البيت الأبيض يهدد بتشديد العقوبات على أنقرة

تركيا تتمسك برفض الإفراج عن القس برانسون

أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
TT

البيت الأبيض يهدد بتشديد العقوبات على أنقرة

أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)

حذر مسؤولون كبار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من فرض مزيد من العقوبات ضد تركيا، ما لم يتم إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون. وشددت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض على أن الرئيس الأميركي يشعر بالإحباط؛ لأن تركيا لم تفرج عن القس الأميركي، وكذلك عن مواطنين أميركيين آخرين وموظفين في السفارة والقنصليات الدبلوماسية في تركيا، ما زالوا قيد الاحتجاز.
وجاءت التحذيرات والتلميحات بالإحباط وإمكانية فرض مزيد من العقوبات، بعد يوم من الاجتماع الذي عقده السفير التركي بواشنطن سردار كيليتش مع جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي، والذي لم يخرج بنتائج واضحة؛ لكنه يشير إلى بارقة أمل في تخفيف التوتر بين أنقرة وواشنطن.
وقال مسؤول بالبيت الأبيض طلب عدم الكشف عن هويته، إن النقاشات لم تقدم أي جديد فيما يتعلق بقضية الإفراج عن القس برانسون، مشيرا إلى أن بولتون أوضح للسفير التركي أن إدارة ترمب ستبقى حازمة للغاية في هذا الأمر، وأن الرئيس ترمب ملتزم بإعادة القس برانسون إلى وطنه، وخلال الأيام القادمة يمكنه اتخاذ مزيد من الإجراءات. وأضاف المسؤول أنه من المرجح أن تتخذ الإدارة الأميركية إجراءات أخرى، في شكل عقوبات اقتصادية، قائلا: «سيستمر الضغط ما لم نشهد نتائج».
وأشارت هيثر نويرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، إلى أن التقدم الذي تريده واشنطن هو عودة القس برانسون إلى الولايات المتحدة. وأوضحت أن المحادثات متواصلة حول إعادته وإعادة بقية الأميركيين المحتجزين في تركيا.
وبالأمس، رفضت محكمة تركية طلبا جديدا للإفراج عن القس برانسون، وقررت محكمة مدينة إزمير رفض الطلب، مؤكدة أن برانسون سيبقى قيد الإقامة الجبرية، حسبما أفادت وكالة الأناضول الرسمية. وأكد محامي الدفاع التركي عن القس جيم هالفورت لوكالة الصحافة الفرنسية، أن محكمة أخرى في إزمير ستنظر في طلب موكله. ولا تزال محاكمته جارية، ومن المقرر عقد الجلسة التالية في 12 أكتوبر (تشرين الأول).
ويشكك الخبراء والمحللون السياسيون في إمكانية تضييق الخلافات بين واشنطن وأنقرة؛ بل يشيرون إلى زيادة حدة التوتر مع إعلان مسارات للتحدي والعناد في وجه المطالب الأميركية.
وقد أعلنت تركيا رفع الرسوم الجمركية على بعض الواردات الأميركية، بما في ذلك الأرز والسيارات والكحول والفحم ومنتجات التجميل، في إطار مبدأ المعاملة بالمثل. وقد قالت الحكومة التركية إن التعريفات الجمركية على السيارات الأميركية سوف تتضاعف إلى 120 في المائة، بينما ستزيد التعريفات على المشروبات بالمعدل نفسه إلى 140 في المائة. وسوف تصل الرسوم إلى 533 مليون دولار، وهو مبلغ صغير نسبياً يقصد به الانتقام من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير، بمضاعفة التعريفات الجمركية على الصلب والألمنيوم التركي.
وتأتي هذه التعريفة بعد يوم من إعلان الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ستقاطع البضائع الإلكترونية الأميركية، بما في ذلك الهواتف «آيفون»؛ على الرغم من أنه لم يتضح كيف سيتم فرض المقاطعة أو تشجيعها. وشهدت الأسواق المالية انخفاضات قياسية لليرة التركية التي انخفضت بنحو 42 في المائة حتى الآن، وزاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية، ارتفاع مستويات الديون الخارجية في البلاد، ورفض إردوغان السماح للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة لدعم العملة.
ويشكك المستثمرون في سوق الأوراق المالية في أن إطلاق تركيا لسراح القس برانسون يمكن أن يؤدي إلى انتعاش في سوق الأسهم، خاصة سوء الإدارة الاقتصادية التي تتبعها حكومة إردوغان. ويقول المحللون إن العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة ترمب على الحديد والألمنيوم التركي، تعد ضئيلة للغاية لإحداث هذا الانهيار في العملة التركية، فيما يتشكك المحللون السياسيون في إمكانية إصلاح العلاقات المشتعلة بين البلدين على المدى القريب.
ويقول ستيفن كوك، الخبير السياسي بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن، إن الخلافات بين واشنطن وأنقرة تتجاوز مسألة إطلاق سراح القس الأميركي بكثير. فقد أعربت واشنطن عن قلقها من خطط أنقرة شراء أنظمة دفاع جوية متقدمة من طراز «S – 400» من روسيا؛ لأن تركيا تشتري طائرات «F – 35» عالية التقنية من المخزون العسكري الأميركي، وتعتمد على روسيا في الصيانة وقطع الغيار، بما يمكن موسكو من جمع معلومات قيمة حول كشف أي عيوب للطائرة وإمكانية مواجهتها.
كما تلاعب الأتراك بشكل كبير فيما يتعلق بالحرب الأميركية ضد تنظيم داعش والملف السوري، وفيما يتعلق بدعم واشنطن للأكراد، واستهداف تركيا لحلفاء واشنطن داخل سوريا. كما قامت أنقرة بتقويض خطط وسياسات الولايات المتحدة لمواجهة إيران، وأعلن إردوغان رفضه الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والاستمرار في استيراد النفط الإيراني ومساعدة إيران على تجنب العقوبات.
ويؤكد كوك أن قضية القس الأميركي أصبحت نقطة اشتعال؛ لأن أنقرة وافقت على إطلاق سراحه ثم تراجعت عن القيام بهذه الخطوة، كما أنها تحتجز ما بين 15 إلى 20 أميركيا، بما في ذلك عالم من وكالة «ناسا» وموظفون أتراك مزدوجو الجنسية، يعملون في السفارة الأميركية وتستخدمهم أنقرة كورقة مساومة وضغط، لإجبار الولايات المتحدة على تسليم المعارض التركي فتح الله غولن الذي تتهمه حكومة إردوغان بتدبير الانقلاب الفاشل عام 2016. وتقول ستيفاني سيغال، الباحثة في الاقتصاد السياسي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن إدارة الرئيس ترمب اتبعت سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد عدد من الدول، بما في ذلك الصين وروسيا، وهددت بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وفرضت رسوما جمركية على واردات السيارات الأوروبية؛ لكن الإجراءات التي اتخذتها ضد تركيا ومضاعفة التعريفة الجمركية ضد سلعتين فقط قد أدت إلى انهيار واضح في الاقتصاد التركي، نتيجة لنقاط ضعف أساسية يعاني منها الاقتصاد التركي.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تريد زيادة الضغوط على تركيا لكبح علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بما يعني مخاطر أكبر للاقتصاد التركي. وأوضحت سيغال أن الضعف الاقتصادي التركي وفقا لصندوق النقد الدولي، نتيجة سياسات اقتصادية تركية مضطربة أدت إلى عجز في الحساب الجاري وعجز مالي كبير وديون خارجية، وانخفاض ثقة المستثمرين، مع ازدياد هروب رأس المال في ظل الأزمة الحالية. وتشير سيغال إلى أن أي دولة تتعرض لهذا الموقف فإنها تتجه إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة، ولكن في ظل الظروف السياسية الحالية من الصعب رؤية كيف يمكن رسم برنامج لتمكين تركيا من سد احتياجاتها التمويلية؛ خاصة أنها لن تتلقى دعما من الولايات المتحدة، سواء في صندوق النقد الدولي أو في أي مكان آخر، طالما استمرت في تحدي مطالب الولايات المتحدة.
ووفقا لعدة مسؤولين أبدوا قلقهم من تأثير الأزمة بين أنقرة وواشنطن على اقتصادات الأسواق الناشئة الأخرى، مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا وكولومبيا التي تتعرض لضغوط نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية تبدو أقل اهتماما بتلك التأثيرات.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟