تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

أنقرة تشعر بأن هناك تفاهماً روسياً ـ أميركياً على تهميشها... والانفراد بالحلول

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا
TT

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تثير التطورات الأخيرة في سوريا، سواء على الصعيد الميداني أو صعيد التحركات السياسية والدبلوماسية المنصبة على الملف السوري، قلق تركيا بشأن ما حققت في شمال سوريا، وإمكانية إجبارها على مغادرة مناطق تمركزها هناك... أو فرض تسويات تجعلها تقبل بأقل من طموحاتها في المنطقة.
جاء أوضح تعبير عن حالة القلق التي تعتري تركيا اليوم من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي قال، إن «التطورات في تل رفعت أو منبج شمال البلاد لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب». وكان إردوغان قد بحث التطورات الأخيرة في سوريا، بالتفصيل، مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة دول «بريكس» التي عقدت الأسبوع الماضي في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا. وقال الرئيس التركي، إنه تناول مع بوتين المستجدات «الشائكة» في محافظة درعا جنوب سوريا، وملف إدلب في الشمال، مشيراً إلى إمكانية وقوع أحداث طارئة وغير متوقعة في هاتين المحافظتين... و«نحن نريد أن يكون الشعب السوري محمياً من الهجمات، وبخاصة تلك التي تنفذها بعض (المنظمات الشرسة)، وسنعمل على تأمين هذه الحماية من خلال التباحث حول هذه القضايا». وتناول إردوغان مع بوتين أيضاً ملف منطقة تل رفعت بريف محافظة حلب السورية، ووجود عناصر من الميليشيات الكردية فيها، لافتاً إلى أن التطورات في تل رفعت ومنبج لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب، وأن عفرين وجرابلس والباب، هي المناطق الوحيدة في سوريا التي تتطور فيها الأمور في الاتجاه المطلوب. وللعلم، تقع هذه المناطق ضمن سيطرة فصائل الجيش السوري الحر والجيش التركي، في أعقاب عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات» اللتين نفذهما الجيش التركي بدعم من الجيش الحر، وأصبحت مرتبطة إدارياً بالولايات التركية الجنوبية، مثل غازي عنتاب وكيليس وهطاي. وأعلن إردوغان، أنه تم الاتفاق على عقد «قمة رباعية» تركية - روسية - ألمانية - فرنسية في إسطنبول في 7 سبتمبر (أيلول) المقبل لبحث التطورات في سوريا.

تشعر تركيا راهناً بقلق كبير من تصاعد الحديث عن تخطيط النظام السوري للبدء في عمل عسكري في محافظة إدلب بعد الانتهاء من ملف الجنوب. وهذا أمر سبق أن حذّرت أنقرة منه وطالبت روسيا بالوفاء بالتزاماتها، كـ«دولة ضامنة» لاتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي تم التوصل إليه في مباحثات آستانة، ومنع نظام الأسد من الإقدام على مثل هذه الخطوة.
وكشفت مصادر إعلامية قريبة من الحكومة التركية عن أن أنقرة قدمت «ورقة بيضاء» لموسكو بشأن الحل النهائي في «منطقة خفض التصعيد الرابعة» التي تضم قرى تمتد من اللاذقية وحماة وحلب، ومعظم ريف إدلب ومدينة إدلب، تزامناً مع تطبيق بنود مفاوضات بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين التي أسفرت عن فك الحصار الخانق الذي استمر لسنوات، وتتضمن إعادة التيار الكهربائي والمياه وعودة المرافق الحياتية والخدمية وفتح طريق حلب – دمشق، وإزالة السواتر والحواجز من منطقة دارة عزة نحو حلب الجديدة.
كذلك، شرعت تركيا، حسب صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة في خطة لإنشاء شبكة «طرق سريعة» في الشمال السوري؛ بهدف فتح المنطقة أمام المستثمرين وتحويل المنطقة إلى مركز تجاري. وقالت، إنه من بين جملة الاستثمارات التركية الرامية للنهوض بالشمال السوري، يجري العمل على شبكة «طرق سريعة» تربط مدن وبلدات ريفي محافظة حلب الشمالي والشرقي. وأضافت أنه سيصار إلى شق «طريق سريعة» تمتد من معبر تشوبان باي الحدودي المقابل لمعبر الراعي في سوريا، إلى مركز بلدة الراعي في شمال شرقي حلب، وأن الطريق ستكون جزءاً من شبكة طرق ستمتد من الراعي إلى مدينة الباب، ومن الراعي حتى جرابلس وصولاً إلى مدينة منبج.
وأشارت الصحيفة، في الوقت ذاته، إلى استمرار المفاوضات بين تركيا وروسيا بشأن حلب، منوّهة بوجود مخطط مشترك بين كل من تركيا، وروسيا، وإيران لإعادة إعمار المدينة المدمرة بالكامل وعودة سكانها إليها، وأيضاً وجود مخطط لتحويل منطقة تبلغ 30 كيلومتراً تمتد من حدود تركيا لتشمل حدود حلب ومنبج، إلى «منطقة آمنة»، بحيث تتحول المنطقة إلى مركز تجاري بعد استتباب الأمن فيها. وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أن تركيا ستواصل التنسيق مع موسكو وطهران بشأن الوضع في الشمال السوري.

- خطوات على الأرض
من ناحية ثانية، دعت تركيا جميع الفصائل والهيئات والتجمعات في شمال سوريا وأهمها «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) و«حكومة الإنقاذ» و«الائتلاف الوطني السوري» و«الحكومة المؤقتة»، وباقي الفصائل إلى مؤتمر عام يعقد خلال أسبوعين لمناقشة مستقبل منطقة إدلب على ضوء التطورات الأخيرة في الجنوب السوري، وفي كفريا والفوعة بمحافظة إدلب. ومن المتوقع، حسب ما رشح من معلومات، أن تطلب تركيا من الجميع تسليمها السلاح الثقيل والمتوسط لتتولى جمعه وتخزينه لديها، ومن ثم يُعلَن عن تأسيس ما يسمى «الجيش الوطني» من جميع الفصائل المسلحة، وتأسيس «هيئة موحّدة» للكيانات غير العسكرية تنفذ مهاماً مدنية وخدمية بإشراف تركيا وإدارتها.
وبدأ الجيش التركي، بالفعل، تعزيز نقاط المراقبة التي نشرها في إدلب بكتل إسمنتية وسط جدل متصاعد حول مستقبل المحافظة الواقعة في شمال سوريا والمشمولة باتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي أمكن التوصل إليه خلال مباحثات آستانة بضمان كل من تركيا، وروسيا، وإيران. وحالياً، تواصل تركيا تعزيز نقاط المراقبة التي نشرتها سواء بالآليات العسكرية، أو أبراج الاتصالات ثم الجدران الإسمنتية، فضلاً عن إنشاء نقاط إسعاف شبيهة بالمستشفيات الميدانية.
كذلك، أعلنت تركيا مناطق الحدود مع سوريا «مناطق أمنية» يحظر الدخول إليها حتى اليوم 4 أغسطس (آب)؛ بسبب إرسال تعزيزات عسكرية إلى هذه المناطق واستمرار العمليات العسكرية فيها، وذلك بعدما أعرب الرئيس إردوغان عن قلقه من استهداف المدنيين في إدلب. وكان الرئيس التركي قد أكد في اتصال مع نظيره الروسي بوتين، أن «تقدم قوات النظام نحوها بطريقة مماثلة لما حدث في درعا يعني تدمير جوهر اتفاق آستانة».

- تهميش تركيا... وتداعياته
الحقيقة، أن المخاوف التركية أخذت تتصاعد بعدما ظهرت مؤشرات على تنسيق روسي - أميركي في سوريا عقب قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي.
وبحسب المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان «يبدو أن هناك تفاهمات روسية - أميركية طرأت خلال قمة هلسنكي الأخيرة بشأن الخطوط العريضة لملف تسوية الأزمة السورية، وذلك في ظل اتفاق أوسع على خريطة طريق جديدة لتشكيل توازنات إقليمية جديدة، وتحديد القوى المؤثرة في التعامل مع ملفات المنطقة في الفترة المقبلة». كذلك، ذهب مراقبون ومحللون إلى حد القول، إن خريطة سوريا السياسية والدستورية الجديدة، وعمليات إعادة الإعمار ووقف إطلاق النار وعودة اللاجئين، باتت كلها مسائل تختص بها موسكو وواشنطن؛ ما يعني عملياً إبعاد دور تركيا وإيران في المعادلة السورية أو تهميشهما.
ويرى بعض المحللين أن أنقرة، التي لن تستطيع التأثير في القرار الأميركي بسبب التوتر الشديد في العلاقات حالياً على خلفية قضية القس الأميركي أندرو برنسون وصفقة صواريخ «إس – 400» الروسية، ستضطر إلى التوجه إلى بدائل لواشنطن. وبالتالي، سيكون التحرك باتجاه التنسيق مع طهران وأطراف أخرى مثل فرنسا وألمانيا... إضافة إلى الحفاظ على قوة الدفع الحالية في العلاقات مع موسكو. لكن حتى هذه العلاقات، التي تحسّنت مع موسكو بشكل كبير في العامين الأخيرين، باتت هي الأخرى تحت تأثير مستجدات سلبية منها اللقاءات الروسية - الإسرائيلية والروسية - الإيرانية قبل قمة هلسنكي، واحتمالات وجود صفقة تفرض على تركيا في الشمال الشرقي والغربي من سوريا؛ بما يتعارض مع حسابات أنقرة وتفاهماتها مع واشنطن وموسكو بشأن الملف السوري. ثم هناك مشكلة أخرى لتركيا تتمثل في تمسك واشنطن بتحالفها مع ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) - ذات الغالبية الكردية - رغم التفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن منبج. ومن وجهة نظر المحللين، فإن القيادة التركية سترفض حتماً أي نقاش مشابه لوضع منبج في منطقة شرق الفرات أو شرق سوريا، حيث تعتبر أن المسألة تتعلق بالتفاهمات الأميركية الروسية مباشرة.

- مشاعر قلق جدية
هذا، ويلفت مراد يتكين، الكاتب الصحافي المختص بالشؤون الخارجية ورئيس تحرير النسخة الإنجليزية لصحيفة «حريت» التركية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط» إلى الاجتماعات المتتالية بين النظام السوري وممثلي «قسد» دون أي شروط مسبقة، موضحاً أنها «تقلق أنقرة، ولا سيما، لجهة أنها قد تكون بتوصية أميركية - روسية للطرفين لحسم خلافاتهما في الشمال الشرقي وشرق سوريا». وكانت «قسد» - التي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري - قد أبدت استعدادها للتوقف عن المطالبة بالنظام الفيدرالي والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي؛ الأمر الذي قد يخدم قضية استعادة سوريا وحدتها وسيادتها على كل ترابها الوطني.
من ناحية ثانية، يرى المحلل السياسي التركي سعادات أرجين «أن الخطة الروسية - الأميركية التي بدأت تتضح معالمها في اجتماع سوتشي، الثلاثاء الماضي، للدول الضامنة في آستانة (روسيا وتركيا وإيران) تقوم توحيد مسارات الحلول والقرارات بشأن سوريا (جنيف وآستانة وسوتشي) ضمن تفاهم أميركي - روسي للتوافق على شكل الحل السياسي والدستوري في سوريا. وهو ما يثير قلق تركيا من احتمالات إبعادها وطهران عن أي مسارات للحل مستقبلاً».

- طمأنة روسية لإسرائيل
وفي تأكيد واضح لهذه المخاوف من جانب أنقرة، «وفي حين بعثت موسكو برسائل طمأنة إضافية إلى إسرائيل بأن إيران وميليشياتها لن تكون موجودة في الجولان بجنوب غربي سوريا، فإنها (أي موسكو) طالبت تركيا بالقضاء على وجود (جبهة النصرة) في محافظة إدلب»؛ ما اعتبره مراد يتكين «ضغطاً روسياً صريحاً على تركيا وإحراجاً لها».
كما يبدو، فإن الأطراف الثلاثة الضامنة لمسار آستانة أخفقت في ختام اجتماعها الأخير في منتجع سوتشي الروسي، الثلاثاء الماضي، في تقريب وجهات النظر حول الملفات الأساسية التي طرحت للنقاش، وحال التباين الواسع حول الوضع في إدلب دون الاتفاق على خطوات مشتركة للتحرك في البيان الختامي الذي تجاهل الوضع في هذه المحافظة الحدودية السورية المتاخمة لتركيا. وأكد المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف بعد الاجتماع «ضرورة قطع دابر المجموعات الإرهابية في إدلب، وفي مقدمتها (جبهة النصرة)». وأضاف «لقد دعَونا المعارضة المعتدلة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الأتراك لحل هذه المشكلة».

- تحركات تركية
في هذه الأثناء، ورغم القلق، كشفت تركيا عن نيتها مواصلة عملياتها ووجودها العسكري في شمال سوريا لـ«تحويل المناطق التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية إلى مناطق آمنة». وذكرت وكالة أنباء «الأناضول» الرسمية، أن 3 فصائل عسكرية تابعة للجيش السوري الحر انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، ليشكلوا بذلك أكبر كيان عسكري معارض للنظام في محافظتي حماة (وسط)، وإدلب شمال غربي سوريا قوامه قرابة 100 ألف مقاتل.
وأفادت مصادر في المعارضة السورية بأن فصائل «جبهة تحرير سوريا»، و«جيش الأحرار»، و«صقور الشام» انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، التابعة للجيش السوري الحر، في خطوة من جانب تركيا لتثبيت وضعها في محافظة إدلب وتشكيل جيش وطني لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها «النصرة»، حسب اتفاق سابق مع موسكو على أن تتولى تركيا إخراج «النصرة» من منطقة حلب.
وقالت المصادر لـ«الأناضول»، إن الهدف من انضمام الفصائل المذكورة إلى «الجبهة» هو توحيد فصائل الجيش السوري الحر تحت سقف واحد. وراهناً، تواصل «الجبهة الوطنية للتحرير» أنشطتها بقيادة القائد الحالي للجبهة فضل الله الحجي.
هذا، وسبق أن انضمت فصائل «فيلق الشام»، و«جيش النصر» و«جيش إدلب الحر»، و«الفرقة الساحلية الأولى»، و«الفرقة الساحلية الثانية»، و«الفرقة الأولى»، و«الجيش الثاني»، و«جيش النخبة»، و«شهداء داريا الإسلام»، و«لواء الحرية»، و«الفرقة 23»، إلى «الجبهة» أواخر مايو (أيار) الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد مشاورات استمرت لأيام في العاصمة التركية أنقرة بين قيادات في المعارضة السورية ومسؤولين أتراك.
ورأى مراقبون، أن التحرك التركي استهدف تجنب الحرب على إدلب، بالإضافة إلى وضع جميع الفصائل تحت سيطرتها لتجنب الفوضى، ولا سيما، أن جميع المؤشرات تشير إلى أن الوجهة المقبلة من المعارك ستتجه إلى الشمال السوري... وخصوصاً محافظة إدلب، التي باتت وجهة لجميع الفصائل التي تدعمها تركيا، على اختلاف آيديولوجيتها.
وتراوح تصريحات المسؤولين الأتراك الآن بين التحذير والطمأنة، إضافة إلى الاستمرار في إرسال تعزيزات عسكرية إلى نقاط المراقبة التي أنشأتها في إدلب، وتحصين مواقعها، مع مطالبة واشنطن بألا تماطل في تنفيذ «خريطة الطريق» في منبج.
ووفق المحلل السياسي أرجين «تستهدف التحركات التركية إبعاد أزمة جديدة يمكن أن تواجه أنقرة بسبب الهجوم على إدلب؛ لأن تركيا التي استقبلت 3.5 مليون لاجئ، لن تستطيع تحمل استضافة 3 ملايين لاجئ آخرين في حال هجوم الأسد وحلفائه على إدلب».
ولفت المحلل التركي إلى الرسالة المبطنة للجيش التركي الموجهة إلى النظام بأن قواته المنوط بها حفظ الأمن في إدلب لن تسمح بالهجوم المحتمل على المحافظة. وهو ما يعني أن مواجهة ما قد تحدث إذا ما أقدم نظام الأسد على هذا الهجوم، لكن المعروف أن النظام لا يخطو خطوة إلا بمراجعة إيران وروسيا، وكلاهما الآن عرضة للعقوبات الأميركية التي ترفض تركيا تطبيقها.
أما يتكين فيتوقف عند اتصالات الرئيس التركي بالرئيس الروسي ولقائه معه في جوهانسبرغ، وأيضا اللقاء الرباعي التركي – الروسي – الفرنسي - الألماني المرتقب، الذي توقعت مصادر دبلوماسية أن يعقد على مستوى وزراء الخارجية، ويرى أن كل ذلك «محاولة أو مناورة من جانب أنقرة للخروج من فخ، ربما تسعى بعض الأطراف لدفعها إلى الوقوع فيه. ومن ثم، الحفاظ على التنسيق التركي - الروسي - الإيراني لمنع أي تطورات سلبية في الشمال السوري المتاخم للحدود التركية».

- أربعة خيارات... أمام تركيا
يتداول محللون سياسيون أتراك حالياً أربعة خيارات أو «سيناريوهات» يمكن لأنقرة اللجوء إليها أو حتى الاضطرار إلى القبول بها.
يتمثل الخيار الأول في الانسحاب التركي الجزئي من محافظة إدلب، والإبقاء على الوجود العسكري في بعض المناطق الحدودية.
والخيار الثاني يتمثل في الانسحاب الكامل حتى المناطق الحدودية التي تُنشئ فيها تركيا قواعد عسكرية كبيرة، والسيطرة غير المباشرة على بعض المناطق المحاذية لأراضيها من خلال إنشاء مجالس محلية من الفصائل السورية - بما في ذلك «جبهة النصرة» - . ومن ثم، التوافق مع روسيا بإشراك المجالس بأي تسوية سياسية قادمة، أو اتباع توظيف فصائل لاستهداف النظام؛ وهو ما سيؤدي إلى أن تواجه روسيا تحدياً طويل الأمد في سوريا... تسعى للتخلص منه.
والخيار الثالث قد يكون الانسحاب الكامل والاعتماد على الضمانات الروسية لمنع أي تحرك كردي، كما حصل بالفعل في الجنوب.
والخيار الرابع، والأخير، قد يكون تبادل الأراضي، عبر منح تركيا أراضي في شمال شرقي سوريا، كمنطقة تل أبيض وبعض مناطق محافظة الرقة مقابل ترك إدلب. غير أن هذا الخيار سيضعها تحت رحمة موجات نزوح جديدة بالملايين.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.