تعيش المؤسسات الدستورية في لبنان شللاً شبه تام، منذ أن دخلت الحكومة مرحلة تصريف الأعمال مع انتهاء ولاية البرلمان السابق في الأول من يوليو (تموز) الماضي، وبدء ولاية البرلمان الحالي الذي انتخب أعضاؤه في السادس من مايو (أيار) الماضي، ومردّ هذا الشلل إلى عجز الحكومة المستقيلة عن عقد جلسات واتخاذ القرارات، لكنّ تعطّل الحكومة أو تعطيلها لا ينسحب على المجلس النيابي الذي يبقى سيّد نفسه، وقادراً على عقد جلسات عامة وإقرار القوانين، بموجب أحكام المادة 69 من الدستور، التي تجعله في دورة استثنائية، فور دخول الحكومة مرحلة تصريف الأعمال.
ورغم الهامش الدستوري الكبير الذي يمكّن البرلمان من العمل والتشريع باستقلالية، يعزو خبراء هذا التعطيل الذي يضرب المؤسسات عند كلّ استحقاق، إلى الثغرات الدستورية، التي أبقت مهلة تأليف الحكومة مفتوحة أمام الرئيس المكلّف، كما حالت دون اجتماع حكومة تصريف الأعمال لاتخاذ القرارات، سوى في حالة الحرب أو الكوارث، وقيّدت عمل البرلمان بوجود حكومة شرعية حاصلة على ثقة ممثلي الشعب، إلا في الحالات الضرورية جداً، وهو ما سارعت مصادر رئيس مجلس النواب نبيه برّي، إلى نفيه والتشديد على أن صلاحية المجلس بالتشريع، مطلقة، حتى في ظلّ حكومة تصريف الأعمال».
وأكدت مصادر بري لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة 69 من الدستور، تجعل المجلس النيابي في دورة استثنائية فور دخول الحكومة مرحلة تصريف الأعمال، وبالتالي المجلس سيّد نفسه والعمل التشريعي غير مقيّد بموعد تشكيل حكومة»، مشيرة إلى أن الرئيس برّي «لا يزال يتمهّل في الدعوة إلى جلسة تشريعية عامة، للحثّ على عملية تأليف الحكومة».
وتنتظر البرلمان اللبناني مجموعة من مشاريع القوانين الملحّة التي لا تحتمل التأجيل والمماطلة، وأوضحت مصادر رئيس المجلس، أن بري «أصرّ على انتخاب اللجان الأسبوع الماضي، لاستكمال المطبخ التشريعي للمجلس النيابي». وقالت «هناك نحو 13 مشروع قانون على درجة كبيرة من الأهمية تخصّ مؤتمر «سيدر» والبنك الدولي وبعض الاتفاقات الدولية المخصصة لدعم لبنان، والرئيس برّي دعا اللجان للمباشرة بدرسها، على أن يتم التصويت عليها وإقرارها بقوانين فور إحالتها على الهيئة العامة».
وكان رئيس مجلس النواب لوح الأسبوع ما قبل الماضي بعقد جلسة عامة للبرلمان للتشاور في شأن تشكيل الحكومة، وحثّ الأطراف على تسريع عملية التأليف، لكنه عاد وسحب هذه الدعوة حتى لا تفسّر بمثابة الضغط على الرئيس المكلّف سعد الحريري، في وقت أوضح وزير المال علي حسن خليل، أن ثمة مشاريع قوانين ملحّة تحتاج إلى إقرارها في المجلس، منها ما يتصل بصرف الأموال وتأمين رواتب موظفي القطاع العام.
ولا تزال عشرات الملفات رهن تشكيل الحكومة الجديدة التي تتنازعها المحاصصة والصراعات السياسية، وقد أيّد الخبير القانوني والدستوري النائب السابق صلاح حنين، ما ذهبت إليه أوساط رئيس المجلس النيابي، وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «البرلمان مؤسسة دستورية قائمة وفاعلة سواء بوجود حكومة تحظى بالثقة، أو مع حكومة تصريف الأعمال». وقال بأن «الدستور اللبناني ينصّ على فصل السلطات وتعاونها، والمؤسسات وجدت لتسهّل أمور الناس لا لتعطلها، ولذلك فإن المادة 69 من الدستور جعلت المجلس في دورة استثنائية في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، وهذا يعني حقا مطلقا للمجلس بعقد جلسات وتشريع القوانين متى ارتأى ذلك ضرورياً».
ورغم تحرر البرلمان من القيود الموضوعة على تأليف الحكومة، ثمة حاجة ملحّة لوجود حكومة دستورية، تنفّذ القوانين المفترض أن يقرّها المجلس في الأيام أو الأسابيع المقبلة، وهو ما يندرج تحت بند تعاون السلطات الدستورية، وشدد الخبير الدستوري، على أن «كلّ القرارات الحياتية التي تصب في صميم عمل السلطة الإجرائية تحتاج إلى وجود حكومة شرعية تحظى بثقة البرلمان، وبالتالي فإن البلد لا يمكنه الصمود طويلاً على هذا الحال». ولفت إلى أن «حكومة تصريف الأعمال لا يمكنها الآن أن تفاوض الدول والمؤسسات المالية العالمية للبدء بتنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر»، لأن الأمر يتطلب حكومة تمسك بزمام الحكم في لبنان، وقادرة على تقديم ضمانات للمجتمع الدولي بترجمة الإصلاحات المالية المطلوبة من قبل البنك الدولي والدول والمؤسسات المانحة والمقرضة، وحماية الاستقرار المالي والنقدي»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «التلزيمات المرتبطة باستخراج النفط والغاز تحتاج إلى حكومة دستورية، بالإضافة إلى الملفات الحياتية من صحة وبيئة وتعليم أيضاً». وسأل «إذا انكب البرلمان اليوم على إقرار مجموعة من القوانين، من ينفّذ هذه القوانين في غياب الحكومة؟»، موضحاً أن «هذا الأمر يصبّ في نطاق تعاون السلطات الدستورية لينتظم العمل العام».
لبنان يفقد مقومات الصمود في ظلّ حكومة تصريف الأعمال
مصادر برّي: الشلل لا يطال البرلمان ومقبلون على التشريع
اجتماع للرئاسات اللبنانية الثلاث في القصر الجمهوري الخميس الماضي (موقع البرلمان اللبناني)
لبنان يفقد مقومات الصمود في ظلّ حكومة تصريف الأعمال
اجتماع للرئاسات اللبنانية الثلاث في القصر الجمهوري الخميس الماضي (موقع البرلمان اللبناني)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
