تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

أنقرة تشعر بأن هناك تفاهماً روسياً ـ أميركياً على تهميشها... والانفراد بالحلول

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا
TT

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تثير التطورات الأخيرة في سوريا، سواء على الصعيد الميداني أو صعيد التحركات السياسية والدبلوماسية المنصبة على الملف السوري، قلق تركيا بشأن ما حققت في شمال سوريا، وإمكانية إجبارها على مغادرة مناطق تمركزها هناك... أو فرض تسويات تجعلها تقبل بأقل من طموحاتها في المنطقة.
جاء أوضح تعبير عن حالة القلق التي تعتري تركيا اليوم من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي قال، إن «التطورات في تل رفعت أو منبج شمال البلاد لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب». وكان إردوغان قد بحث التطورات الأخيرة في سوريا، بالتفصيل، مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة دول «بريكس» التي عقدت الأسبوع الماضي في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا. وقال الرئيس التركي، إنه تناول مع بوتين المستجدات «الشائكة» في محافظة درعا جنوب سوريا، وملف إدلب في الشمال، مشيراً إلى إمكانية وقوع أحداث طارئة وغير متوقعة في هاتين المحافظتين... و«نحن نريد أن يكون الشعب السوري محمياً من الهجمات، وبخاصة تلك التي تنفذها بعض (المنظمات الشرسة)، وسنعمل على تأمين هذه الحماية من خلال التباحث حول هذه القضايا». وتناول إردوغان مع بوتين أيضاً ملف منطقة تل رفعت بريف محافظة حلب السورية، ووجود عناصر من الميليشيات الكردية فيها، لافتاً إلى أن التطورات في تل رفعت ومنبج لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب، وأن عفرين وجرابلس والباب، هي المناطق الوحيدة في سوريا التي تتطور فيها الأمور في الاتجاه المطلوب. وللعلم، تقع هذه المناطق ضمن سيطرة فصائل الجيش السوري الحر والجيش التركي، في أعقاب عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات» اللتين نفذهما الجيش التركي بدعم من الجيش الحر، وأصبحت مرتبطة إدارياً بالولايات التركية الجنوبية، مثل غازي عنتاب وكيليس وهطاي. وأعلن إردوغان، أنه تم الاتفاق على عقد «قمة رباعية» تركية - روسية - ألمانية - فرنسية في إسطنبول في 7 سبتمبر (أيلول) المقبل لبحث التطورات في سوريا.

تشعر تركيا راهناً بقلق كبير من تصاعد الحديث عن تخطيط النظام السوري للبدء في عمل عسكري في محافظة إدلب بعد الانتهاء من ملف الجنوب. وهذا أمر سبق أن حذّرت أنقرة منه وطالبت روسيا بالوفاء بالتزاماتها، كـ«دولة ضامنة» لاتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي تم التوصل إليه في مباحثات آستانة، ومنع نظام الأسد من الإقدام على مثل هذه الخطوة.
وكشفت مصادر إعلامية قريبة من الحكومة التركية عن أن أنقرة قدمت «ورقة بيضاء» لموسكو بشأن الحل النهائي في «منطقة خفض التصعيد الرابعة» التي تضم قرى تمتد من اللاذقية وحماة وحلب، ومعظم ريف إدلب ومدينة إدلب، تزامناً مع تطبيق بنود مفاوضات بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين التي أسفرت عن فك الحصار الخانق الذي استمر لسنوات، وتتضمن إعادة التيار الكهربائي والمياه وعودة المرافق الحياتية والخدمية وفتح طريق حلب – دمشق، وإزالة السواتر والحواجز من منطقة دارة عزة نحو حلب الجديدة.
كذلك، شرعت تركيا، حسب صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة في خطة لإنشاء شبكة «طرق سريعة» في الشمال السوري؛ بهدف فتح المنطقة أمام المستثمرين وتحويل المنطقة إلى مركز تجاري. وقالت، إنه من بين جملة الاستثمارات التركية الرامية للنهوض بالشمال السوري، يجري العمل على شبكة «طرق سريعة» تربط مدن وبلدات ريفي محافظة حلب الشمالي والشرقي. وأضافت أنه سيصار إلى شق «طريق سريعة» تمتد من معبر تشوبان باي الحدودي المقابل لمعبر الراعي في سوريا، إلى مركز بلدة الراعي في شمال شرقي حلب، وأن الطريق ستكون جزءاً من شبكة طرق ستمتد من الراعي إلى مدينة الباب، ومن الراعي حتى جرابلس وصولاً إلى مدينة منبج.
وأشارت الصحيفة، في الوقت ذاته، إلى استمرار المفاوضات بين تركيا وروسيا بشأن حلب، منوّهة بوجود مخطط مشترك بين كل من تركيا، وروسيا، وإيران لإعادة إعمار المدينة المدمرة بالكامل وعودة سكانها إليها، وأيضاً وجود مخطط لتحويل منطقة تبلغ 30 كيلومتراً تمتد من حدود تركيا لتشمل حدود حلب ومنبج، إلى «منطقة آمنة»، بحيث تتحول المنطقة إلى مركز تجاري بعد استتباب الأمن فيها. وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أن تركيا ستواصل التنسيق مع موسكو وطهران بشأن الوضع في الشمال السوري.

- خطوات على الأرض
من ناحية ثانية، دعت تركيا جميع الفصائل والهيئات والتجمعات في شمال سوريا وأهمها «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) و«حكومة الإنقاذ» و«الائتلاف الوطني السوري» و«الحكومة المؤقتة»، وباقي الفصائل إلى مؤتمر عام يعقد خلال أسبوعين لمناقشة مستقبل منطقة إدلب على ضوء التطورات الأخيرة في الجنوب السوري، وفي كفريا والفوعة بمحافظة إدلب. ومن المتوقع، حسب ما رشح من معلومات، أن تطلب تركيا من الجميع تسليمها السلاح الثقيل والمتوسط لتتولى جمعه وتخزينه لديها، ومن ثم يُعلَن عن تأسيس ما يسمى «الجيش الوطني» من جميع الفصائل المسلحة، وتأسيس «هيئة موحّدة» للكيانات غير العسكرية تنفذ مهاماً مدنية وخدمية بإشراف تركيا وإدارتها.
وبدأ الجيش التركي، بالفعل، تعزيز نقاط المراقبة التي نشرها في إدلب بكتل إسمنتية وسط جدل متصاعد حول مستقبل المحافظة الواقعة في شمال سوريا والمشمولة باتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي أمكن التوصل إليه خلال مباحثات آستانة بضمان كل من تركيا، وروسيا، وإيران. وحالياً، تواصل تركيا تعزيز نقاط المراقبة التي نشرتها سواء بالآليات العسكرية، أو أبراج الاتصالات ثم الجدران الإسمنتية، فضلاً عن إنشاء نقاط إسعاف شبيهة بالمستشفيات الميدانية.
كذلك، أعلنت تركيا مناطق الحدود مع سوريا «مناطق أمنية» يحظر الدخول إليها حتى اليوم 4 أغسطس (آب)؛ بسبب إرسال تعزيزات عسكرية إلى هذه المناطق واستمرار العمليات العسكرية فيها، وذلك بعدما أعرب الرئيس إردوغان عن قلقه من استهداف المدنيين في إدلب. وكان الرئيس التركي قد أكد في اتصال مع نظيره الروسي بوتين، أن «تقدم قوات النظام نحوها بطريقة مماثلة لما حدث في درعا يعني تدمير جوهر اتفاق آستانة».

- تهميش تركيا... وتداعياته
الحقيقة، أن المخاوف التركية أخذت تتصاعد بعدما ظهرت مؤشرات على تنسيق روسي - أميركي في سوريا عقب قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي.
وبحسب المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان «يبدو أن هناك تفاهمات روسية - أميركية طرأت خلال قمة هلسنكي الأخيرة بشأن الخطوط العريضة لملف تسوية الأزمة السورية، وذلك في ظل اتفاق أوسع على خريطة طريق جديدة لتشكيل توازنات إقليمية جديدة، وتحديد القوى المؤثرة في التعامل مع ملفات المنطقة في الفترة المقبلة». كذلك، ذهب مراقبون ومحللون إلى حد القول، إن خريطة سوريا السياسية والدستورية الجديدة، وعمليات إعادة الإعمار ووقف إطلاق النار وعودة اللاجئين، باتت كلها مسائل تختص بها موسكو وواشنطن؛ ما يعني عملياً إبعاد دور تركيا وإيران في المعادلة السورية أو تهميشهما.
ويرى بعض المحللين أن أنقرة، التي لن تستطيع التأثير في القرار الأميركي بسبب التوتر الشديد في العلاقات حالياً على خلفية قضية القس الأميركي أندرو برنسون وصفقة صواريخ «إس – 400» الروسية، ستضطر إلى التوجه إلى بدائل لواشنطن. وبالتالي، سيكون التحرك باتجاه التنسيق مع طهران وأطراف أخرى مثل فرنسا وألمانيا... إضافة إلى الحفاظ على قوة الدفع الحالية في العلاقات مع موسكو. لكن حتى هذه العلاقات، التي تحسّنت مع موسكو بشكل كبير في العامين الأخيرين، باتت هي الأخرى تحت تأثير مستجدات سلبية منها اللقاءات الروسية - الإسرائيلية والروسية - الإيرانية قبل قمة هلسنكي، واحتمالات وجود صفقة تفرض على تركيا في الشمال الشرقي والغربي من سوريا؛ بما يتعارض مع حسابات أنقرة وتفاهماتها مع واشنطن وموسكو بشأن الملف السوري. ثم هناك مشكلة أخرى لتركيا تتمثل في تمسك واشنطن بتحالفها مع ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) - ذات الغالبية الكردية - رغم التفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن منبج. ومن وجهة نظر المحللين، فإن القيادة التركية سترفض حتماً أي نقاش مشابه لوضع منبج في منطقة شرق الفرات أو شرق سوريا، حيث تعتبر أن المسألة تتعلق بالتفاهمات الأميركية الروسية مباشرة.

- مشاعر قلق جدية
هذا، ويلفت مراد يتكين، الكاتب الصحافي المختص بالشؤون الخارجية ورئيس تحرير النسخة الإنجليزية لصحيفة «حريت» التركية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط» إلى الاجتماعات المتتالية بين النظام السوري وممثلي «قسد» دون أي شروط مسبقة، موضحاً أنها «تقلق أنقرة، ولا سيما، لجهة أنها قد تكون بتوصية أميركية - روسية للطرفين لحسم خلافاتهما في الشمال الشرقي وشرق سوريا». وكانت «قسد» - التي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري - قد أبدت استعدادها للتوقف عن المطالبة بالنظام الفيدرالي والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي؛ الأمر الذي قد يخدم قضية استعادة سوريا وحدتها وسيادتها على كل ترابها الوطني.
من ناحية ثانية، يرى المحلل السياسي التركي سعادات أرجين «أن الخطة الروسية - الأميركية التي بدأت تتضح معالمها في اجتماع سوتشي، الثلاثاء الماضي، للدول الضامنة في آستانة (روسيا وتركيا وإيران) تقوم توحيد مسارات الحلول والقرارات بشأن سوريا (جنيف وآستانة وسوتشي) ضمن تفاهم أميركي - روسي للتوافق على شكل الحل السياسي والدستوري في سوريا. وهو ما يثير قلق تركيا من احتمالات إبعادها وطهران عن أي مسارات للحل مستقبلاً».

- طمأنة روسية لإسرائيل
وفي تأكيد واضح لهذه المخاوف من جانب أنقرة، «وفي حين بعثت موسكو برسائل طمأنة إضافية إلى إسرائيل بأن إيران وميليشياتها لن تكون موجودة في الجولان بجنوب غربي سوريا، فإنها (أي موسكو) طالبت تركيا بالقضاء على وجود (جبهة النصرة) في محافظة إدلب»؛ ما اعتبره مراد يتكين «ضغطاً روسياً صريحاً على تركيا وإحراجاً لها».
كما يبدو، فإن الأطراف الثلاثة الضامنة لمسار آستانة أخفقت في ختام اجتماعها الأخير في منتجع سوتشي الروسي، الثلاثاء الماضي، في تقريب وجهات النظر حول الملفات الأساسية التي طرحت للنقاش، وحال التباين الواسع حول الوضع في إدلب دون الاتفاق على خطوات مشتركة للتحرك في البيان الختامي الذي تجاهل الوضع في هذه المحافظة الحدودية السورية المتاخمة لتركيا. وأكد المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف بعد الاجتماع «ضرورة قطع دابر المجموعات الإرهابية في إدلب، وفي مقدمتها (جبهة النصرة)». وأضاف «لقد دعَونا المعارضة المعتدلة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الأتراك لحل هذه المشكلة».

- تحركات تركية
في هذه الأثناء، ورغم القلق، كشفت تركيا عن نيتها مواصلة عملياتها ووجودها العسكري في شمال سوريا لـ«تحويل المناطق التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية إلى مناطق آمنة». وذكرت وكالة أنباء «الأناضول» الرسمية، أن 3 فصائل عسكرية تابعة للجيش السوري الحر انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، ليشكلوا بذلك أكبر كيان عسكري معارض للنظام في محافظتي حماة (وسط)، وإدلب شمال غربي سوريا قوامه قرابة 100 ألف مقاتل.
وأفادت مصادر في المعارضة السورية بأن فصائل «جبهة تحرير سوريا»، و«جيش الأحرار»، و«صقور الشام» انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، التابعة للجيش السوري الحر، في خطوة من جانب تركيا لتثبيت وضعها في محافظة إدلب وتشكيل جيش وطني لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها «النصرة»، حسب اتفاق سابق مع موسكو على أن تتولى تركيا إخراج «النصرة» من منطقة حلب.
وقالت المصادر لـ«الأناضول»، إن الهدف من انضمام الفصائل المذكورة إلى «الجبهة» هو توحيد فصائل الجيش السوري الحر تحت سقف واحد. وراهناً، تواصل «الجبهة الوطنية للتحرير» أنشطتها بقيادة القائد الحالي للجبهة فضل الله الحجي.
هذا، وسبق أن انضمت فصائل «فيلق الشام»، و«جيش النصر» و«جيش إدلب الحر»، و«الفرقة الساحلية الأولى»، و«الفرقة الساحلية الثانية»، و«الفرقة الأولى»، و«الجيش الثاني»، و«جيش النخبة»، و«شهداء داريا الإسلام»، و«لواء الحرية»، و«الفرقة 23»، إلى «الجبهة» أواخر مايو (أيار) الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد مشاورات استمرت لأيام في العاصمة التركية أنقرة بين قيادات في المعارضة السورية ومسؤولين أتراك.
ورأى مراقبون، أن التحرك التركي استهدف تجنب الحرب على إدلب، بالإضافة إلى وضع جميع الفصائل تحت سيطرتها لتجنب الفوضى، ولا سيما، أن جميع المؤشرات تشير إلى أن الوجهة المقبلة من المعارك ستتجه إلى الشمال السوري... وخصوصاً محافظة إدلب، التي باتت وجهة لجميع الفصائل التي تدعمها تركيا، على اختلاف آيديولوجيتها.
وتراوح تصريحات المسؤولين الأتراك الآن بين التحذير والطمأنة، إضافة إلى الاستمرار في إرسال تعزيزات عسكرية إلى نقاط المراقبة التي أنشأتها في إدلب، وتحصين مواقعها، مع مطالبة واشنطن بألا تماطل في تنفيذ «خريطة الطريق» في منبج.
ووفق المحلل السياسي أرجين «تستهدف التحركات التركية إبعاد أزمة جديدة يمكن أن تواجه أنقرة بسبب الهجوم على إدلب؛ لأن تركيا التي استقبلت 3.5 مليون لاجئ، لن تستطيع تحمل استضافة 3 ملايين لاجئ آخرين في حال هجوم الأسد وحلفائه على إدلب».
ولفت المحلل التركي إلى الرسالة المبطنة للجيش التركي الموجهة إلى النظام بأن قواته المنوط بها حفظ الأمن في إدلب لن تسمح بالهجوم المحتمل على المحافظة. وهو ما يعني أن مواجهة ما قد تحدث إذا ما أقدم نظام الأسد على هذا الهجوم، لكن المعروف أن النظام لا يخطو خطوة إلا بمراجعة إيران وروسيا، وكلاهما الآن عرضة للعقوبات الأميركية التي ترفض تركيا تطبيقها.
أما يتكين فيتوقف عند اتصالات الرئيس التركي بالرئيس الروسي ولقائه معه في جوهانسبرغ، وأيضا اللقاء الرباعي التركي – الروسي – الفرنسي - الألماني المرتقب، الذي توقعت مصادر دبلوماسية أن يعقد على مستوى وزراء الخارجية، ويرى أن كل ذلك «محاولة أو مناورة من جانب أنقرة للخروج من فخ، ربما تسعى بعض الأطراف لدفعها إلى الوقوع فيه. ومن ثم، الحفاظ على التنسيق التركي - الروسي - الإيراني لمنع أي تطورات سلبية في الشمال السوري المتاخم للحدود التركية».

- أربعة خيارات... أمام تركيا
يتداول محللون سياسيون أتراك حالياً أربعة خيارات أو «سيناريوهات» يمكن لأنقرة اللجوء إليها أو حتى الاضطرار إلى القبول بها.
يتمثل الخيار الأول في الانسحاب التركي الجزئي من محافظة إدلب، والإبقاء على الوجود العسكري في بعض المناطق الحدودية.
والخيار الثاني يتمثل في الانسحاب الكامل حتى المناطق الحدودية التي تُنشئ فيها تركيا قواعد عسكرية كبيرة، والسيطرة غير المباشرة على بعض المناطق المحاذية لأراضيها من خلال إنشاء مجالس محلية من الفصائل السورية - بما في ذلك «جبهة النصرة» - . ومن ثم، التوافق مع روسيا بإشراك المجالس بأي تسوية سياسية قادمة، أو اتباع توظيف فصائل لاستهداف النظام؛ وهو ما سيؤدي إلى أن تواجه روسيا تحدياً طويل الأمد في سوريا... تسعى للتخلص منه.
والخيار الثالث قد يكون الانسحاب الكامل والاعتماد على الضمانات الروسية لمنع أي تحرك كردي، كما حصل بالفعل في الجنوب.
والخيار الرابع، والأخير، قد يكون تبادل الأراضي، عبر منح تركيا أراضي في شمال شرقي سوريا، كمنطقة تل أبيض وبعض مناطق محافظة الرقة مقابل ترك إدلب. غير أن هذا الخيار سيضعها تحت رحمة موجات نزوح جديدة بالملايين.


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.