«الحشيشة الطبية» تقلق تجار المخدرات في شرق لبنان

النائب حبشي: هدف مشروع القانون تقويض التجارة غير الشرعية

زراعة الحشيشة شرق لبنان (أ.ف.ب)
زراعة الحشيشة شرق لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الحشيشة الطبية» تقلق تجار المخدرات في شرق لبنان

زراعة الحشيشة شرق لبنان (أ.ف.ب)
زراعة الحشيشة شرق لبنان (أ.ف.ب)

ينظر تجار المخدرات في منطقة شرق لبنان إلى المقترحات السياسية لتشريع مادة الحشيش، بعين القلق على نفوذهم، بالنظر إلى أن مشاريع القوانين التي تقدم بها السياسيون، ستقضي على نفوذهم، لكون عملية التشريع ستمنع الترويج غير الشرعي، وستبدل نوعية النبتة التي ستتضاءل فيها المواد المهلوسة بما يراعي تقديمها لأغراض طبية، فضلا عن أن المحصول سيكون من حصة شركات الأدوية، وسيُحرم منه تجار المخدرات. وبدأت المقترحات بتشريع زراعة الحشيش لأغراض طبية في الشهر الماضي، وفق خطط يتوقع منها السياسيون توفير عائدات مادية تساهم في تنمية منطقة البقاع الشمالي، في ظل فشل مشاريع الزراعات البديلة التي اقترحتها الحكومات المتعاقبة منذ منع زراعة المخدرات في سهول وادي البقاع في شرق لبنان. وقوبلت المقترحات بتأييد واسع من سكان البقاع، رغم أن المقترحات الرسمية، وأبرزها المقترح الذي تقدم به عضو كتلة «الجمهورية القوية» النائب أنطوان حبشي، تقضي بتغيير نبتة الحشيشة الهجينة التي تُزرع الآن في سهل البقاع.
ويؤكد حبشي لـ«الشرق الأوسط»، أن المقترح الذي تقدم به أواخر الشهر الماضي، «لن يشرع المخدرات في لبنان، ولن يشرع استخدامها وتعاطيها، بمعنى أنها لن تتوفر في الأسواق، بل سيشرع زراعة بديلة تستخدم لأغراض طبية وفق آلية تلغي دور تجار المخدرات، وتكون العلاقة بين المزارع وشركات الأدوية التي تمتلك خبرة تتخطى 20 عاما في صناعة الأدوية، وستنتج من المحصول مادة طبية»، علما بأن اشتراط هذه المدة من الخبرة لشركات الأدوية، يضمن أن الشركة لن تفرط برصيدها في السوق، وستلتزم المعايير القانونية وتتقيد بها.
وأوضح حبشي أن المقترح يقضي ألا يتم تشريع الشتلة الحالية التي تُزرع في لبنان، وهي شتلة هجينة تتضمن منسوبا مرتفعا من مواد الهلوسة والمواد المخدرة، بل سيفرض شتلة جديدة، وتُكلف شركات أدوية أن تتعاقد مع المزارعين لتسليم الشتلة ومراقبتها وفق معايير محددة، وقال: «وفق هذه الآلية، سيحدّ تعاطي المخدرات لأن القانون يمنع ترويجها، والمُزارع سيتوجه إلى زراعة طبية تعود عليهم بأرباح مضاعفة، وتحميه بالقانون وتمنع أن يكون عرضة للملاحقة القانونية، وتحرره من سلطة تجار المخدرات، وستحرم تجار المخدرات من المواد المزروعة وتقوض نفوذهم، بالنظر إلى أنه لن يستفيد من الشتلة المزروعة لكونها تحد من إنتاج المخدرات بكميات كبيرة، وهي مخصصة للأغراض الطبية». وأكد أن مشروع القانون «سيلغي دور تجار المخدرات نهائياً».
وعادت المقترحات لتشريع زراعة الحشيش لأغراض طبية، بعد سنوات من حظره وفشل الحكومات في توفير زراعات بديلة لمجتمع يعاني من الحرمان وضائقة اقتصادية عالية، كادت تنفجر أخيرا في وجه الأحزاب والمسؤولين، وتم التعبير عنها بصراحة في فترة الانتخابات النيابية، على ضوء الحرمان الإنمائي والضائقة الاقتصادية من جهة، وتنامي نفوذ تجار المخدرات والعصابات التي بدأت الدولة اللبنانية بوضع حد لها بشكل حازم وفق قرار رسمي لبناني على أعلى المستويات. وفي ظل غياب المقترحات التي تساعد على تنمية المنطقة، التي عانت من تداعيات الحرب السورية، بما فيها فشل مشاريع الإنماء المتتالية منذ العام 1991 حتى اليوم، انتشرت زراعة المخدرات أخيرا على نطاق غير قانوني، وعادت نبتة الحشيشة لتطل برأسها من جديد في أكثر من منطقة، بعيدا عن أعين القوى الأمنية بالمحافظة في جرود مرجحين وفي أعالي السلسلة الشرقية وبعض من سهول غربي بعلبك.
ولاحقت القوى الأمنية خلال السنوات الماضية تلك المزروعات في الجرود وعملت على إتلافها بشكل كامل، وأدت عمليات التلف إلى استنفارات ونصب كمائن وإطلاق نار متبادل بين القوى الأمنية والمزارعين والمطلوبين، بينها حوادث في سهل حوش بردى وفي بوداي، إلا أن الزراعة غير الشرعية تضاعفت في السنوات الأربع الماضية، بفعل الأزمات الاقتصادية ومعاناة المنطقة أمنيا وتفرغ الأجهزة الأمنية لقتال التنظيمات المتطرفة على السلسلة الشرقية. ويقول السكان في المنطقة إن القوى الأمنية غضت الطرف خلال السنوات الأخيرة عن الأمر بشكل شبه كامل، وأصبحت زراعة الحشيشة في الأراضي المروية، المزاحم الأساسي للبطاطا والبصل، وهما زراعتان أساسيتان في سهل المنطقة، وغزت نبتة الحشيشة أكثر من 40 في المائة من مساحات الأراضي المزروعة. وتُزرع حاليا في بلدات الكنيسة وحزين ومجدلون وبوداي ودير الأحمر وشليفا وإيعات وعين السودا واليمونة وطاريا وكفردان والسعيدة وحوش بردى وحدث بعلبك وبعض مناطق الهرمل، فيما تزرع بنسبة بسيطة في بعض قرى شرقي بعلبك.
وينقسم البقاعيون اليوم بين مؤيد لزراعة الحشيشة لأغراض طبية ورافض للفكرة بالمطلق ومتحفظ لم يدل برأيه لأسباب «دينية». ويرى وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال غازي زعيتر، أن هناك إجماعا على تشريع زراعة الحشيشة لأغراض طبية من أجل صناعة الدواء ومشتقاته، لكنه يشير إلى أن «تشريع زراعة الحشيشة وحده لا يكفي، فهذا المشروع يجب أن يترافق مع خطة زراعية تحتاج لإقرارها في مجلس الوزراء لدعم المزارعين، ولا يكفي أن نزرع الحشيشة ونشرعها ضمن إدارة حصر شبيهة بإدارة حصر التبغ والتنباك». وأضاف: «المطلوب هو العمل وفق خطة زراعية مدروسة لا تعتمد على الاستيراد فقط فيما تبقى أرضنا لزراعة الحشيشة من أجل أغراض طبية فقط».
بدوره، يتحفظ عضو «تكتل نواب بعلبك الهرمل» النائب الوليد سكرية على تشريع الحشيش لأغراض طبية، قائلاً: «لي رأي خاص وشخصي بهذا الموضوع بعيدا عن رأي الكتلة. فأنا أعارض زراعة أي شيء اسمه مخدرات، لسبب بسيط، وهو أنه لا ضوابط عندنا في لبنان، لكنني في حال سارت الأمور باتجاه التشريع، فلن أقف عائقا أمام ذلك».
وينظر الخبراء اليوم إلى أن منطقة البقاع، تنتج نوعا جيدا من الحشيش المخصص للصناعات الدوائية. وأجرت جهات دولية عددا من التجارب على نبتة الحشيشة البقاعية بغرض التصنيع الإيجابي لأغراض طبية في سهل عين السودا بين حوش بردى ومجدلون عام 2013، حيث زرعت مساحة 400 ألف مربع بالتعاون مع مزارعين على سبيل التجربة، وبعد إثبات نجاحاتها وجودتها توصلت إلى دراسة تقضي بإنشاء 5 معامل للتصنيع، كل معمل يستطيع أن يؤمن 300 فرصة عمل. وتقول مصادر رسمية في البقاع إن الدراسة «ما زالت سجينة أدراج غرفة التجارة والصناعة في زحلة».
ويقول أحمد صبحي جعفر، الذي شارك بالتجارب مع الجهة الدولية التي اختبرت الزراعة في المنطقة، إنه «يؤيد تشريع الحشيشة بشرط أن تلتزم الدولة بالموضوع وتعمل على ضبطه، وتنفذ ما اتفق عليه بغرفة الزراعة والصناعة في زحلة»، لافتا إلى أن «التجربة التي قمنا بها منذ 5 سنوات أثبتت أن نبتة الحشيشة يمكن أن تستخرج منها 45 نوعا من الدواء، ما عدا الورق والزيت والعطور، وإذا ما أحسن استخدامها وتصنيعها بمراقبة جيدة فهي أفضل من البترول». ويضيف: «يمكن أن يستفاد منها، إذا ما تقنّنت بعيدا عن السياسة، وتسلمت الحكومة والأمم المتحدة الأرض واستخدمتها وأشرفت على زراعتها».
وفي هذا الوقت، حتى إقرار القانون أو رفضه، فإن معظم المساحات الخضراء من سهل المنطقة مزروعة بالحشيشة، ولم يبقَ كثير لقطافه، إذ سيُجمع المحصول المزروع بطرق غير شرعية، خلال أقل من شهر، وستذهب معظم عائداته إلى تجار المخدرات.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.