لبنان: قلق اقتصادي متصاعد... والمؤشرات تنذر بانكماش أوسع

دعم دولي يقدّر بنحو 11.6 مليار دولار معلق على تأليف الحكومة والتزاماتها

يزيد من منسوب القلق إمكانية تضييع الفرصة الدولية الداعمة التي حازها لبنان في مؤتمر «سيدر» (رويترز)
يزيد من منسوب القلق إمكانية تضييع الفرصة الدولية الداعمة التي حازها لبنان في مؤتمر «سيدر» (رويترز)
TT

لبنان: قلق اقتصادي متصاعد... والمؤشرات تنذر بانكماش أوسع

يزيد من منسوب القلق إمكانية تضييع الفرصة الدولية الداعمة التي حازها لبنان في مؤتمر «سيدر» (رويترز)
يزيد من منسوب القلق إمكانية تضييع الفرصة الدولية الداعمة التي حازها لبنان في مؤتمر «سيدر» (رويترز)

ينشغل اللبنانيون بهواجس حدوث صعوبات مالية ونقدية وشيكة، يعززها توالي صدور مؤشرات سلبية في قطاعات متعددة، وانكماش التمويل المصرفي بفعل تنامي الركود وارتفاع الفوائد المدينة إلى مستويات كابحة للطلب من قبل الأفراد والمؤسسات، واستنفاد أموال الدعم الموجهة للقروض السكنية لهذا العام... هذا بموازاة الضغوط التواصلية المتولدة من وجود أكثر من مليون نازح سوري، إضافة إلى توالي التصريحات والمعلومات التي تحدد آجالا لبدء تحريك «دومينو الانهيار»، واستنادا دوما إلى الإرباكات الداخلية المتعاظمة وامتداداتها الإقليمية.
فمن جهة الإيجابيات؛ هناك اطمئنان إلى احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي البالغ نحو 44 مليار دولار، مع مواصلة سياسة جذب التوظيفات بالدولار عبر برامج خاصة بالمصارف ذات عوائد مرتفعة، بهدف حماية الليرة وتلبية الحاجات التمويلية للدولة عند الاقتضاء، على غرار عملية المبادلة الأخيرة (السواب) مع وزارة المال بقيمة بلغت 5 مليارات دولار، والتي تكفل تسويق 3 مليارات منها بسد عجز ميزان المدفوعات... ورغم ذلك، فإن المنافسة المصرفية، وترقب المدخرين قفزات إضافية في عرض العوائد على الودائع، قد أنتجت مزيدا من محفزات القلق، بعدما وصلت الفوائد إلى 15 في المائة سنويا لكل وديعة جديدة تنتج عن تحويل من الدولار إلى الليرة، مع اشتراط تجميد المبلغ لمدة 5 سنوات. وهذا أعلى المعدلات المعروضة للمودعين حاليا، محققا قفزة مهمة من متوسط 7 إلى 10 في المائة الذي تم اعتماده لأشهر خلت. كما تزامنت العروض مع التراجع المستمر في أسعار الأسهم في بورصة بيروت، بما يشمل سندات الدين الحكومية وأسهم «سوليدير» التي تحوز الحصة السوقية الأكبر، والأوراق المالية المصرفية، مما أنتج نزولا قاسيا للأسعار دون القيمة الدفترية (يتراوح بين 15 و35 في المائة) للمؤسسات والشركات المدرجة، يقابله إحجام استثماري صريح تخوفا من تراجعات إضافية.
وكان المشهد اللبناني المتجدد سياسيا بعد إنجاز الانتخابات النيابية في مايو (أيار) الماضي، فتح كوة التفاؤل في الجدار الانحداري السميك الذي يجبه الاقتصاد وقطاعاته الإنتاجية تراكميا منذ عام 2011. لكن الحاصل جاء مخيبا، بل هو يشي بمناخات تزيد من الصعوبات ومدى حدتها على كل المستويات، بعدما استؤنف «الخطاب المتوتر» و«ابتكار الشروط والمعوقات» فور شروع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بمشاوراته واتصالاته لتأليف الحكومة الجديدة. كذلك زادت الأوضاع الإقليمية حرجا وتأزما، وآخر تجلياتها تطورات الميدان السوري والعقوبات الأميركية والدولية ضد إيران.
ويزيد من منسوب القلق، إمكانية تضييع الفرصة الدولية الداعمة التي حازها لبنان في مؤتمر «سيدر»، الذي انعقد في باريس في أبريل (نيسان) الماضي، وأقر قروضا ميسرة ومنحا مالية ومساعدات كبيرة تصل قيمتها الإجمالية إلى 11.6 مليار دولار، مقابل التزام الدولة اللبنانية - من خلال الحكومة - بتطبيق الإصلاحات المالية والهيكلية والقطاعية المطلوبة من قبل الدول والمنظمات الإقليمية والعالمية المانحة التي شاركت في المؤتمر.
ففي سياق متصل بزيادة الأعباء المترتبة على العاملين في القطاع الخاص الذين خضعوا لزيادات متنوعة في الغلاء والرسوم والضرائب ولم تشملهم الزيادات الكبيرة للرواتب (قاربت 100 في المائة في المحصلة النهائية) التي حازها موظفو القطاع العام، تُظهِر البيانات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشّر تضخّم الأسعار سجل زيادة بنسبة 7.61 في المائة، مرتفعا إلى مستوى 107.19 في المائة في يونيو (حزيران) 2018، مقابل مستوى 99.61 في المائة في الشهر المقابل من عام 2017. ويعود ذلك إلى الزيادة في أسعار جميع مكوّنات المؤشّر، خصوصاً في ظلّ رفع ضريبة القيمة المضافة من 10 إلى 11 في المائة.
كما كان لبعض العوامل تأثير على بعض القطاعات في المؤشّر، مع تسبّب ارتفاع أسعار النفط عالميّاً بزيادة تكلفة النقل بنسبة 11.94 في المائة، وارتفاع أسعار الماء والغاز والكهرباء والمحروقات الأخرى بنسبة 16.54 في المائة. كما كان لإقرار سلسلة الرتب والرواتب لمعلمّي القطاعين العام والخاص أثر في ارتفاع أسعار التعليم بنسبة 4.14 في المائة. ويمكن تعليل الزيادة السنوية في مؤشّر غلاء المعيشة أيضاً بارتفاع أسعار الألبسة والأحذية بنسبة 16.32 في المائة، ترافُقاً مع زيادة أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية بنسبة 5.87 في المائة، وزيادة تكلفة العناية الصحية بنسبة 6.29 في المائة.
وتترقب الأوساط المالية والاقتصادية باهتمام استثنائي التقارير الدورية للمؤسسات المالية الدولية ذات التأثير المباشر في التقييم الاقتصادي والتصنيف السياسي للبلاد، وجاء أحدثها من وكالة «موديز» التي حذرت، في معرض تقييمها لاثنين من المصارف اللبنانية الكبيرة، من أنّ أي تخفيضٍ إضافي للتصنيف السيادي للبنان أو تدهوُرٍ في البيئة التشغيليّة المحليّة، خصوصا إذا تبعهما خروج لرؤوس الأموال، أو أي تدهوُرٍ في جودة الأصول، قد ينعكس سلباً على التصنيف المصرفي. وفي المقابل، فإنّ أي تحسُّنٍ في التصنيف السيادي للبنان و/ أو انخفاض جذري في التعرّض للديون السياديّة أو ازدهار في البيئة التشغيليّة للقطاع المصرفي، من شأنه أن يرفع التصنيف الخاصّ بالمصارف.
وتوقع صندوق النقد الدولي، في آخر تقرير له، أن تصل نسبة النمو الاقتصادي في لبنان إلى 1.5 في المائة في عام 2018، و1.8 في المائة في عام 2019. «وتعود هذه الأرقام الضعيفة نسبيّاً بشكلٍ رئيسي إلى استمرار تداعيات التجاذبات السياسيّة والأمنيّة الإقليميّة على مستويات الثقة في البلاد وعلى القطاع العقاري، وحركة السياحة، والنشاط الاستثماري والتجاري.. أمّا على صعيد الماليّة العامّة، فقد صُنِّف لبنان، حسب التقرير، بين الدول التي تعاني من نِسَب دين عامّ من الناتج المحلّي الإجمالي تفوق 80 في المائة (150 في المائة واقعيا)، وتكلفة دين تتراوح بين 5 و10 في المائة (9.5 في المائة) من الناتج المحلّي الإجمالي، وعجزٍ «كبيرٍ» (نحو 5 مليارات دولار) في الموازنة العامّة.
ولم يتفق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مع توقعات الصندوق. قائلا: «نحن لم نصدر أي توقعات في شأن النمو حتى الآن، لأننا ننتظر عادة حتى فصل الصيف، نظراً للتقلبات السياسية في لبنان»، مشيرا إلى تقديرات ببلوغ نسبة النمو اثنين إلى 2.5 في المائة هذا العام. بينما يذكر تقرير مصرفي حديث أن النمو الاقتصادي الحقيقي المتوقع لعام 2018 في حدود 1.5 إلى اثنين في المائة حسب تقديرات صندوق النقد والبنك الدوليين. وهذا ما يؤكد «ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وتنفيذ إصلاحات مؤتمر (سيدر) على الصعد القطاعية والمالية والاقتصادية من أجل رفع النمو الاقتصادي إلى مستويات أعلى مما هو عليه حالياً، وضبط الأوضاع غير المواتية في مالية الدولة العامة في السنوات المقبلة».
ويوضح التقرير الصادر حديثاً عن «فرنسَبنك» عن أداء الاقتصاد اللبناني في النصف الأول من 2018، أنه حافظ على نموه العام، مدعوماً بالتحسّن الحاصل في نشاط عدة قطاعات اقتصادية، خصوصاً نشاط السياحة؛ حيث زاد عدد السياح بنسبة 3.3 في المائة في النصف الأول على أساس سنوي، وحركة المطار؛ إذ ارتفع عدد المسافرين عبره بمعدل 9.3 في المائة، ونشاط مرفأ بيروت حيث زادت عائداته بنسبة 2.3 في المائة، وإنتاج الكهرباء الذي توسع بمعدل 5.3 في المائة في الأشهر الخمسة الأولى على أساس سنوي، حسب توافر آخر الإحصاءات، كما تحسّن نشاط التصدير بنسبة 9.9 في المائة في الفترة نفسها.
ومن ناحية مقابلة، فإن عدداً من القطاعات الاقتصادية الرئيسية شهدت تراجعاً في نشاطها، لا سيما القطاع العقاري؛ حيث تراجعت قيمة المبيعات العقارية بمعدل 14 في المائة في النصف الأول من العام الحالي على أساس سنوي، والنشاط التجاري حيث انكمشت قيمة الشيكات المتقاصة بنسبة 2.5 في المائة، وزادت قيمة الشيكات المرتجعة بنسبة 5.7 في المائة، وتقلّصت مبيعات السيارات الجديدة بمعدل 5.4 في المائة، وتراجعت قيمة قروض «كفالات» بمعدل 24.4 في المائة، كما تقلّص معدل إشغال الفنادق من 65.5 في المائة في نهاية مايو 2017 إلى 58.6 في المائة في نهاية مايو 2018. وتواصل العجز في المالية العامة بسبب تفوق قيمة النفقات الإجمالية على الإيرادات الإجمالية، الأمر الذي يدفع بالمديونية العامة صعوداً، حيث بلغت قيمتها نحو 81.7 مليار دولار في نهاية أبريل 2018، وباتت تشكّل أكثر من 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.



«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».