الحرب التجارية الأميركية - الصينية: مزيد من التصعيد قبل «الصلح»

وزير الخارجية الصيني وانغ يي في سنغافورة (أ. ف. ب)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي في سنغافورة (أ. ف. ب)
TT

الحرب التجارية الأميركية - الصينية: مزيد من التصعيد قبل «الصلح»

وزير الخارجية الصيني وانغ يي في سنغافورة (أ. ف. ب)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي في سنغافورة (أ. ف. ب)

لا يبدو أن في الأفق ما يشير إلى أن الحرب بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم في طريقها إلى التراجع تمهيداً لإنهائها، بل على العكس تتوالى التطورات التي تؤكد أن الحرب تتجه إلى التصعيد بخطوة أميركية من هنا وخطوة صينية من هناك، وصولاً إلى ذروة ما لم تتضح معالمها بعد.
واليوم السبت، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن تهديد بلاده بفرض رسوم جمركية جديدة على بضائع أميركية بقيمة 60 مليار دولار "مبرر تماما" و"ضروري". ويأتي ذلك بعدما أعلنت وزارة المال الصينية أمس الجمعة استعدادها لاتخاذ خطوة كهذه ردا على تشدّد واشنطن التي هددت أخيراً بزيادة الرسوم الجمركية على 200 مليار دولار من البضائع الصينية المستوردة من 10 إلى 25 في المائة.
وقال وانغ يي على هامش منتدى "رابطة دول جنوب شرق آسيا" – آسيان - في سنغافورة إن هذه التدابير المضادة الجديدة "تُتخذ دفاعا عن مصالح الشعب الصيني". وأضاف أنها ترمي أيضا إلى تعزيز "نظام التبادل الحر العالمي" الذي تدعمه منظمة التجارة العالمية.
ورد وانغ على تصريحات المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كادلو الذي أعلن أمس أن "اقتصاد الصين في تراجع والمستثمرين يهربون وعملتها تتدهور". وقال وانغ: "في ما يخص معرفة ما إذا كان الاقتصاد الصيني في حالة جيدة، أعتقد أن هذا واضح تماما بنظر المجتمع الدولي بأسره"، لافتاً إلى مساهمة الصين الهائلة في النمو الاقتصادي العالمي. وختم: "لا أرى ما الذي يمكن أن يجعله – كادلو - يستنتج أن الاقتصاد الصيني ليس على ما يرام".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أطلق في 6 يوليو (تموز) الماضي الرصاصة الأولى في الحرب التجارية عندما أمر بتنفيذ فرض رسوم جمركية نسبتها 25 في المائة على بضائع صينية تبلغ قيمتها 34 مليار دولار. وردت الصين على ذلك بفرض نسبة مماثلة على 545 منتجاً أميركياً، تبلغ قيمتها هي الأخرى 34 مليار دولار، قبل أن تتهم الولايات المتحدة ببدء "أكبر حرب تجارية في التاريخ الاقتصادي".
وأتت تلك الخطوة الأميركية تنفيذاً لأمر أصدره ترمب أوائل هذا العام بفرض رسوم جمركية على ما قيمته 50 مليار دولار من البضائع الصينية، على مراحل، بهدف وقف "نقل التكنولوجيا الأميركية غير العادل، وحقوق الملكية الفكرية إلى الصين" وحماية الوظائف.
المهم أن هذه الحرب ترمي مستقبل الاقتصاد العالمي في حلقة من الغموض، خصوصاً أن أوراق طرفَي الحرب المخفية قد تكون أكثر وأشد فعالية من تلك الظاهرة. ولا بدّ أن يكون لهذه الحرب تداعيات على الأسواق العالمية قد تصل إلى التسبب بركود شبيه بركود ثلاثينات القرن العشرين الذي كان بلا شك من مسببات الحرب العالمية الثانية.
وتجدر الإشارة إلى أن ترمب وقّع في 22 مارس (آذار) مذكرة تنفيذية لفرض الرسوم الجمركية، وكشف يومها أنه طلب من الرئيس الصيني خفض العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين بمقدار مئة مليار دولار فورا، علماً أن هذا العجز بلغ 375 مليار دولار عام 2017، وأكثر من 185 ملياراً بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. ولاحقاً لوّح ترمب باحتمال زيادة كمية البضائع الخاضعة لرفع الرسوم إلى ما قيمته أكثر من 500 مليار دولار.
وفي تعليق بثه التلفزيون الرسمي الصيني اليوم، أكدت بكين أن "الضغط الشديد وابتزاز البيت الابيض واضحان بالفعل للمجتمع الدولي. لكن هذه الأساليب من الابتزاز لن تؤتي ثمارها ضد الصين".
والسؤال الذي يجدر طرحه هو ما سبب اختلال الميزان التجاري بين الجانبين؟
الجواب بسيط وواضح، ويشمل عاملين رئيسيين: الأول أن اليد العاملة الصينية أقل كلفة من الأميركية، وبالتالي لا مجال للمقارنة بين كلفة الإنتاج في الصين ومثيلتها في الولايات المتحدة، والثاني أن سعر صرف اليوان ثابت جزئياً حيال الدولار، لأن الصين تشاء ذلك، وكلما تعرضت العملة الأميركية لضغوط تعمد بكين إلى شراء سندات خزينة أميركية دعماً للدولار، بحيث تبقى السلع الصينية أدنى سعراً من السلع الأميركية وتحتفظ بالتالي بميزتها التفضيلية.
ولفرط ما اشترت الصين من سندات الخزينة الأميركية صارت أكبر مقرض لحكومة الولايات المتحدة متخطية اليابان. وفي مايو (أيار) وصل دين الولايات المتحدة للصين إلى 1.18 تريليون دولار. وهذا يمثل 19 في المائة من مجموع الدين الاميركي العام المستحق لبلدان أجنبية.
وهنا يسأل محللون ماذا سيحدث إذا بدأ الصينيون بيع السندات الأميركية، وكذلك ماذا سيحصل إذا توقفوا عن شراء هذه السندات. فمن خلال شراء السندات، تساعد الصين على إبقاء أسعار الفائدة الأميركية منخفضة. وذا توقفت عن الشراء سترتفع حكماً أسعار الفائدة فيهتز الاقتصاد الأميركي من جهة، والاقتصاد الصيني من جهة أخرى لأن القوة الشرائية للمستهلك الأميركي الذي يشتري الكثير من المنتجات الصينية ستتراجع.
حيال واقع الخلل في الميزان التجاري، لم يجد دونالد ترمب من حل سوى فرض تدابير تقليدية تتلخص في رفع الرسوم الجمركية على سلع صينية حمايةً للمنتجات الأميركية، لكن الشركات الصناعية الأميركية لن تستطيع رغم ذلك المنافسة ولن تنقذها هذه الإجراءات الحمائية من احتمال الإفلاس.
الحرب مستمرة، إذاً، وفي تصاعد. لكنْ لا بد لها من نهاية قد تبدأ بهدنة يجري التوصل إليها عبر التفاوض. أما التسوية النهائية فلا بد لتحقيقها من أن تعمد كل من الولايات المتحدة والصين إلى تغيير نظرتها إلى نفسها وأدائها الاقتصادي إلى الحد الذي تستطيع معه إيجاد أسواق جديدة.
وعلى سبيل المثال، حذّر تقرير للمؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم في يناير (كانون الثاني) من أن حصة البلاد العالمية في أنشطة العلوم والتقنية آخذة في الانخفاض. وأوصى بعدد من التدابير على رأسها زيادة الإنفاق الفدرالي على البحوث العلمية لكي تستعيد الولايات المتحدة موقعها الريادي في ابتكار منتجات تكنولوجية وعلمية ذات طابع حيوي، مما يرفد الاقتصاد بعائدات مالية كبيرة.
وعلى الجانب الصيني، يعاني الاقتصاد فرط تدخل الدولة وسوء توجيه للاستثمارات في الأبحاث. وفي هذا السياق كتب تشن كو كوينغ، الخبير الاقتصادي في الحزب الشيوعي، أن 2 في المائة فقط من براءات الاختراع الصادرة عن جامعات صينية عرفت طريقها الى الاستثمار الفعلي. ولفت إلى أن "القدرة الإجمالية للبلاد على الابتكار لا ترقى إلى مستوى القوى العلمية والتكنولوجية الأخرى"، معترفاً بأن " الكثير من الأبحاث فشل في إنتاج تقنيات مفيدة أو قابلة للتسويق".
اشتدّي أزمة تنفرجي... بتعبير آخر سنشهد مزيداً من الحماوة في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، قبل أن يقتنع الجانبان بضرورة التفاوض الفعلي والجدي للخروج بحل يجنّب الاقتصاد العالمي دورة جديدة من الركود.


مقالات ذات صلة

هوامش التكرير تحد مشتريات الصين من النفط الإيراني

الاقتصاد تشتري المصافي المستقلة الصغيرة الصينية 90في المائة من شحنات النفط الإيرانية (رويترز)

هوامش التكرير تحد مشتريات الصين من النفط الإيراني

قالت مصادر تجارية إن شركات التكرير المستقلة في الصين، وهي أهم مستوردي النفط الإيراني، تواصل شراء الخام الإيراني رغم الضغوط الأميركية الجديدة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن (رويترز)

واشنطن تعاقب 35 فرداً وكياناً لمساعدتهم إيران على التهرب من العقوبات

أعلنت الحكومة الأميركية، الثلاثاء، ‌فرض ​عقوبات ‌على ⁠35 ​كياناً وفرداً ⁠لدورهم في ⁠النظام المصرفي ‌الموازي ‌في ​إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن ‌)
العالم سفن وقوارب في مضيق هرمز... 24 أبريل 2026 (رويترز)

يخت روسي عبَر مضيق هرمز

أظهرت بيانات شحن أن يختاً فاخراً مرتبطاً بالملياردير الروسي ألكسي مورداشوف الخاضع للعقوبات أبحر عبر مضيق هرمز يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

انتقد الديمقراطيون رفع العقوبات على النفط الإيراني والروسي، وطالبوا الإدارة بتوضيح استراتيجيتها الاقتصادية.

آلان رابيبورت (واشنطن) أفرات ليفني (واشنطن)
الاقتصاد رجل عند مخرج مصفاة نفط صينية بمقاطعة شاندونغ (رويترز)

أميركا تفرض عقوبات على مصفاة صينية مستقلة بسبب شراء نفط إيراني

أعلنت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض عقوبات على مصفاة نفط مستقلة صغيرة في الصين لشرائها نفطاً إيرانياً بمليارات الدولارات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.