12 عاماً على «حرب تموز»: تنافس بين الثنائي الشيعي في الجنوب اللبناني

استبعاد قيام «حزب الله» بحرب لغياب الممول وهشاشة الاقتصاد

صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
TT

12 عاماً على «حرب تموز»: تنافس بين الثنائي الشيعي في الجنوب اللبناني

صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)

تزدان الطرق في الجنوب اللبناني باللافتات التي تحتفل بالذكرى الثانية عشرة للانتصار على العدوان الإسرائيلي، وبالأعلام الحزبية لـ«حزب الله» و«حركة أمل» التي ترفرف لتتبنى النصر بمعزل عن وجود دولة لبنانية.
ومن عبر القرى والبلدات الجنوبية في مثل هذه الأيام قبل 12 عاماً، لا بد أن يستوقفه التطور العمراني في بعض المناطق حيث يمكن تسجيل محو كامل للعدوان الإسرائيلي، مقابل قرى تطغى عليها مظاهر الأزمة الاقتصادية رغم انتشار المؤسسات التجارية والصناعية المنتشرة.
والأهم أن تداعيات مشاركة «حزب الله» في الحرب السورية تبتعد عن مظاهر الاحتفال بالنصر. إذ تحتل المشهد صور بهتت ألوانها لشهداء سقطوا في «حرب تموز».
والتعمق خلال الجولة الميدانية في بعض مناطق الجنوب اللبناني يقود إلى 3 ملاحظات، هي: الأزمة الاقتصادية رغم النمو العمراني، تنافس «حركة أمل» و«حزب الله» تعكسه اللافتات والرايات، والتناقض في النظرة إلى دور قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) بين الحزب والحركة.
والحوار مع الجنوبيين يؤطر الملاحظات وفق الجغرافيا بين ساحل وجبل، ووفق تقاسم النفوذ بين «حركة أمل» و«حزب الله»، وتفاوت المستوى الحياتي بين مناطق تعتمد على اقتصاد البلد، وتلك التي تنعم باقتصاد رديف مصدره قوات «اليونيفيل» وحركة الاغتراب التي ترفد قراها بسيولة تدعم المقيمين.
لكن لا يمكن إنكار كثير من المعطيات الإيجابية المنبثقة من دور بلديات نشيطة، حيث تسود النظافة والطرق الجيدة في كثير من المناطق، كما في بنت جبيل مثلاً، إذ تتولى البلدية إدارة الأمور اليومية بشكل ممتاز، فلا تسمح بمخالفات السير أو بالتعرض للمنشآت العامة.
ويشعر زائر الجنوب اللبناني أن القبضة الحديدية التي كنت سائدة غداة «حرب تموز» تراخت لجهة حرية الحركة، إلا أن الرقابة على الحوار تبقى قائمة، وإن تحولت في معظمها إلى رقابة ذاتية لا تحتاج تدخلا مباشرا كما كانت عليه الحال سابقاً، كأن تتكرر عبارة «رجاء... ابتعدي عن السياسة»، أو رصد قلق لكل كلمة وكل سؤال يوجه إلى الأهالي.

الأزمة الاقتصادية رغم النمو العمراني
النشاط الاقتصادي مؤقت، كما يؤكد أكثر الجنوبيين، أيا يكن انتماؤهم، وينحصر بحركة المصطافين والمغتربين، إضافة إلى مناطق وجود «اليونيفيل».
الكاتب السياسي والناشط عماد قميحة يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القوات تنتج حركة اقتصادية نشيطة، تتراوح نسبتها بين 70 إلى 80 في المائة. كذلك ترتبط الحركة الاقتصادية بالانتعاش الصيفي مع توافد المغتربين والمصطافين إلى بعض القرى. لكن معرفة الوضع الاقتصادي الحقيقي تظهر بعد منتصف شهر سبتمبر (أيلول)». فالحركة صيفا تدخل في شبه سبات وينقلب المشهد مع مغادرة المصطافين والمغتربين، وتبدأ المواجهة الحقيقية للمقيمين مع ظروف الحياة التي لا تختلف عن غيرها في لبنان. ومن تستوقفه الأبنية الفخمة للمدارس، يجد من يوضح له أن بعضها مقفل لعدم وجود تلاميذ. إذ بنيت نسبة منها وفق صفقات وليس وفق الحاجة الفعلية. كما أن نشاط المرافق الترفيهية ينتهي مع انتهاء الصيف. وينسحب الأمر على حركة التجارة.
حساسية الاقتصاد تبرر خوف الجنوبيين من أي عدوان إسرائيلي جديد على منطقتهم، خاصة في ظل الوضع المالي لإيران وعلاقة «حزب الله» العدائية مع دول الخليج. هم يعرفون أن أحدا لن يبني لهم منازلهم إن حصلت حرب.
ويقول قميحة: «(حزب الله) يريد إبقاء الجنوبيين في استنفار دائم كما تشير البروباغندا في إعلامه. لكنه يدرك أن النزوح وإعادة الأعمار دونهما غياب الممول الخارجي، كما كانت الحال عام 2006. ما يعني استبعاد احتمال التورط في حروب مع إسرائيل أو الدخول في مغامرة تنقلب نتائجها عليه. كما يعرف أن إسرائيل لا تريد حربا بدورها لأنها ضنينة بحياة مواطنيها. ومع الأسف نحن نتكل على معادلة حرص (حزب الله) على مكاسبه مقابل حرص الإسرائيلي على مواطنيه».
وعن واقع التفاف النسبة الكبرى من الجنوبيين حول «حزب الله»، يقول قميحة: «للحزب شبكة مصالح واسعة، ومن ليس متفرغا عسكريا يعمل في إحدى مؤسساته، وبالتالي الاتكال الاقتصادي على الحزب يشكل حاضنة الولاء له، تليه (حركة أمل) التي تجمع بدورها مناصرين ومستفيدين وظيفيا واقتصاديا». ليوضح: «من يعارض الحزب أو الحركة في الجنوب لا يجد من يحميه، وليس كما هي الحال في بعلبك والهرمل، حيث العشيرة تحمي أبناءها. هنا لا عشائر. ولكن هذا لا يلغي الامتعاض من تدهور الوضع الاقتصادي. فالناس تسأل عن سبب أزمات الكهرباء والنفايات وغيرها، بعد أن قاتلت وحررت. ولا سيما مع سياسة التقشف التي تسود الحزب حالياً».

التنافس بين الثنائية الشيعية
يعكس انتشار أعلام «حزب الله» و«حركة أمل» وشعاراتهما على امتداد الطرق الجنوبية حيثية تتعلق بالثنائية الشيعية، فهذه الأعلام تجتمع في مناطق وتفترق في مناطق أخرى، كما أن مضمون اللافتات يبرز التمايز، فالحزب يرفع شعارات على وزن «وطن يحمي مقاومة... مقاومة تحمي شعبا»... «المقاومة خزان إرادة الوطن»... «على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة إسرائيل»... «مقاومة كتبت بالدم»... وما إلى ذلك.
أما أصدقاء الحركة ومن يؤيدها فيرفعون صور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهو «قمر الوطن». ويحضرون لذكرى تغييب الإمام موسى الصدر وشعاراتهم تتحدث عن الدولة التي يجب أن تكون المرجع لأهل الجنوب، و«التغيير لا يتم بالقوة بل بالفكر والحجة والحوار».
ولا يحبذ أهالي القرى الحديث عن هذا التمايز. فيتجنبون الإشارة إلى غلبة جمهور أي طرف على جمهور الطرف الآخر. لكن الواضح أن المنتمين إلى الحركة أكثر طراوة في التعامل مع محاوريهم من المنتمين إلى الحزب. والحركي يتغنى بالخيرات التي أغدقها على منطقتهم وجود بري على سدة المجلس النيابي. ويقول أحدهم: «بصمة الرئيس بري لا يمكن تجاهلها، للإنجازات في شبكة الطرق والقطاع التربوي ومشروعات الري وتشجيع إنشاء المرافق السياحية والترفيهية واستقطاب المغتربين للمشاركة في النمو الاقتصادي وقضاء العطل في ربوع الجنوب».
في المقابل، يعتبر الملتزمون بـ«حزب الله» أنه غيّر المعادلات، وأنه المصدر الوحيد لأمانهم، وأن الشيعة مستهدفون أينما كانوا، ولولا الحزب لتمت إبادتهم. وتقول سيدة مغتربة في الولايات المتحدة تمضي عطلتها في قريتها، إنه «إذا استهدفت إسرائيل لبنان بقنبلة ذرية فسوف تمحى كل المناطق باستثناء جبل عامل لأن العناية الإلهية يعكسها الحزب وأمينه العام السيد حسن نصر الله».
ويقول قمحية إن «الوضع بين الحزب والحركة يشهد توافقا على مستوى القيادات. لكن القاعدة الشعبية ليست بخير، ففي 40 بلدية جنوبية خلافات كبيرة أدت إلى استقالات فرطت عقدها أو جمدت أعمالها. والخلاف برز خلال الانتخابات مع الفروق الشاسعة في نسب الأصوات التفضيلية التي حصل عليها النواب في الثنائية».
ويضيف: «وسائل التواصل الاجتماعي كشفت حدة الخلاف، فالحركيون يعتبرون (حزب الله) هو من دفع النائب جميل السيد لانتقاد الرئيس نبيه بري».

النظرة إلى وجود قوات «اليونيفيل»
تنقسم النظرة حيال قوات «اليونيفيل» في الجنوب اللبناني بين الحياديين والمنتمين إلى «حركة أمل» وبين «حزب الله» والملتزمين به. فالفئة الأولى ترى أن هذه القوات ساهمت في تحسين البنى التحتية والفوقية، إضافة إلى النشاطات التربوية والاجتماعية والمساعدات الطبية التي تقدّمها، لتعوض إهمال الدولة، لكنها لا تعتبرها مصدرا للحماية، والسبب عجزها عن ردع العدوان الإسرائيلي المتكرر منذ انتشارها عام 1978 إلى يومنا هذا.
وتضم «اليونيفيل» نحو 15 ألف جندي، مهمتهم تنفيذ القرار 1701 إثر «حرب تموز». وتنفّذ أنشطة ومشاريع في منطقة عملياتها التي تشمل 4 أقضية هي صور، بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا.
ويشير الموقع الإلكتروني لـ«اليونيفيل»، إلى أن الانتشار السريع والفعال لقوة «اليونيفيل» المعززة، والأنشطة التي تقوم بها منذ ذلك الحين، كان حاسما في منع تكرار الأعمال العدائية عبر الخط الأزرق، وساعد على التأسيس لأجواء استراتيجية عسكرية وأمنية جديدة في جنوب لبنان.
لكن أحد الملتزمين في «حزب الله» يقول: «إن (اليونيفيل) تجنح إلى معسكر الاستكبار، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع تكرار الأعمال العدائية مرده خوف إسرائيل من صواريخ الحزب».
ويرى قميحة أن «جمهور الحركة يعتبر وجود (اليونيفيل) نعمة، لأنه يولد حالة اقتصادية ومشروعات إنمائية يستفيد منها الناس العاديون. في حين يعتبر جمهور الحزب هذا الوجود وكر تجسس تم زرع عناصره بين الناس. حتى إن البعض يروج لكون هؤلاء العناصر مشروع رهائن عندما تدعو الحاجة. والاشتباكات يحركها (حزب الله) تحت مسمى (الأهالي) من حين إلى آخر لدى دخول عناصر من (اليونيفيل) إلى أماكن معينة أو لالتقاطهم الصور».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)