12 عاماً على «حرب تموز»: تنافس بين الثنائي الشيعي في الجنوب اللبناني

استبعاد قيام «حزب الله» بحرب لغياب الممول وهشاشة الاقتصاد

صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
TT

12 عاماً على «حرب تموز»: تنافس بين الثنائي الشيعي في الجنوب اللبناني

صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)
صورة لمقابر عائدة لعناصر من {حزب الله} جنوب لبنان قتلوا في سوريا (خاصة بـ الشرق الاوسط)

تزدان الطرق في الجنوب اللبناني باللافتات التي تحتفل بالذكرى الثانية عشرة للانتصار على العدوان الإسرائيلي، وبالأعلام الحزبية لـ«حزب الله» و«حركة أمل» التي ترفرف لتتبنى النصر بمعزل عن وجود دولة لبنانية.
ومن عبر القرى والبلدات الجنوبية في مثل هذه الأيام قبل 12 عاماً، لا بد أن يستوقفه التطور العمراني في بعض المناطق حيث يمكن تسجيل محو كامل للعدوان الإسرائيلي، مقابل قرى تطغى عليها مظاهر الأزمة الاقتصادية رغم انتشار المؤسسات التجارية والصناعية المنتشرة.
والأهم أن تداعيات مشاركة «حزب الله» في الحرب السورية تبتعد عن مظاهر الاحتفال بالنصر. إذ تحتل المشهد صور بهتت ألوانها لشهداء سقطوا في «حرب تموز».
والتعمق خلال الجولة الميدانية في بعض مناطق الجنوب اللبناني يقود إلى 3 ملاحظات، هي: الأزمة الاقتصادية رغم النمو العمراني، تنافس «حركة أمل» و«حزب الله» تعكسه اللافتات والرايات، والتناقض في النظرة إلى دور قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) بين الحزب والحركة.
والحوار مع الجنوبيين يؤطر الملاحظات وفق الجغرافيا بين ساحل وجبل، ووفق تقاسم النفوذ بين «حركة أمل» و«حزب الله»، وتفاوت المستوى الحياتي بين مناطق تعتمد على اقتصاد البلد، وتلك التي تنعم باقتصاد رديف مصدره قوات «اليونيفيل» وحركة الاغتراب التي ترفد قراها بسيولة تدعم المقيمين.
لكن لا يمكن إنكار كثير من المعطيات الإيجابية المنبثقة من دور بلديات نشيطة، حيث تسود النظافة والطرق الجيدة في كثير من المناطق، كما في بنت جبيل مثلاً، إذ تتولى البلدية إدارة الأمور اليومية بشكل ممتاز، فلا تسمح بمخالفات السير أو بالتعرض للمنشآت العامة.
ويشعر زائر الجنوب اللبناني أن القبضة الحديدية التي كنت سائدة غداة «حرب تموز» تراخت لجهة حرية الحركة، إلا أن الرقابة على الحوار تبقى قائمة، وإن تحولت في معظمها إلى رقابة ذاتية لا تحتاج تدخلا مباشرا كما كانت عليه الحال سابقاً، كأن تتكرر عبارة «رجاء... ابتعدي عن السياسة»، أو رصد قلق لكل كلمة وكل سؤال يوجه إلى الأهالي.

الأزمة الاقتصادية رغم النمو العمراني
النشاط الاقتصادي مؤقت، كما يؤكد أكثر الجنوبيين، أيا يكن انتماؤهم، وينحصر بحركة المصطافين والمغتربين، إضافة إلى مناطق وجود «اليونيفيل».
الكاتب السياسي والناشط عماد قميحة يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القوات تنتج حركة اقتصادية نشيطة، تتراوح نسبتها بين 70 إلى 80 في المائة. كذلك ترتبط الحركة الاقتصادية بالانتعاش الصيفي مع توافد المغتربين والمصطافين إلى بعض القرى. لكن معرفة الوضع الاقتصادي الحقيقي تظهر بعد منتصف شهر سبتمبر (أيلول)». فالحركة صيفا تدخل في شبه سبات وينقلب المشهد مع مغادرة المصطافين والمغتربين، وتبدأ المواجهة الحقيقية للمقيمين مع ظروف الحياة التي لا تختلف عن غيرها في لبنان. ومن تستوقفه الأبنية الفخمة للمدارس، يجد من يوضح له أن بعضها مقفل لعدم وجود تلاميذ. إذ بنيت نسبة منها وفق صفقات وليس وفق الحاجة الفعلية. كما أن نشاط المرافق الترفيهية ينتهي مع انتهاء الصيف. وينسحب الأمر على حركة التجارة.
حساسية الاقتصاد تبرر خوف الجنوبيين من أي عدوان إسرائيلي جديد على منطقتهم، خاصة في ظل الوضع المالي لإيران وعلاقة «حزب الله» العدائية مع دول الخليج. هم يعرفون أن أحدا لن يبني لهم منازلهم إن حصلت حرب.
ويقول قميحة: «(حزب الله) يريد إبقاء الجنوبيين في استنفار دائم كما تشير البروباغندا في إعلامه. لكنه يدرك أن النزوح وإعادة الأعمار دونهما غياب الممول الخارجي، كما كانت الحال عام 2006. ما يعني استبعاد احتمال التورط في حروب مع إسرائيل أو الدخول في مغامرة تنقلب نتائجها عليه. كما يعرف أن إسرائيل لا تريد حربا بدورها لأنها ضنينة بحياة مواطنيها. ومع الأسف نحن نتكل على معادلة حرص (حزب الله) على مكاسبه مقابل حرص الإسرائيلي على مواطنيه».
وعن واقع التفاف النسبة الكبرى من الجنوبيين حول «حزب الله»، يقول قميحة: «للحزب شبكة مصالح واسعة، ومن ليس متفرغا عسكريا يعمل في إحدى مؤسساته، وبالتالي الاتكال الاقتصادي على الحزب يشكل حاضنة الولاء له، تليه (حركة أمل) التي تجمع بدورها مناصرين ومستفيدين وظيفيا واقتصاديا». ليوضح: «من يعارض الحزب أو الحركة في الجنوب لا يجد من يحميه، وليس كما هي الحال في بعلبك والهرمل، حيث العشيرة تحمي أبناءها. هنا لا عشائر. ولكن هذا لا يلغي الامتعاض من تدهور الوضع الاقتصادي. فالناس تسأل عن سبب أزمات الكهرباء والنفايات وغيرها، بعد أن قاتلت وحررت. ولا سيما مع سياسة التقشف التي تسود الحزب حالياً».

التنافس بين الثنائية الشيعية
يعكس انتشار أعلام «حزب الله» و«حركة أمل» وشعاراتهما على امتداد الطرق الجنوبية حيثية تتعلق بالثنائية الشيعية، فهذه الأعلام تجتمع في مناطق وتفترق في مناطق أخرى، كما أن مضمون اللافتات يبرز التمايز، فالحزب يرفع شعارات على وزن «وطن يحمي مقاومة... مقاومة تحمي شعبا»... «المقاومة خزان إرادة الوطن»... «على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة إسرائيل»... «مقاومة كتبت بالدم»... وما إلى ذلك.
أما أصدقاء الحركة ومن يؤيدها فيرفعون صور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهو «قمر الوطن». ويحضرون لذكرى تغييب الإمام موسى الصدر وشعاراتهم تتحدث عن الدولة التي يجب أن تكون المرجع لأهل الجنوب، و«التغيير لا يتم بالقوة بل بالفكر والحجة والحوار».
ولا يحبذ أهالي القرى الحديث عن هذا التمايز. فيتجنبون الإشارة إلى غلبة جمهور أي طرف على جمهور الطرف الآخر. لكن الواضح أن المنتمين إلى الحركة أكثر طراوة في التعامل مع محاوريهم من المنتمين إلى الحزب. والحركي يتغنى بالخيرات التي أغدقها على منطقتهم وجود بري على سدة المجلس النيابي. ويقول أحدهم: «بصمة الرئيس بري لا يمكن تجاهلها، للإنجازات في شبكة الطرق والقطاع التربوي ومشروعات الري وتشجيع إنشاء المرافق السياحية والترفيهية واستقطاب المغتربين للمشاركة في النمو الاقتصادي وقضاء العطل في ربوع الجنوب».
في المقابل، يعتبر الملتزمون بـ«حزب الله» أنه غيّر المعادلات، وأنه المصدر الوحيد لأمانهم، وأن الشيعة مستهدفون أينما كانوا، ولولا الحزب لتمت إبادتهم. وتقول سيدة مغتربة في الولايات المتحدة تمضي عطلتها في قريتها، إنه «إذا استهدفت إسرائيل لبنان بقنبلة ذرية فسوف تمحى كل المناطق باستثناء جبل عامل لأن العناية الإلهية يعكسها الحزب وأمينه العام السيد حسن نصر الله».
ويقول قمحية إن «الوضع بين الحزب والحركة يشهد توافقا على مستوى القيادات. لكن القاعدة الشعبية ليست بخير، ففي 40 بلدية جنوبية خلافات كبيرة أدت إلى استقالات فرطت عقدها أو جمدت أعمالها. والخلاف برز خلال الانتخابات مع الفروق الشاسعة في نسب الأصوات التفضيلية التي حصل عليها النواب في الثنائية».
ويضيف: «وسائل التواصل الاجتماعي كشفت حدة الخلاف، فالحركيون يعتبرون (حزب الله) هو من دفع النائب جميل السيد لانتقاد الرئيس نبيه بري».

النظرة إلى وجود قوات «اليونيفيل»
تنقسم النظرة حيال قوات «اليونيفيل» في الجنوب اللبناني بين الحياديين والمنتمين إلى «حركة أمل» وبين «حزب الله» والملتزمين به. فالفئة الأولى ترى أن هذه القوات ساهمت في تحسين البنى التحتية والفوقية، إضافة إلى النشاطات التربوية والاجتماعية والمساعدات الطبية التي تقدّمها، لتعوض إهمال الدولة، لكنها لا تعتبرها مصدرا للحماية، والسبب عجزها عن ردع العدوان الإسرائيلي المتكرر منذ انتشارها عام 1978 إلى يومنا هذا.
وتضم «اليونيفيل» نحو 15 ألف جندي، مهمتهم تنفيذ القرار 1701 إثر «حرب تموز». وتنفّذ أنشطة ومشاريع في منطقة عملياتها التي تشمل 4 أقضية هي صور، بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا.
ويشير الموقع الإلكتروني لـ«اليونيفيل»، إلى أن الانتشار السريع والفعال لقوة «اليونيفيل» المعززة، والأنشطة التي تقوم بها منذ ذلك الحين، كان حاسما في منع تكرار الأعمال العدائية عبر الخط الأزرق، وساعد على التأسيس لأجواء استراتيجية عسكرية وأمنية جديدة في جنوب لبنان.
لكن أحد الملتزمين في «حزب الله» يقول: «إن (اليونيفيل) تجنح إلى معسكر الاستكبار، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع تكرار الأعمال العدائية مرده خوف إسرائيل من صواريخ الحزب».
ويرى قميحة أن «جمهور الحركة يعتبر وجود (اليونيفيل) نعمة، لأنه يولد حالة اقتصادية ومشروعات إنمائية يستفيد منها الناس العاديون. في حين يعتبر جمهور الحزب هذا الوجود وكر تجسس تم زرع عناصره بين الناس. حتى إن البعض يروج لكون هؤلاء العناصر مشروع رهائن عندما تدعو الحاجة. والاشتباكات يحركها (حزب الله) تحت مسمى (الأهالي) من حين إلى آخر لدى دخول عناصر من (اليونيفيل) إلى أماكن معينة أو لالتقاطهم الصور».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.