«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

خطير ويؤشر لممارسات مستقبلية فظيعة لكنه قد يساهم في تشكّل جبهة عربية ـ يهودية ضده

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص
TT

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

أحد الأسئلة التي تطرح بإلحاح في الشارع الإسرائيلي السياسي، بعد مرور نحو الشهر من قرار الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، سن «قانون القومية اليهودية في إسرائيل»، هو: لماذا؟ لماذا سن قانون كهذا، يتسبب بإثارة موجة عارمة من النقد في العالم تدور في فلك مقارنتها بنظام التفرقة العنصرية (الأبرتهايد)؟ ولماذا كان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته، بحاجة إلى سن قانون أساس، يحمل طابعاً دستورياً، ليُعرِّف إسرائيل كـ«دولة قومية للشعب اليهودي»؟
في الوقت الذي يعلَن عن إسرائيل أنها الثامنة بين الدول العظمى في العالم (حسب التقرير السنوي لــUS News & World Report الذي نشر في مارس (آذار) الماضي في الولايات المتحدة)، ثمة من يتساءل لماذا تشعر بحاجة إلى الظهور كدولة عديمة الثقة بنفسها وبانتمائها إلى حد إصرارها على تأكيد هويتها.
ثم تطرح تساؤلات أخرى... بعدما انهارت معظم الجيوش العربية التي كانت تهدد إسرائيل مباشرة، وبات العالم العربي مشغولاً في حروبه الداخلية، لماذا تشعر القيادة الإسرائيلية أن هناك خطراً يهدد طابعها اليهودي؟ أكثر من هذا، بينما توجد «وثيقة استقلال» تحدد بشكل واضح إسرائيل كـ«دولة يهودية»، وثمة عشرات القوانين القائمة التي تتحدث عن الطابع اليهودي للدولة، لماذا هي بحاجة إلى قانون آخر؟ ثم، إذا كانت إسرائيل تحاول أن تميز نفسها عن المحيط العربي بجوارها، وتؤكد أنها تنتمي إلى «العالم الحر» مقابل دول العالم الثالث، لماذا تدخل في هذا الصدام المباشر مع العالم الحرّ الذي يدينها على «قانون القومية اليهودية»، ويعتبره تراجعاً خطيراً عن الأسس والقيم الديمقراطية، كما جاء في تصريحات وبيانات عديدة للاتحاد الأوروبي ودوله؟ وإذا كانت إسرائيل دولة الشعب اليهودي، فلماذا تسنّ قانوناً كهذا يفسخ المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، ويشقّ صف يهود العالم، ويعمّق الهوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، الذين خرجوا بشبه إجماع ضد القانون؟ وفوق كل هذا، لماذا تحتاج إسرائيل إلى سن قانون تفوّق عرقي كهذا، يجعل العرق اليهودي فوق كل الأعراق الأخرى، ويتسبب في إغضاب ثلث سكان إسرائيل (العرب 18 في المائة) وجماعات القادمين الجدد من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين، ويؤمّون الكنائس العربية في الناصرة وحيفا (6 في المائة) والتيار الإصلاحي في اليهودية، الذي يفرض قانون القومية عليه أن يكون موالياً للتيار الديني الأرثوذكسي (7 في المائة)؟
قد لا يصدّق المراقب من بعيد، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعمّد افتعال هذه الأزمة بشكل محسوب، وغرضه منها شيء واحد فقط لا علاقة له باليهودية ولا بقومية إسرائيل ولا بمصالحها القومية أو الأمنية، سنشير إليه لاحقاً. وهنا يشرح الصحافي بن كسبيت، كبير المعلقين في صحيفة «معريب» اليمينية: «نتنياهو كان يعارض هذا القانون ويخاف من ردود الفعل عليه في العالم الغربي، ولذلك منع إقراره طيلة تسع سنوات. بل إنه في اللحظة التي كان فيها ممكناً إقرار هذا القانون بأصوات أكثرية الائتلاف الحكومي والمعارضة الصهيونية على السواء عام 2015، أقدم نتنياهو على حل الكنيست وتوجّه إلى انتخابات جديدة. وهكذا تم إسقاط القانون في حينه». وبالتالي، كي ندرك معنى هذا التصرف، لا بد من العودة إلى تاريخ هذا القانون.

لمحة تاريخية
كان أول من طرح هذا القانون بصيغته الأولى، نائبان اثنان، أحدهما كان في حزب «كديما» المعارض هو آفي ديختر، والثاني هو زئيف إلكين من «الليكود» الحاكم، وذلك عام 2009. ديختر، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، ويطمح للوصول إلى منصب رئيس الحكومة، قال صراحة في حينه إنه يبادر إلى هذا القانون كي يضع حداً لتفكير بعض السياسيين العرب في إسرائيل بتحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها». وفي حديث صحافي، أضاف: «أنا كنت منزعجاً من رفض أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الطلب الإسرائيلي الذي طرحته وزيرة الخارجية آنذاك، تسيبي ليفني، بأن يعترف الفلسطينيون ضمن التسوية النهائية للصراع، بإسرائيل دولة الشعب اليهودي. واشتبهنا بأن وراء هذا الرفض مطالب ونوايا خطيرة مستقبلاً. ولكن ما أثار قلقي بشكل كبير هو عندما أصدر العرب (وثائق التصوّر المستقبلي) (التي أعدها مجموعة من السياسيين والأكاديميين من فلسطينيي 48 الذين اعترضوا على المطلب الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية، وحذّروا من أن الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» يهدّد وجود فلسطينيي 48 في وطنهم، لذلك طرحوا مطلب «دولة جميع مواطنيها»). ولقد رأيت أن أفضل ردّ عليهم هو في سن قانون يثبت مكانة إسرائيل بالقانون كدولة الشعب اليهودي».
أما إلكين، فقد رأى أن مثل هذا المجد لسن قانون أساسي للدولة اليهودية، يجب ألا يقتصر على نائب واحد في المعارضة، فطلب أن يكون شريكاً. ولاحقاً انضم للقانون أريه الداد، وهو عضو كنيست من اليمين المتطرف. ثم قدمت كتلة «يسرائيل بيتينو» وهي كانت في المعارضة يومها، ويتزعمها أفيغدور ليبرمان، مشروع قانون آخر بالمضمون نفسه سمَّته «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، وكان المبادر للقانون النائب شارون غال، ووقّع معه كمبادرين باقي النواب في الكتلة وهم: حمد عمّار وأفيغدور ليبرمان وروبرت إيلاطوف وصوفا لاندفر وأورلي ليفي أبوقسيس.
في البداية تجاهل نتنياهو هذه المشاريع، لكن حزب المستوطنين «البيت اليهودي» المتطرف برئاسة نفتالي بينيت، وضعه شرطاً لدخول الائتلاف. وتقرّر طرحه على مائدة البحث في اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. ولكن عندما بدأ البحث فيه، تجلت خلافات عديدة بين كتل الائتلاف الحكومي. إذ ساد التوافق على كل بنود القانون العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية، إلا أن المتباحثين اختلفوا حول بنود أخرى في القانون، أولها مكانة الشريعة اليهودية. ذلك أنه حسب عرض نتنياهو وأحزاب المستوطنين، فإن الشريعة هي مرجعية القضاء والقانون حيث وُجدت ثغرة لا تجاوب على الحالة الماثلة أمامها، إضافة إلى أن نص القانون يثبت كلياً سلسلة من قوانين الإكراه الديني. كما أن اليمين العقائدي التقليدي رفض القانون، ولم يرَ فيه حاجة، لما فيه من جوانب ستثير قلق أبناء الديانة اليهودية في العالم، مثل أن القانون سيطرح من جديد مسألة «من هو يهودي»... وهذه قضية تعلو وتخبو من حين إلى آخر، كما أن القانون بطابعه العنصري يخلق حالة حرج لليهود في أوطانهم في العالم.
أيضاً، تحفّظت كتلتا المتدينين المتزمتين «الحريديم» على القانون من جوانب الشريعة اليهودية. فـ«الحريديم» يتخوفون من طابع القوانين «الدستورية»، أو تلك التي يطلق عليها مصطلح «قانون أساس». فمثلاً، يقول نص «قانون القومية اليهودية» المتداول إن الكيان الإسرائيلي الحالي هو دول اليهود في العالم، وهذا ينقض رواية «مملكة إسرائيل» التوراتية التي سيقيمها المسيح المخلص القادم حينما يأتي إلى العالم - في معتقدهم - لأول مرّة، ولكن «الحريديم» لا يجاهرون بهذا الخلاف، بل يكتفون بالقول إن مكانة الشريعة ليست بالقدر الكافي في هذا القانون.
وبعد إسقاط القانون في العام 2015، وعودة نتنياهو إلى الحكم في الانتخابات، شُكّلت لجنة وزارية مع متخصصين، للبحث في صيغة متفق عليها للقانون. وأكد مقربون من نتنياهو يومها أن مهمة هذه اللجنة ستكون «قبر القانون» والإحجام عن عرضه في الدورة البرلمانية الحالية.
وفي هذه الانتخابات نشأت «القائمة المشتركة»، التي ضمت في صفوفها جميع الأحزاب العربية الوطنية، وحظيت بـ13 مقعداً وأصبحت ثالث أكبر كتلة برلمانية. وكان من بين أهم نشاطاتها محاربة «قانون القومية»، كما قال رئيسها النائب أيمن عودة. وحسب النائب جمال زحالقة، رئيس الكتلة البرلمانية للقائمة، فإن هذه الجهود نجحت إلى حد كبير وأمكن إقناع غالبية نواب الكنيست بأن «قانون القومية» سيئ ومضر ولا حاجة إليه. وبدا فعلاً أن اللجنة ستدفنه.

مفاجأة نتنياهو
ولكن، بشكل مفاجئ صدم حتى أقرب المقربين من نتنياهو، قرر رئيس الوزراء في مايو (أيار) الماضي تسريع تشريع القانون. وقال أحد المطلعين على عمله إنه شعر بأن وجود الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض كان فرصة نادرة لتمرير عدة قرارات وإجراءات لصالح الفكر اليميني العقائدي، ولذا قرّر الإسراع. وهناك، أيضاً، من رأى أن نتنياهو كان بحاجة إلى موضوع جديد يثير من حوله ضجيجاً يغطي على مسار التحقيقات ضده في الشرطة بسبب قضايا الفساد. والمؤكد هو أنه رأى في هذا القانون خطوة أخرى تعزّز مكانته لدى قاعدته الانتخابية اليمينية. فاليوم لا يزيد حجم كتلة نتنياهو النيابية عن 30 مقعداً فقط من مجموع 120، أي ربع مقاعد الكنيست، إلا أنه يكفيه لتشكيل حكومة لأنه لا يوجد أي حزب تمنحه الاستطلاعات عدداً أكبر بل عدداً قريباً من هذا العدد. من هذا التأييد يتوافر لنتنياهو اليوم قاعدة ثابتة من 24 مقعداً، ويحتاج إلى «خبطة إعلامية» تضيف له 6 مقاعد أخرى ليصل إلى 30 مقعداً. وحسب أحد المقربين منه، فإن الاستطلاعات التي أجراها خلال البحث في «قانون القومية اليهودية» دلت على أنه يمكن أن يزيد رصيده إلى 33 مقعداً.
وكما هو معروف، نتنياهو يريد تقديم موعد الانتخابات، على أمل أن يعود أقوى إلى كرسي الحكم، فيكون بذلك بمكانة أفضل أمام محققي الشرطة. فإذا كان وراء هذا القانون باحثون وعقائديون وأصحاب فكر آيديولوجي وخطط سياسية احتلالية وتوسعية واستيطانية، مثلما هو في الواقع وضع العديد من النواب المشاركين في طرح القانون، فإن هم نتنياهو الأساسي كان كرسيه الرئاسي وتحقيقات الشرطة والقضاء معه أكثر من أي شيء آخر. وهكذا، اختار موضوعاً يدغدغ غرائز أنصاره من اليمين، على الرغم من تيقنه من أن الأمر سيثير ضجة محلية وعالمية من حوله. بل ثمة من يؤكد أن مثل هذه الضجة أفادته في الماضي، وتفيده اليوم أيضاً لدى جمهوره. وأما الحرائق التي ترافق خطوة كهذه فيسعى لإطفائها لاحقاً.

الحرائق... وما بعدها
في مطلق الأحوال، أسس قانون «القومية»، بغض النظر عن أهداف نتنياهو منه، لواقع جديد في إسرائيل. فالسياسة التي اتبعتها حكومة إسرائيل خلال 70 سنة من قيامها، باتت مبلوَرة في قانون دستوري، يتيح سنّ قوانين أخرى واتباع ممارسات أخرى في التمييز ضد المواطنين غير اليهود، من جهة، ويُشرعِن سياسة تخليد الاحتلال للقدس الشرقية وغالبية أراضي الضفة الغربية. وسيتسبب لاحقاً في إشعال حرائق غير محدودة في السبيلين.
ولئن كان نتنياهو قد أراد منه أداة لتثبيت حكمه وتقوية مكانته في مواجهة ملفات الفساد، فإن اليمين الآيديولوجي والتيار الديني الصهيوني العقائدي يأخذه بجدية كمرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل، وسيسعى لترجمته إلى مشاريع عملية لتقليص عدد الفلسطينيين في إسرائيل وفي الضفة الغربية، وتوسيع نطاق تهويد الأرض العربية، وتعزيز الاستيطان اليهودي الاستعماري. ومصير مثل هذه المشاريع تعميق الصراع وتشديد التصادم الحربي بأشكال عدة، بعضها معروف ومجرّب، وبعضها الآخر جارٍ استنباطه من طرق الكفاح الإبداعي الجديدة، وكلها تضمن استدامة الصراع الدامي.
مع ذلك، وبسبب الوعي لهذا الخطر، الذي يدركه الشارع اليهودي في إسرائيل نفسها وفي العالم اليهودي في الخارج، فإنه بمقدار ما جلبه من توتر... يفتح - في المقابل - آفاقاً جديدة للشراكة في النضال اليهودي - العربي ضد القانون ومفاهيمه وما سينجم عنه.
أولاً ليس صدفة أنه صوّت 55 نائباً في الكنيست ضد القانون. وثانياً، ليس صدفة أنه خرج إلى الشارع مائة ألف شخص، غالبيتهم الساحقة يهود، إلى مظاهرة تل أبيب الأولى في 4 أغسطس (آب) ضد القانون، قسم منهم يؤيدون قانوناً يضمن اعتبار إسرائيل دولة يهودية، لكنه يريد ألا تتحوّل إلى دولة «أبرتهايد» (فصل عنصري) فيطالبون بتعديله ليشمل قضية المساواة والديمقراطية. هؤلاء يعتبرون القانون بداية انهيار لمشروع الدولة الليبرالية ويجدون أنفسهم حلفاء مع العرب في مكافحته. وثالثاً، ليس صدفة أن المظاهرة التي دعا إليها قادة فلسطينيي 48 استقطبت نحو 20 ألف يهودي، بينهم رئيسان لجهاز الاستخبارات العامة (عامي أيلون ويوفال ديسكين). نعم، ليس بالأمر العادي أن يخرج ضد القانون عدد كبير من كبار المسؤولين أيضاً حتى في اليمين، مثل رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ووزير الدفاع السابق موشيه آرينز والنائب الحالي والوزير الأسبق بيني بيغن، نجل مناحيم بيغن. بل، وكُشف خلال الأيام الأخيرة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت قد نصحت نتنياهو بالامتناع عن سن القانون لأنه يحمل أخطاراً غير قليلة في العلاقات بين إسرائيل ومواطنيها العرب، وبينها وبين يهود العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك خروج رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، رون لاودر، ضد القانون باسم الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم.
كل هذه مواقف تبين أن شباك الفرص للتعاون اليهودي - العربي في إسرائيل ضد نهج اليمين المتطرف، الغارق في سياسة الغطرسة والشعور بغرور القوة... غدا مفتوحاً.

مرحلة مفصلية في تاريخ الدروز
- أحد أهم علامات المعركة ضد القومية تتعلق بـ«الطائفة المعروفية»، أي «الموحِّدون الدروز». فهذه الطائفة التي تشكل نسبة 10 في المائة من المواطنين العرب، كانت قد نُكِبت بقرار حكومي يفرض على شبانها الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1956. ومنذ ذلك الوقت، والموحِّدون الدروز يتعرضون لمحاولات حثيثة لسلخهم عن بقية أبناء شعبهم العربي في فلسطين، تغدقهم بالوعود بمعاملة مختلفة عن العرب. وساهم في هذا السلخ تواطؤ عدد من قادتهم مع هذا المخطّط من جهة، وخطيئة القيادات العربية الوطنية التي استثنتهم من نشاطاتها الوحدوية وساهمت في عزلهم.
على أرض الواقع، لوحظ أن البلدات العربية الدرزية تعرّضت لسياسة إهمال وتمييز عنصري أكثر من بقية البلدات العربية، فتنامى الإحباط بين صفوفهم. وفي السنوات الأخيرة أخذ التيار الحر والوطني يتنامى في صفوف الدروز. وفاز الصحافي رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، بمنصبه على أساس برنامج وضع في مركزه الشعار: «عودة إلى الجذور»، وقصد الجذور العربية. رفيق حلبي هو الذي تولى عرافة مظاهرة المائة ألف في تل أبيب فصاح بملء الفم «دولة أبرتهايد»، ورددها من بعده معظم الشخصيات الدرزية، ضمن ذلك ضباط كبار سابقون في الجيش الإسرائيلي، مثل العميد أمل أسعد.
كذلك أكد الأستاذ الجامعي الدرزي البروفسور قيس فرّو في اجتماعٍ احتجاجي عقده الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم 29 يوليو (تموز) 2018، أن إسرائيل تعتبر العسكريين الدروز مجرد مرتزقة يقاتلون إلى جانبها، وفق ما يُفهم من قانون «الدولة القومية اليهودية»، وأن المطلوب من الدروز هو التكاتف مع سائر العرب في البلاد ومع القوى اليهودية الديمقراطية. وأردف: «أُناشد أبناء طائفتي: لا تكونوا لا مبالين بعد الآن، توقّفوا عن التملُق والمُداهنة وتبنِي سجال المُرتزقة. فقط بِالمعركة المُشتركة مع القوى الديمقراطيَة اليهودية وسائر أبناء الشعب العربي في البلاد يُمكن تحقيق النتائج المرجوَة».
وفي قرية عسفيا - ذات الغالبية الدرزية، ومسقط رأس فرّو - المطلّة على مدينة حيفا، عبّر الأهالي عن رفضهم القانون بواسطة تعليق لافتة عند مدخل المقبرة، كُتِبَ عليها «إلى شُهداء حُرُوب إسرائيل الدُرُوز: سامحونا! لم نعرف كيف نُحافظ على الكرامة التي منحتُمونا إيَاها. أرسلناكم وحوَلناكم شُهداء من الدرجة الثانية». ونادى بعض الضبّاط الدروز بوقف فرض التجنيد الإلزامي على أبناء الطائفة الدرزية، ما أثار خشية مسؤولين إسرائيليين من احتمال حصول تمردٍ دُرزي داخل الجيش وخروجٍ جماعي منه. وتأكيداً على خطورة الوضع داخل الجيش الإسرائيلي، من تململ الضبّاط والجنود الدروز، التقى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت بالزعيم الروحي للطائفة، الشيخ موفق طريف في مُحاولة لامتصاص نقمة الطائفة على ذلك القانون.

«القائمة المشتركة»: قانون كولونيالي معاد للديمقراطية
- «القائمة المشتركة»، التي تضم جميع الأحزاب العربية الوطنية في فلسطين 48، اعتبرت من جهتها «قانون القومية اليهودية»، «من أخطر القوانين التي سنت في العقود الأخيرة». ورأت أنه يؤسس لنظام «أبرتايد» (فصل عنصري)، كونه يتألف من بنود تؤكد التفوق العرقي لليهود، ويجعل التمييز ضد العرب مبرراً وشرعياً، وسيطغى على أي تشريع عادي ويؤثر على تفسير القوانين في المحاكم، لأنه يحدّد الهوية الدستورية للنظام، التي تحّدد مَن هو صاحب السيادة، وتعتبر «الشعب اليهودي وحده صاحب السيادة في الدولة وفي البلاد».
وترى «القائمة المشتركة» فيه «قانوناً كولونيالياً معادياً للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص (الأبرتايد) المعروفة. وإذا كانت إسرائيل تعرّف نفسها حتى الآن كدولة يهودية وديمقراطية، فقد جاء هذا القانون لينسف أي مظهر للديمقراطية، ويحسم ما وصف بالتوتر بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة، بحيث يصبح التعريف وفق القانون الجديد دولة يهودية غير ديمقراطية وخالية من المساواة. وهو بمجمله مجموعة من البنود التي تؤكّد التفوق العرقي لليهود كأفراد وكشعب في كل المجالات، وهو لا يترك مجالاً للشك بأن هناك نوعين من المواطنة: لليهود مواطنة درجة أولى وللعرب درجة ثانية».
وأكدت «القائمة المشتركة» على أن جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرّر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها إلى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري. ثم إن المساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، لكونهم يهوداً، أما العربي فهو مستثنى، ويصبح التمييز ضده مبرراً وشرعياً، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم.
وأشار البيان إلى أن البند الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرّر التمييز ضد البلدات العربية. كما أن هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفي الخط الأخضر.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.