حكومة إردوغان «تحتل» الإعلام التركي... ولا حيز للصوت المعارض

الحملة مستمرة رغم المقاضاة الدولية والمطالبات بتعويضات بالملايين

من احتجاجات أهل الصحافة العام الماضي للمطالبة بالإفراج عن الصحافيين المعتقلين (رويترز)
من احتجاجات أهل الصحافة العام الماضي للمطالبة بالإفراج عن الصحافيين المعتقلين (رويترز)
TT

حكومة إردوغان «تحتل» الإعلام التركي... ولا حيز للصوت المعارض

من احتجاجات أهل الصحافة العام الماضي للمطالبة بالإفراج عن الصحافيين المعتقلين (رويترز)
من احتجاجات أهل الصحافة العام الماضي للمطالبة بالإفراج عن الصحافيين المعتقلين (رويترز)

نبهت شكاوى أحزاب المعارضة التركية من غياب الحد الأدنى من الفرص لظهور مرشحيها للانتخابات الرئاسية، وكذلك تغطية مؤتمرات قادتها في الانتخابات البرلمانية، اللتين أجريتا معاً بشكل مبكر في 24 يونيو (حزيران) الماضي، مجدداً، إلى وضع الإعلام في تركيا، وتحوله إلى صوت واحد، بعد أن باتت غالبية وسائل الإعلام تتبع الحكومة، وتوالي الرئيس رجب طيب إردوغان، بشكل ما أو بآخر.

صفقات غامضة وقضايا دولية
منذ وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا، واتهم الداعية فتح الله غولن وحركة «الخدمة» التابعة له بتدبيرها، صادرت الحكومة عدداً من كبريات المجموعات الإعلامية، مثل «كوزا إيباك» وغيرها، وفرضت الوصاية عليها ثم أغلقتها، كما اعتقل عشرات الصحافيين العاملين في إصدارات قريبة من حركة غولن، فيما رصدت تقارير لمنظمات تعنى بمتابعة حرية الصحافة والإعلام عمليات شراء للصحف والقنوات التلفزيونية، وآخرها مجموعة «دوغان» الإعلامية التي بيعت لأحد رجال الأعمال المقربين للرئيس التركي، والتي تضم صحيفة «حرييت» وقناتي «سي إن إن تورك» و«دي»، وغيرها، وكانت تعد من المجموعات الأخيرة ذات التوجهات المعارضة.
ولم تعد قضية مصادرة وسائل الإعلام وفرض السيطرة عليها من جانب الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي مر عليها عامان قضية محلية تخص تركيا وحدها، بل تشعبت لتشمل أطرافاً أخرى. فبحسب تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، فإن استيلاء الحكومة التركية على شركات إعلامية مستقلة سيواجه تحدياً في قضيتين دوليتين، على أساس أن عمليات الاستيلاء على مليارات الدولارات تنتهك معاهدات الاستثمار التي تشمل بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
وتهدف المطالبة المتعلقة ببريطانيا، التي تبلغ قيمتها أكثر من 5 مليارات دولار (3.8 مليار جنيه إسترليني)، ما يُقال إنه مصادرة بدوافع سياسية من قبل نظام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمجموعة «كوزا إيباك» الإعلامية، حيث نقلت القضية إلى مركز تسوية المنازعات الاستثمارية التابع للبنك الدولي في واشنطن.
وتم تحريك هذه الدعوى من قبل شركة «إيباك» الاستثمارية القابضة، التي يرأسها رجل الأعمال التركي حمدي أكين إيباك الذي يعيش في بريطانيا. ومن ضمن شركاتها مجموعة «كوزا إيباك»، التي كانت تتبعها صحيفة «بوجون» وقناتها التلفزيونية وقناة «كنال تورك» في تركيا.
وترى مجموعة «إيباك»، التي كانت أولى المجموعات التي فرضت عليها الوصاية ثم صودرت بدعوى قربها من الداعية فتح الله غولن، أنه لن يكون بالإمكان أن تحصل على العدالة داخل تركيا، وبالتالي بدأت العمل في منتدى يخضع فيه نظام إردوغان «المثير للجدل» للتدقيق القضائي الدولي، بحسب الصحيفة البريطانية.

تحت إشراف صندوق المدخرات
تتكون مجموعة «إيباك المحدودة للاستثمار» من كثير من الشركات التي تعمل في مختلف القطاعات، بما في ذلك التعدين والبناء والطيران والزراعة والسياحة ووسائل الإعلام، وتم إغلاق منافذها الإعلامية وتحويل أصولها إلى الحكومة.
ويدير أوصياء عينتهم الحكومة مجموعة «كوزا إيباك» الإعلامية، التي يقبع مديرها تكين أكين إيباك في السجن لأكثر من عامين، وهو شقيق حمدي أكين إيباك رئيس شركة «إيباك» القابضة، وتخضع المجموعة لإشراف صندوق التأمين على الودائع والمدخرات التركي.
وتوفر معاهدات الاستثمار الثنائية، مثل المعاهدات الموقعة بين تركيا وبريطانيا، للمستثمرين وسيلة للحصول على تعويض عن المعاملة غير العادلة أو التمييزية، وهو ما حدث مع مجموعة «إيباك» التي قدرت أضرارها بما يتراوح بين 5 و6 مليارات دولار.
وصادرت الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة أكثر من 1100 شركة، وأخضعتها لإشراف صندوق التأمين على الودائع والمدخرات، واعتقل الصحافيون العاملون في الصحف والقنوات التابعة لأكثر من 149 وسيلة إعلامية ضمن هذه الشركات المصادرة.
وقال متحدث باسم مجموعة «إيباك» إن حصتها في السوق التركية وخارجها كانت تتألف من تجارة بمليارات الدولارات، وتم استهدافها عن عمد من قبل نظام إردوغان. وحتى قبل وقوع محاولة الانقلاب، أظهرت الحكومة التركية «التجاهل التام لحقوق الملكية وحقوق الإنسان وكل المبادئ والقواعد المعمول بها».
وقال ماركوس بورغستولر، وهو شريك في شركة «غبسون» للمحاماة في لندن، لـ«الغارديان»: «زعمت تركيا أن الشركة كانت جزءاً من حركة غولن، وهي الآن تحت وصاية صندوق تأمين الودائع والمدخرات في تركيا (...) لم يستثمر موكلي في صحيفة (زمان) مباشرة، ولكن في الشركة التي قدمت خدمات للصحيفة».

قضايا عالقة
يطالب المدعون خارج تركيا في القضايا التي تتعلق خصوصاً بوسائل الإعلام بتعويضات لا تقل عن 65 مليون يورو، لكن من المتوقع أن تستغرق القضايا سنوات عدة قبل إصدار الحكم.
وباتت الحكومة التركية تسيطر، وفق مراقبين، على 90 في المائة تقريباً من وسائل الإعلام في تركيا، واشتكت المعارضة في فترة الانتخابات الأخيرة من حرمانها من حقها في الظهور في وسائل الإعلام المملوكة للدولة، وهاجم محرم إينجه، مرشح حزب الشعب الجمهوري للانتخابات الرئاسية، شبكة قنوات «تي آر تي»، التابعة للدولة، لتغطيتها المستمرة لنشاطات وخطابات وتحركات إردوغان، وتجاهل باقي المرشحين، كما اشتكى من ممارسات أخرى، مثل قطع البث في مؤتمراته من جانب إدارة القمر الاصطناعي التركي.
وقبل الانتخابات، اشترت مجموعة «ديميرورين» مجموعة «دوغان» الإعلامية، التي تضم صحيفة «حرييت» وقناتي «سي إن إن تورك» و«دي» ووكالة أنباء «دوغان»، في أكبر صفقة عرفتها الساحة الإعلامية التركية، بلغت 1.2 مليار دولار. وعلى الرغم من أن صحف وقنوات مجموعة «دوغان» لم يكن ينظر إليها على أنها معارضة للحكومة تماماً، فإنه كان ينظر إليها باعتبار أن سياستها التحريرية مستقلة نسبياً في السنوات الأخيرة.
وسبق للمجموعة نفسها أن اشترت صحيفتي «وطن» و«ميلليت» وقناة «ستار» في عام 2011، وتحولت سياساتهما إلى موالاة الحكومة. وعلق الصحافي التركي البارز قدري غورسيل، الذي أطلق سراحه من السجن نهاية العام الماضي، على «تويتر»، بأنه بهذه الصفقة سيخضع 90 في المائة من الإعلام التركي لسيطرة الحكومة.

مطبوعات «حذرة»
في عام 2009، تعرضت مجموعة «دوغان» القابضة، التي تعمل أيضاً في مجالات الطاقة والتجارة والتأمين، لغرامة قياسية بلغت 2.5 مليار دولار بعد إدانتها بالتهرب من الضرائب، ما أثار جدلاً حول الضغوط الحكومية على وسائل الإعلام.
واضطرت المجموعة لبيع صحيفتي «ميلليت» و«وطن» وقناة «ستار تي في» لتحقيق بعض التوازن المالي.
ولفت مراقبون إلى أن صحيفة «حرييت» حرصت في الأشهر الأخيرة على عدم إثارة غضب السلطات في تغطياتها الإخبارية، رغم استمرار عمل بعض الكتاب الناقدين فيها.
وإذا كانت عمليات الاستحواذ والشراء قد أسهمت في تضييق مساحة الإعلام المعارض في تركيا إلى أدنى درجة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل مصدر إزعاج كبير للسلطات، ولذلك مرر البرلمان التركي في مارس (آذار) الماضي تشريعاً يضع جميع منصات البث على شبكة الإنترنت تحت مراقبة الهيئة المسؤولة عن البث في البلاد، وجاء ذلك بالتزامن مع صفقة الاستحواذ على مجموعة «دوغان»، ووصل حظر المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية من قبل الحكومة التركية إلى أرقام ضخمة، حيث تحظر 172 ألف موقع إلكتروني، من بينها «ويكيبيديا» وآلاف من حسابات «تويتر».
ويلزم القانون الجديد الشركات بالحصول على ترخيص من الهيئة التنظيمية قبل بدء البث على الإنترنت، ويمكن للهيئة إيقاف خدمة البث في غضون 24 ساعة، بموجب حكم صادر عن المحكمة.
وذكر يمان أكدينيز، وهو أكاديمي يتابع سير الرقابة، أن تركيا تحظر نحو 172 ألف موقع إلكتروني، من بينها «ويكيبيديا». وكانت هناك فترات تم خلالها حظر موقعي «تويتر» و«يوتيوب»، وما زالت الآلاف من حسابات «تويتر» محظورة.

صحافيون «غير أحرار»
ونتيجة للممارسات التي تشهدها تركيا في ما يتعلق بالإعلام، خفضت منظمة «فريدم هاوس» الأميركية وضع تركيا من حيث الحريات من «حرة جزئياً» إلى «غير حرة»، في تقريرها عن الحريات في العالم لعام 2018. وتراجع تصنيف «الحقوق السياسية» في تركيا من 4 إلى 5، وانخفض تصنيف «الحريات المدنية» من 5 إلى 6. ولفت التقرير إلى أن استمرار محاكمات الصحافيين واعتقالهم، وإغلاق وسائل الإعلام، إضافة إلى أن الاعتقال استناداً إلى تغريدات أو آراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يزال ممارسة شائعة، سيؤدي إلى رقابة ذاتية واسعة النطاق، وتأثير بارز عام على الخطاب السياسي.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أخيراً إن «العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لن تشهد تقدماً ما دامت تركيا تسجن صحافيين، وإن تركيا تتحرك بعيداً عن طموحاتها الأوروبية في الماضي، وسوف يتعين أن نرى نوع التقدم الذي ستحققه تركيا في الشهور المقبلة، لكن لن يكون هناك أي نوع من التقدم بينما يقبع صحافيون في سجون تركية».
واعتقلت السلطات في تركيا أكثر من 160 ألف شخص، وأغلقت نحو 140 من وسائل الإعلام، في حملة أمنية أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. وتقول جمعية الصحافيين الأتراك إن نحو 160 صحافياً يقبعون في السجون التركية، وتؤكد جماعات واتحادات دولية معنية بالصحافة أن تركيا الآن هي أكثر دولة تسجن الصحافيين في العالم.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.