«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

خطير ويؤشر لممارسات مستقبلية فظيعة لكنه قد يساهم في تشكّل جبهة عربية ـ يهودية ضده

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص
TT

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

أحد الأسئلة التي تطرح بإلحاح في الشارع الإسرائيلي السياسي، بعد مرور نحو الشهر من قرار الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، سن «قانون القومية اليهودية في إسرائيل»، هو: لماذا؟ لماذا سن قانون كهذا، يتسبب بإثارة موجة عارمة من النقد في العالم تدور في فلك مقارنتها بنظام التفرقة العنصرية (الأبرتهايد)؟ ولماذا كان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته، بحاجة إلى سن قانون أساس، يحمل طابعاً دستورياً، ليُعرِّف إسرائيل كـ«دولة قومية للشعب اليهودي»؟
في الوقت الذي يعلَن عن إسرائيل أنها الثامنة بين الدول العظمى في العالم (حسب التقرير السنوي لــUS News & World Report الذي نشر في مارس (آذار) الماضي في الولايات المتحدة)، ثمة من يتساءل لماذا تشعر بحاجة إلى الظهور كدولة عديمة الثقة بنفسها وبانتمائها إلى حد إصرارها على تأكيد هويتها.
ثم تطرح تساؤلات أخرى... بعدما انهارت معظم الجيوش العربية التي كانت تهدد إسرائيل مباشرة، وبات العالم العربي مشغولاً في حروبه الداخلية، لماذا تشعر القيادة الإسرائيلية أن هناك خطراً يهدد طابعها اليهودي؟ أكثر من هذا، بينما توجد «وثيقة استقلال» تحدد بشكل واضح إسرائيل كـ«دولة يهودية»، وثمة عشرات القوانين القائمة التي تتحدث عن الطابع اليهودي للدولة، لماذا هي بحاجة إلى قانون آخر؟ ثم، إذا كانت إسرائيل تحاول أن تميز نفسها عن المحيط العربي بجوارها، وتؤكد أنها تنتمي إلى «العالم الحر» مقابل دول العالم الثالث، لماذا تدخل في هذا الصدام المباشر مع العالم الحرّ الذي يدينها على «قانون القومية اليهودية»، ويعتبره تراجعاً خطيراً عن الأسس والقيم الديمقراطية، كما جاء في تصريحات وبيانات عديدة للاتحاد الأوروبي ودوله؟ وإذا كانت إسرائيل دولة الشعب اليهودي، فلماذا تسنّ قانوناً كهذا يفسخ المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، ويشقّ صف يهود العالم، ويعمّق الهوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، الذين خرجوا بشبه إجماع ضد القانون؟ وفوق كل هذا، لماذا تحتاج إسرائيل إلى سن قانون تفوّق عرقي كهذا، يجعل العرق اليهودي فوق كل الأعراق الأخرى، ويتسبب في إغضاب ثلث سكان إسرائيل (العرب 18 في المائة) وجماعات القادمين الجدد من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين، ويؤمّون الكنائس العربية في الناصرة وحيفا (6 في المائة) والتيار الإصلاحي في اليهودية، الذي يفرض قانون القومية عليه أن يكون موالياً للتيار الديني الأرثوذكسي (7 في المائة)؟
قد لا يصدّق المراقب من بعيد، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعمّد افتعال هذه الأزمة بشكل محسوب، وغرضه منها شيء واحد فقط لا علاقة له باليهودية ولا بقومية إسرائيل ولا بمصالحها القومية أو الأمنية، سنشير إليه لاحقاً. وهنا يشرح الصحافي بن كسبيت، كبير المعلقين في صحيفة «معريب» اليمينية: «نتنياهو كان يعارض هذا القانون ويخاف من ردود الفعل عليه في العالم الغربي، ولذلك منع إقراره طيلة تسع سنوات. بل إنه في اللحظة التي كان فيها ممكناً إقرار هذا القانون بأصوات أكثرية الائتلاف الحكومي والمعارضة الصهيونية على السواء عام 2015، أقدم نتنياهو على حل الكنيست وتوجّه إلى انتخابات جديدة. وهكذا تم إسقاط القانون في حينه». وبالتالي، كي ندرك معنى هذا التصرف، لا بد من العودة إلى تاريخ هذا القانون.

لمحة تاريخية
كان أول من طرح هذا القانون بصيغته الأولى، نائبان اثنان، أحدهما كان في حزب «كديما» المعارض هو آفي ديختر، والثاني هو زئيف إلكين من «الليكود» الحاكم، وذلك عام 2009. ديختر، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، ويطمح للوصول إلى منصب رئيس الحكومة، قال صراحة في حينه إنه يبادر إلى هذا القانون كي يضع حداً لتفكير بعض السياسيين العرب في إسرائيل بتحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها». وفي حديث صحافي، أضاف: «أنا كنت منزعجاً من رفض أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الطلب الإسرائيلي الذي طرحته وزيرة الخارجية آنذاك، تسيبي ليفني، بأن يعترف الفلسطينيون ضمن التسوية النهائية للصراع، بإسرائيل دولة الشعب اليهودي. واشتبهنا بأن وراء هذا الرفض مطالب ونوايا خطيرة مستقبلاً. ولكن ما أثار قلقي بشكل كبير هو عندما أصدر العرب (وثائق التصوّر المستقبلي) (التي أعدها مجموعة من السياسيين والأكاديميين من فلسطينيي 48 الذين اعترضوا على المطلب الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية، وحذّروا من أن الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» يهدّد وجود فلسطينيي 48 في وطنهم، لذلك طرحوا مطلب «دولة جميع مواطنيها»). ولقد رأيت أن أفضل ردّ عليهم هو في سن قانون يثبت مكانة إسرائيل بالقانون كدولة الشعب اليهودي».
أما إلكين، فقد رأى أن مثل هذا المجد لسن قانون أساسي للدولة اليهودية، يجب ألا يقتصر على نائب واحد في المعارضة، فطلب أن يكون شريكاً. ولاحقاً انضم للقانون أريه الداد، وهو عضو كنيست من اليمين المتطرف. ثم قدمت كتلة «يسرائيل بيتينو» وهي كانت في المعارضة يومها، ويتزعمها أفيغدور ليبرمان، مشروع قانون آخر بالمضمون نفسه سمَّته «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، وكان المبادر للقانون النائب شارون غال، ووقّع معه كمبادرين باقي النواب في الكتلة وهم: حمد عمّار وأفيغدور ليبرمان وروبرت إيلاطوف وصوفا لاندفر وأورلي ليفي أبوقسيس.
في البداية تجاهل نتنياهو هذه المشاريع، لكن حزب المستوطنين «البيت اليهودي» المتطرف برئاسة نفتالي بينيت، وضعه شرطاً لدخول الائتلاف. وتقرّر طرحه على مائدة البحث في اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. ولكن عندما بدأ البحث فيه، تجلت خلافات عديدة بين كتل الائتلاف الحكومي. إذ ساد التوافق على كل بنود القانون العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية، إلا أن المتباحثين اختلفوا حول بنود أخرى في القانون، أولها مكانة الشريعة اليهودية. ذلك أنه حسب عرض نتنياهو وأحزاب المستوطنين، فإن الشريعة هي مرجعية القضاء والقانون حيث وُجدت ثغرة لا تجاوب على الحالة الماثلة أمامها، إضافة إلى أن نص القانون يثبت كلياً سلسلة من قوانين الإكراه الديني. كما أن اليمين العقائدي التقليدي رفض القانون، ولم يرَ فيه حاجة، لما فيه من جوانب ستثير قلق أبناء الديانة اليهودية في العالم، مثل أن القانون سيطرح من جديد مسألة «من هو يهودي»... وهذه قضية تعلو وتخبو من حين إلى آخر، كما أن القانون بطابعه العنصري يخلق حالة حرج لليهود في أوطانهم في العالم.
أيضاً، تحفّظت كتلتا المتدينين المتزمتين «الحريديم» على القانون من جوانب الشريعة اليهودية. فـ«الحريديم» يتخوفون من طابع القوانين «الدستورية»، أو تلك التي يطلق عليها مصطلح «قانون أساس». فمثلاً، يقول نص «قانون القومية اليهودية» المتداول إن الكيان الإسرائيلي الحالي هو دول اليهود في العالم، وهذا ينقض رواية «مملكة إسرائيل» التوراتية التي سيقيمها المسيح المخلص القادم حينما يأتي إلى العالم - في معتقدهم - لأول مرّة، ولكن «الحريديم» لا يجاهرون بهذا الخلاف، بل يكتفون بالقول إن مكانة الشريعة ليست بالقدر الكافي في هذا القانون.
وبعد إسقاط القانون في العام 2015، وعودة نتنياهو إلى الحكم في الانتخابات، شُكّلت لجنة وزارية مع متخصصين، للبحث في صيغة متفق عليها للقانون. وأكد مقربون من نتنياهو يومها أن مهمة هذه اللجنة ستكون «قبر القانون» والإحجام عن عرضه في الدورة البرلمانية الحالية.
وفي هذه الانتخابات نشأت «القائمة المشتركة»، التي ضمت في صفوفها جميع الأحزاب العربية الوطنية، وحظيت بـ13 مقعداً وأصبحت ثالث أكبر كتلة برلمانية. وكان من بين أهم نشاطاتها محاربة «قانون القومية»، كما قال رئيسها النائب أيمن عودة. وحسب النائب جمال زحالقة، رئيس الكتلة البرلمانية للقائمة، فإن هذه الجهود نجحت إلى حد كبير وأمكن إقناع غالبية نواب الكنيست بأن «قانون القومية» سيئ ومضر ولا حاجة إليه. وبدا فعلاً أن اللجنة ستدفنه.

مفاجأة نتنياهو
ولكن، بشكل مفاجئ صدم حتى أقرب المقربين من نتنياهو، قرر رئيس الوزراء في مايو (أيار) الماضي تسريع تشريع القانون. وقال أحد المطلعين على عمله إنه شعر بأن وجود الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض كان فرصة نادرة لتمرير عدة قرارات وإجراءات لصالح الفكر اليميني العقائدي، ولذا قرّر الإسراع. وهناك، أيضاً، من رأى أن نتنياهو كان بحاجة إلى موضوع جديد يثير من حوله ضجيجاً يغطي على مسار التحقيقات ضده في الشرطة بسبب قضايا الفساد. والمؤكد هو أنه رأى في هذا القانون خطوة أخرى تعزّز مكانته لدى قاعدته الانتخابية اليمينية. فاليوم لا يزيد حجم كتلة نتنياهو النيابية عن 30 مقعداً فقط من مجموع 120، أي ربع مقاعد الكنيست، إلا أنه يكفيه لتشكيل حكومة لأنه لا يوجد أي حزب تمنحه الاستطلاعات عدداً أكبر بل عدداً قريباً من هذا العدد. من هذا التأييد يتوافر لنتنياهو اليوم قاعدة ثابتة من 24 مقعداً، ويحتاج إلى «خبطة إعلامية» تضيف له 6 مقاعد أخرى ليصل إلى 30 مقعداً. وحسب أحد المقربين منه، فإن الاستطلاعات التي أجراها خلال البحث في «قانون القومية اليهودية» دلت على أنه يمكن أن يزيد رصيده إلى 33 مقعداً.
وكما هو معروف، نتنياهو يريد تقديم موعد الانتخابات، على أمل أن يعود أقوى إلى كرسي الحكم، فيكون بذلك بمكانة أفضل أمام محققي الشرطة. فإذا كان وراء هذا القانون باحثون وعقائديون وأصحاب فكر آيديولوجي وخطط سياسية احتلالية وتوسعية واستيطانية، مثلما هو في الواقع وضع العديد من النواب المشاركين في طرح القانون، فإن هم نتنياهو الأساسي كان كرسيه الرئاسي وتحقيقات الشرطة والقضاء معه أكثر من أي شيء آخر. وهكذا، اختار موضوعاً يدغدغ غرائز أنصاره من اليمين، على الرغم من تيقنه من أن الأمر سيثير ضجة محلية وعالمية من حوله. بل ثمة من يؤكد أن مثل هذه الضجة أفادته في الماضي، وتفيده اليوم أيضاً لدى جمهوره. وأما الحرائق التي ترافق خطوة كهذه فيسعى لإطفائها لاحقاً.

الحرائق... وما بعدها
في مطلق الأحوال، أسس قانون «القومية»، بغض النظر عن أهداف نتنياهو منه، لواقع جديد في إسرائيل. فالسياسة التي اتبعتها حكومة إسرائيل خلال 70 سنة من قيامها، باتت مبلوَرة في قانون دستوري، يتيح سنّ قوانين أخرى واتباع ممارسات أخرى في التمييز ضد المواطنين غير اليهود، من جهة، ويُشرعِن سياسة تخليد الاحتلال للقدس الشرقية وغالبية أراضي الضفة الغربية. وسيتسبب لاحقاً في إشعال حرائق غير محدودة في السبيلين.
ولئن كان نتنياهو قد أراد منه أداة لتثبيت حكمه وتقوية مكانته في مواجهة ملفات الفساد، فإن اليمين الآيديولوجي والتيار الديني الصهيوني العقائدي يأخذه بجدية كمرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل، وسيسعى لترجمته إلى مشاريع عملية لتقليص عدد الفلسطينيين في إسرائيل وفي الضفة الغربية، وتوسيع نطاق تهويد الأرض العربية، وتعزيز الاستيطان اليهودي الاستعماري. ومصير مثل هذه المشاريع تعميق الصراع وتشديد التصادم الحربي بأشكال عدة، بعضها معروف ومجرّب، وبعضها الآخر جارٍ استنباطه من طرق الكفاح الإبداعي الجديدة، وكلها تضمن استدامة الصراع الدامي.
مع ذلك، وبسبب الوعي لهذا الخطر، الذي يدركه الشارع اليهودي في إسرائيل نفسها وفي العالم اليهودي في الخارج، فإنه بمقدار ما جلبه من توتر... يفتح - في المقابل - آفاقاً جديدة للشراكة في النضال اليهودي - العربي ضد القانون ومفاهيمه وما سينجم عنه.
أولاً ليس صدفة أنه صوّت 55 نائباً في الكنيست ضد القانون. وثانياً، ليس صدفة أنه خرج إلى الشارع مائة ألف شخص، غالبيتهم الساحقة يهود، إلى مظاهرة تل أبيب الأولى في 4 أغسطس (آب) ضد القانون، قسم منهم يؤيدون قانوناً يضمن اعتبار إسرائيل دولة يهودية، لكنه يريد ألا تتحوّل إلى دولة «أبرتهايد» (فصل عنصري) فيطالبون بتعديله ليشمل قضية المساواة والديمقراطية. هؤلاء يعتبرون القانون بداية انهيار لمشروع الدولة الليبرالية ويجدون أنفسهم حلفاء مع العرب في مكافحته. وثالثاً، ليس صدفة أن المظاهرة التي دعا إليها قادة فلسطينيي 48 استقطبت نحو 20 ألف يهودي، بينهم رئيسان لجهاز الاستخبارات العامة (عامي أيلون ويوفال ديسكين). نعم، ليس بالأمر العادي أن يخرج ضد القانون عدد كبير من كبار المسؤولين أيضاً حتى في اليمين، مثل رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ووزير الدفاع السابق موشيه آرينز والنائب الحالي والوزير الأسبق بيني بيغن، نجل مناحيم بيغن. بل، وكُشف خلال الأيام الأخيرة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت قد نصحت نتنياهو بالامتناع عن سن القانون لأنه يحمل أخطاراً غير قليلة في العلاقات بين إسرائيل ومواطنيها العرب، وبينها وبين يهود العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك خروج رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، رون لاودر، ضد القانون باسم الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم.
كل هذه مواقف تبين أن شباك الفرص للتعاون اليهودي - العربي في إسرائيل ضد نهج اليمين المتطرف، الغارق في سياسة الغطرسة والشعور بغرور القوة... غدا مفتوحاً.

مرحلة مفصلية في تاريخ الدروز
- أحد أهم علامات المعركة ضد القومية تتعلق بـ«الطائفة المعروفية»، أي «الموحِّدون الدروز». فهذه الطائفة التي تشكل نسبة 10 في المائة من المواطنين العرب، كانت قد نُكِبت بقرار حكومي يفرض على شبانها الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1956. ومنذ ذلك الوقت، والموحِّدون الدروز يتعرضون لمحاولات حثيثة لسلخهم عن بقية أبناء شعبهم العربي في فلسطين، تغدقهم بالوعود بمعاملة مختلفة عن العرب. وساهم في هذا السلخ تواطؤ عدد من قادتهم مع هذا المخطّط من جهة، وخطيئة القيادات العربية الوطنية التي استثنتهم من نشاطاتها الوحدوية وساهمت في عزلهم.
على أرض الواقع، لوحظ أن البلدات العربية الدرزية تعرّضت لسياسة إهمال وتمييز عنصري أكثر من بقية البلدات العربية، فتنامى الإحباط بين صفوفهم. وفي السنوات الأخيرة أخذ التيار الحر والوطني يتنامى في صفوف الدروز. وفاز الصحافي رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، بمنصبه على أساس برنامج وضع في مركزه الشعار: «عودة إلى الجذور»، وقصد الجذور العربية. رفيق حلبي هو الذي تولى عرافة مظاهرة المائة ألف في تل أبيب فصاح بملء الفم «دولة أبرتهايد»، ورددها من بعده معظم الشخصيات الدرزية، ضمن ذلك ضباط كبار سابقون في الجيش الإسرائيلي، مثل العميد أمل أسعد.
كذلك أكد الأستاذ الجامعي الدرزي البروفسور قيس فرّو في اجتماعٍ احتجاجي عقده الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم 29 يوليو (تموز) 2018، أن إسرائيل تعتبر العسكريين الدروز مجرد مرتزقة يقاتلون إلى جانبها، وفق ما يُفهم من قانون «الدولة القومية اليهودية»، وأن المطلوب من الدروز هو التكاتف مع سائر العرب في البلاد ومع القوى اليهودية الديمقراطية. وأردف: «أُناشد أبناء طائفتي: لا تكونوا لا مبالين بعد الآن، توقّفوا عن التملُق والمُداهنة وتبنِي سجال المُرتزقة. فقط بِالمعركة المُشتركة مع القوى الديمقراطيَة اليهودية وسائر أبناء الشعب العربي في البلاد يُمكن تحقيق النتائج المرجوَة».
وفي قرية عسفيا - ذات الغالبية الدرزية، ومسقط رأس فرّو - المطلّة على مدينة حيفا، عبّر الأهالي عن رفضهم القانون بواسطة تعليق لافتة عند مدخل المقبرة، كُتِبَ عليها «إلى شُهداء حُرُوب إسرائيل الدُرُوز: سامحونا! لم نعرف كيف نُحافظ على الكرامة التي منحتُمونا إيَاها. أرسلناكم وحوَلناكم شُهداء من الدرجة الثانية». ونادى بعض الضبّاط الدروز بوقف فرض التجنيد الإلزامي على أبناء الطائفة الدرزية، ما أثار خشية مسؤولين إسرائيليين من احتمال حصول تمردٍ دُرزي داخل الجيش وخروجٍ جماعي منه. وتأكيداً على خطورة الوضع داخل الجيش الإسرائيلي، من تململ الضبّاط والجنود الدروز، التقى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت بالزعيم الروحي للطائفة، الشيخ موفق طريف في مُحاولة لامتصاص نقمة الطائفة على ذلك القانون.

«القائمة المشتركة»: قانون كولونيالي معاد للديمقراطية
- «القائمة المشتركة»، التي تضم جميع الأحزاب العربية الوطنية في فلسطين 48، اعتبرت من جهتها «قانون القومية اليهودية»، «من أخطر القوانين التي سنت في العقود الأخيرة». ورأت أنه يؤسس لنظام «أبرتايد» (فصل عنصري)، كونه يتألف من بنود تؤكد التفوق العرقي لليهود، ويجعل التمييز ضد العرب مبرراً وشرعياً، وسيطغى على أي تشريع عادي ويؤثر على تفسير القوانين في المحاكم، لأنه يحدّد الهوية الدستورية للنظام، التي تحّدد مَن هو صاحب السيادة، وتعتبر «الشعب اليهودي وحده صاحب السيادة في الدولة وفي البلاد».
وترى «القائمة المشتركة» فيه «قانوناً كولونيالياً معادياً للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص (الأبرتايد) المعروفة. وإذا كانت إسرائيل تعرّف نفسها حتى الآن كدولة يهودية وديمقراطية، فقد جاء هذا القانون لينسف أي مظهر للديمقراطية، ويحسم ما وصف بالتوتر بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة، بحيث يصبح التعريف وفق القانون الجديد دولة يهودية غير ديمقراطية وخالية من المساواة. وهو بمجمله مجموعة من البنود التي تؤكّد التفوق العرقي لليهود كأفراد وكشعب في كل المجالات، وهو لا يترك مجالاً للشك بأن هناك نوعين من المواطنة: لليهود مواطنة درجة أولى وللعرب درجة ثانية».
وأكدت «القائمة المشتركة» على أن جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرّر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها إلى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري. ثم إن المساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، لكونهم يهوداً، أما العربي فهو مستثنى، ويصبح التمييز ضده مبرراً وشرعياً، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم.
وأشار البيان إلى أن البند الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرّر التمييز ضد البلدات العربية. كما أن هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفي الخط الأخضر.



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.