدية لعودتهم يجب أن تكون خلفها أو داعمة لها دول مجلس الأمن الدولي لحلها بشكل جذري، ولا شكّ أن دور روسيا مهم، لكن بلا شك يحتاج إلى مرافقة أميركية وعربية».
وعن رأي «القوات» في اللجنة الثلاثية التي من المتوقع أن تشكل بين لبنان وسوريا وروسيا، وقد يمثل دمشق فيها علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني السوري (المطلوب للقضاء اللبناني)، قال رياشي إن «القرار هو لرئيس الحكومة والحكومة مجتمعة والآن يتابع هذا الموضع مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم مكلفاً من الدولة اللبنانية». وفيما لفت إلى أنه لا مشكلة بالنسبة إلى الطريقة المتبعة اليوم حيال العودة الطوعية التي تتم على دفعات، أكد: «نتمنى أن يعودوا إلى أراضيهم بوئام ومحبة مع لبنان بعيداً عن الخطابات العنصرية العدائية».
وبعد السجال الذي حصل في لبنان حول تأشيرات الحج التي حصل حزب «القوات» على بعض منها لتقديمها لمقربين منه، قال رياشي: «صحيح أننا حزب في معظمه من المسيحيين، لكن أيضاً فيه من المسلمين، ونحن فخورون بصداقتنا مع المملكة، وفخورون بأن هناك لبنانيين قصدونا للحصول على تأشيرات للحج، وهذا أمر لا ولن يخجلنا، بل على العكس هو فخر لنا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.