منصات عربية في مهمة تقييم مصداقية الخبر

من بينها «أكيد» الأردنية و«ده بجد» المصرية و«تأكد» السورية

«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
TT

منصات عربية في مهمة تقييم مصداقية الخبر

«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية

دور مهم تؤديه منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي، لتشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بمبادئ العمل الصحافي، عبر التحقق من المواد الصحافية باستخدام أداة البحث العكسي الموجودة في «غوغل» لتدقيق الصور والمعلومات.
خبراء في الإعلام قالوا، إن «جميع منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي تجارب رائدة لأنها تعمل وفق منهجية علمية في تصحيح الأخبار المغلوطة». لكن طالبوا بدعمها لأنها تعتمد على جهود الشباب الذين يعملون طواعية لإيمانهم بأهمية مكافحة الشائعات.
ويشار إلى أن هناك الكثير من التجارب العربية الرائدة في التحقق من صحة الأخبار، وتقييم مصداقية الوسائل الإعلامية، مثل: مرصد «الإعلام الأردني (أكيد)»، وموقع «فتبينوا» الأردني، ومنصة «تأكد» السورية، وموقع «ده بجد»، وموقع «أخبار ميتر»... فضلاً عن التجارب الدولية ومن أهمها، صفحة Check News التي أطلقها موقع «ليبراسيون»، وصفحة «لي ديكودور» على موقع «لوموند»، وقد استخدمت «لوموند» أساليب تقنية، ويعمل في الموقع فريق لتقصي أصل الخبر، وأعلنت «بي بي سي» في يناير (كانون الثاني) 2017، تشكيل فريق للتدقيق في الوقائع، وفضح زيف الأخبار المضللة، وذلك من خلال قسم Reality Check.
ويقول أحمد بريمو، مدير منصة «تأكد» السورية، «تأسست (تأكد) في مارس (آذار) 2016، بثلاث لغات هي «العربية، والإنجليزية، والتركية»، وذلك للحد من انتشار الأخبار المغلوطة والمعلومات المضللة التي تستخدمها الأطراف المتنازعة في سوريا منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن، ولتشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بمبادئ العمل الصحافي، وخلال فترة عملنا استقبلنا من المتابعين مواد صحافية مشكوك في صحتها عبر البريد الإلكتروني والرسائل الواردة إلينا من صفحة «فيسبوك»، والتي نتحقق منها من خلال 8 صحافيين، وشبكة من المراسلين المنتشرين داخل معظم المناطق السورية.
وأضاف بريمو لـ«الشرق الأوسط»: «تقوم منهجية التقييم على التحقق من المواد الصحافية بمختلف أنواعها، وذلك باستخدام أداة البحث العكسي الموجودة في «غوغل» من أجل التحقق من مصداقية الصور والمعلومات المرفقة، في حين نعتمد على المراسلين للتحقق من المعلومات المقدمة على شكل أخبار أو تقارير، ويتم تقييم المواد الإعلامية المشكوك في صحتها بالتشارك بين العاملين في المنصة، وأحيانا نتواصل مع الأشخاص الذين يتم اجتزاء تصريحاتهم أو تترجم بشكل خاطئ من أجل الوصول إلى الحقيقة». موضحاً: «خصصنا في الموقع أقساماً للأخبار الخاطئة التي تبثها أو تنشرها وسائل إعلام عربية وآخر للعالمية... فالكثيرون يقعون في (فخ) الترويج الإعلامي لطرف على حساب آخر من خلال نشر معلومات خاطئة بقصد أو دون قصد، وبالتالي نتابع الأخبار المتعلقة بالشأن السوري، والأخبار التي يتداولها السوريون».
وقال مدير منصة «تأكد»، من أبرز الفيديوهات التي تم التحقق من مصداقيتها وحققت أكثر من 12 ألف مشاهدة على مواقع التواصل، فيديو تمثيلي لموالين للأسد يروجونه على أنه في الغوطة، وخلال بحث عكسي أجرته المنصة، تبين أن الفيديو عبارة عن تقرير مصور أعده موقع فلسطيني، ونشر على «اليوتيوب» من قبل بعنوان «الخدع السينمائية فن ينقل غزة بصورة مغايرة للعالم».
أما أسامة الرواجفة، مدير تحرير مرصد «مصداقية الإعلام الأردني (أكيد)»، فقال لـ«الشرق الأوسط»، «أدت كثرة المواقع الإخبارية في الأردن إلى تزايد الطلب على الصحافيين الذين تم توظيف بعضهم قبل تأهيلهم جيداً، بالإضافة إلى تركيز الوسائل الإعلامية على عنصر الإثارة وجذب أعداد كبيرة من المشاهدين على حساب عنصر الدقة، وهذه الأسباب دفعت معهد (الإعلام الأردني) في عام 2014 إلى إنشاء مرصد (الإعلام الأردني) بدعم من صندوق الملك (عبد الله للتنمية)، ورئاسة باسم الطويسي عميد معهد الإعلام الأردني، وذلك من أجل دعم حق المجتمع في المعرفة، ومساعدة وسائل الإعلام على تحسين جودة محتواها، إلى جانب تطوير قدرات الصحافيين في الوصول إلى المعلومات من مصادرها، والكشف عن الأخبار الكاذبة»، والمضللة. مضيفاً: «يضم فريق المرصد مدير تحرير، و5 صحافيين متخصصين في رصد محتوى وسائل الإعلام المختلفة ومتابعة قضايا الرأي العام في منصات التواصل الاجتماعي».
وحول آلية تقييم مصداقية وسائل الإعلام، أشار الرواجفة إلى أن المرصد وضع مجموعة من المعايير القابلة للقياس الكيفي والكمي لرصد مصداقية الأخبار المنشورة بالوسائل الإعلامية وهي: «الدقة، والموضوعية، والتوازن، والحياد»، وهذه المعايير خاضعة دوماً للتطوير والتعديل.
في السياق ذاته، وتحت شعار «نحو محتوى عربي خال من الخرافة»، دشن معاذ الظاهر حملة «فتبينوا» الأردنية تحت رعاية شبكة «زدني للتعليم»، وهي عبارة عن منصة تثقيفية وتوعوية لمحاربة الخرافات والشائعات، وبدأ مشروعه بإطلاق قناة على «يوتيوب» عام 2015 لمحاربة الإشاعات المنتشرة على الإنترنت، ثم قام بتدشين صفحة على «فيسبوك»، وقد وصل عدد المتابعين للصفحة 446.208 مُتابع، وبعد ذلك، تم إنشاء الموقع الإلكتروني لحملة «فتبينوا».
ويقول مصطفى محمود، مدير موقع «فتبينوا»، إن «موقعه إلى مكافحة الخرافات المنتشرة على الإنترنت بكل أنواعها لإيصال الحقيقة للجمهور، ويحتوي الموقع أنواعا مختلفة من الخرافات التي قمنا بتصحيحها، مثل: خرافات (إلكترونية، واجتماعية، ورياضية، وطبية)، وتمكنا من الرد على قرابة 650 خرافة تم نشرها في الموقع».
وفي مصر، تعتبر «أخبار ميتر»، و«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية، ويقول هيثم عاطف، مؤسس مبادرة «أخبار ميتر» لـ«الشرق الأوسط»، «انطلقت المبادرة عام 2016، من أجل تشجيع الصحافيين على الالتزام بالمعايير الدولية في الكتابة الخبرية، ويقوم فريق العمل بإدارة حسابات المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب رصد 24 خبراً بصفة يومية في عدد من المواقع الإخبارية المصرية.
وأضاف: «تقوم منهجية التقييم على مؤشرات الاحترافية، والمهنية، ونسبة الانتهاكات القانونية، والتضليل ونشر الشائعات... ومن أبرز الأسئلة المستخدمة في التقييم، هل المصادر حديثة ومناسبة للموضوع؟، وهل المحتوى مقتبس من المواقع الأخرى؟، وهل الصحافي منحاز لجهة سياسية أثناء كتابة الخبر؟، وهل يحتوي الخبر على معلومات خاطئة؟، وهل هناك أي محاولة للتلاعب بالأوراق أو الإحصائيات أو الأرقام؟».
وأوضح محمد حسنين، عضو فريق منصة «ده بجد»، أن فريق العمل يتكون من ستة أشخاص تحت إشراف هاني بهجت. مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»: «تقوم منهجية عملنا على التحقق من صحة الأخبار بأكثر من طريقة، فمثلاً نستعين بتصريح الشخص نفسه، أو الأخبار الواردة من وكالات الأنباء العالمية، والحسابات الرسمية للأشخاص على (فيسبوك) للتأكد من صحة الآراء المنسوبة إليهم».
من جانبه، قال الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «يعتبر مرصد (الإعلام الأردني) أفضل المنصات الإعلامية التي تُقيم مصداقية الوسائل الإعلامية، لأنه أعد مقياساً يتسم بالشمول والاحترافية، وفي هذا الصدد يجب على المبرمجين والمطورين إنشاء برامج وأدوات تكنولوجية لمساعدتنا في التحقق من صحة الأخبار، والصور، والفيديوهات، لأننا نتعرض لموجة كبيرة من الأخبار الكاذبة والشائعات».
ويرى أحمد عصمت، المدير التنفيذي لمنتدى الإسكندرية للإعلام، أن «جميع منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي تجارب رائدة، ونحن في أمس الحاجة إليها، وقد كرمنا في الدورة السادسة من منتدى (الإسكندرية للإعلام) الذي عقد في أبريل (نيسان) الماضي موقعي (أخبار ميتر)، و(ده بجد)، بصفتهما من المنصات التي تعمل وفق منهجية علمية في تصحيح الأخبار المغلوطة».
وقال عصمت لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أن المنصات العربية يجب أن تقتدي بالتجارب العالمية في التحقق من صحة الأخبار؛ لكن لا ينبغي أن نحملها فوق طاقتها، لأنها معتمدة على جهود الشباب الذين يعملون طواعية لإيمانهم بأهمية مكافحة الشائعات والأخبار المضللة التي تعد من آفات العصر الحديث».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».