تصاميم طموحة لطائرات كهربائية بعضها خارق لجدار الصوت

خبراء يتوقعون انطلاقها خلال أعوام

«فولوكوبتر» سيارة الأجرة الطائرة في رسم تخيلي فوق مدينة نيويورك
«فولوكوبتر» سيارة الأجرة الطائرة في رسم تخيلي فوق مدينة نيويورك
TT

تصاميم طموحة لطائرات كهربائية بعضها خارق لجدار الصوت

«فولوكوبتر» سيارة الأجرة الطائرة في رسم تخيلي فوق مدينة نيويورك
«فولوكوبتر» سيارة الأجرة الطائرة في رسم تخيلي فوق مدينة نيويورك

يشهد العالم سعيا حثيثا لإنتاج طائرات كهربائية، وتفيد منظمة «إي إتش إس» الدولية للطيران بأنّ أكثر من 50 شركة حول العالم تمر حالياً بمرحلة ما من البحث والتطوير لإنتاج طائرات كهربائية للإقلاع والهبوط العمودي. وتدور معظم هذه الأفكار الجديدة حول تصاميم للسفر على علوّ منخفض لتقليص تكلفة تشغيل طائرة ثابتة الجناحين. ويتناول المحللون في صناعة الطيران أهم ملامح التقنيات التي سيعتمد عليها لتشغيل طائرات المستقبل.
طائرات هجينة
وفي هذا السياق نفسه، يظهر معظم صناع المعدات الأصلية اهتماماً بالقدرة المستقبلية لطائرات الدفع الكهربائية الهجينة. فقد استحوذت شركة بوينغ مثلاً على شركة «أورورا» لعلوم الطيران البحثية عام 2017، والتي تركز أبحاثها لسنوات قادمة على استخدام التقنيات الكهربائية للإقلاع والهبوط العمودي (ت ك إ ه ع eVTOL) electric vertical takeoff and landing بتصميمات مختلفة. كما خصصت شركة «إيرباص» وحدة مهمتها بحث التطور المستقبلي للطيران، تجري أبحاثها حالياً في هذا المجال على سيارة «فاهانا» الطائرة للأجرة في سيليكون فالي.
ويشهد هذا المجال أيضاً بحث وتطوير أنواع أخرى من هياكل 2020 الميكانيكية في فئة الطائرات النفاثة التجارية الخارقة للصوت. وتحتلّ شركات مثل «آييريون»، «بوم للتقنية» و«لوكهيد مارتن» الصدارة في هذه الصناعة لتركيزها على برامج تطوير طيران خارق للصوت.
ومن المتوقع أن يحدث مفهوما الطائرات الخارقة للصوت و«ت ك إ ه ع eVTOL» تحولاً جذرياً في رحلات الركاب الخاصة والتجارية، وسيتطلب كلاهما جيلاً جديداً من تقنيات الطيران.

إقلاع وهبوط عموديان
تتزعّم شركة «أوبر»، التي عقدت قمّتها السنوية الثانية «أوبر إيليفيت» في لوس أنجليس، أخيرا مسار الجهود المستقبلية لتحويل فكرة سيارة الأجرة الطائرة بهذه التقنية «ت ك إ ه ع «eVTOL إلى حقيقة. ولكنّ أوبر ليست الشركة الوحيدة التي تعمل بشكل جدي باتجاه تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع، ففي معرض الإلكترونيات الاستهلاكية 2018 كشفت شركة إنتل عن فيديو يظهر رئيسها التنفيذي براين كرزانيك يقود أوّل طوافة تحلّق بـ«ت ك إ ه ع» وتعرف باسم «فولوكوبتر». هذه «الفولوكوبتر» هي عبارة عن طائرة كهربائية تامة تعمل بالتقنية الكهربائية الجديدة وتضمّ في تصميمها 18 محركا ليست من محرّكات الاحتراق الذاتي. هذه الطائرة، المصممة لتطير دون طيّار أو مع طيار في حجرة الطاقم، تتضمن 18 محركا كهربائيا وتتزوّد بالطاقة بواسطة بطاريات ذات سعة كبيرة.
وتتصوّر الشركة الألمانية الناشئة التي تقف خلف تطوير «فولوكوبتر» استخدام أسطح مكشوفة تحمل اسم «منافذ فولو»، حيث يستطيع ما يقارب 1000 راكب في الساعة، الطيران والهبوط في سيارات الأجرة الطائرة.
يقول ألكسندر زوسيل، الشريك المؤسس لـ«فولوكوبتر» ورئيس قسم الابتكار فيها في حديث نقلته مجلة «أفييشن ويك» المعنية بصناعة الطيران: «في الحقيقة، نرى أن أكبر التحديات التي تواجه تحقيق هذا الحلم هي سعة البطارية وتوليد الطاقة وليس أنظمة التحكّم بالطيران».
وعلى صعيد برمجة مبدأ الـ«فولوكوبتر»، تعمل إنتل على تزويد الطائرة بنظام التحكّم بالطيران وتقنية أجهزة الاستشعار التي استخدمتها في تطوير طائرتها التجارية الذاتية القيادة «فالكون 8+». وهذا البرنامج مصمم لجمع بيانات المحيط بواسطة عدد كبير من أجهزة الاستشعار لتوفير قراءة دقيقة حول وضعية الطائرة خلال الطيران، بالإضافة إلى إمكانية معالجة أي خلل عند وقوع بعض أعطال الطيران والتعامل مع الرياح غير المتوقعة. ويشمل تصميم هذا المبدأ أيضاً ضوابط تصحيحية ذاتية لمركز جاذبية الـ«فولوكوبتر» للمساعدة في تحقيق توازن وضعية المركبة.

تقنيات خارقة للصوت
هل بات قطاع الطيران العام جاهزاً للطيران التجاري الخارق للصوت؟ شركات كثيرة تعمل على تصميم هياكل ميكانيكية طائرة خارقة للصوت ترى أنه كذلك، حتى أن الكثير من خطوط الطيران أبدت اهتماماً كبيراً بهذا الاتجاه.
في أواخر عام 2017، أعلنت شركة «بوم» للتقنية عن استثمار بقيمة 10 ملايين دولار وطلب مسبق لـ20 طائرة خارقة للصوت من الخطوط الجوية اليابانية. وبموجب هذا الاتفاق، ستساعد الشركة اليابانية على صقل تصميم الطائرة ورسم معالم تجربة السفر في الطائرات الخارقة للصوت. تعمل «بوم» مبدئياً على تصميم طائرتها الخاصة التي تتسع لـ55 راكبا وتطير بسرعة تصل إلى 1451 ميلا- الساعة، أو 2.2 ماك (ماك وحدة تقابل سرعة الصوت). وكانت الشركة قد صرحت تكراراً أن طائرتها الأولى الخارقة للصوت ستدخل في الخدمة بحلول عام 2023.
بعد مرور عدة أسابيع على توقيع شركة «بوم» والخطوط الجوية اليابانية لاتفاقيتهما، أعلنت شركتان مهمتان لإنتاج المعدات الأساسية عن شراكة جديدة تهدف إلى تسريع الدخول في صناعة الطيران المدني الخارق للصوت. فقد وقّعت شركة «آييريون»، التي أطلقت برنامج طائرتها التجارية الخارقة للصوت الأول عام 2014 اتفاقاً مع شركة «لوكهيد مارتن» لتطوير إطار عمل يشمل جميع مراحل البرنامج من هندسة وترخيص وإنتاج. كما بدأت «آييريون» سلفاً التعامل مع شركتي «إيرباص» و«جي إي للطيران» كشريكين في الهندسة وصناعة المحركات.
وبعد أشهر قليلة، أبدت «ناسا» أيضاً التزامها بالمساهمة في تحقيق رؤية الطيران الخارق للصوت بحلول 2020 من خلال تلزيم عقد بقيمة 247.5 مليون دولار لشركة «لوكهيد مارتن» لتطوير طائرة X خارقة للصوت. وبموجب هذا العقد، ستبني «لوكهيد» هيكلَ طائر سيصل تحليقه إلى ارتفاع إلى 55000 قدم بسرعة قصوى تبلغ 1.5 ماك. وستتميز هذه الطائرة بحجرة طيران تتسع لطيّار واحد بناء على تصميم طائرة T - 38 التدريبية.
وكانت ناسا قد استكملت عام 2017 بالتعاون مع شركة «هانويل» اختبارا استمرّ لمدة عامين، تضمّن استخدام برنامج خارق للصوت قادر على التنبؤ، وتقنية نظام عرض قمرة القيادة على حجرة قيادة طائرة تجارية. وعرض هذا الاختبار كيف يمكن للربّان أن يتوقع تأثير زمان ومكان حصول دوي اختراق الصوت الصادر عن الطائرات التجارية الخارقة للصوت على المناطق السكانية على الأرض خلال مسارات رحلاتها. وعلى الرغم من أنّ اختبارات الطيران لم تبلغ سرعة حقيقية خارقة للصوت، نجح العرض في محاكاة السفر الخارق للصوت في فضاء الطيران الحقيقي عبر استخدام التفاعل الواقعي مع ضابط العمليات الجوية وأجهزة التحكم بحركة الطيران.



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.